شؤون آسيوية – غزة –
في وقت يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة دمار واسع، وأزمة إنسانية خانقة، وتعثر مستمر في جهود إعادة الإعمار، أثار الإعلان عن تشكيل ما يُعرف بـ”مجلس السلام” لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب موجة واسعة من الشكوك والانتقادات في الأوساط الفلسطينية، وسط تساؤلات حول شرعيته وأهدافه الحقيقية.
ويُعد المجلس جزءا من خطة أمريكية مكونة من 20 بندا لإنهاء الصراع في غزة، أُدرجت بعض عناصرها ضمن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لعام 2025، ويهدف المجلس إلى الإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، وترتيبات نزع السلاح، وإدارة مرحلة انتقالية تقوم على الحكم التكنوقراطي.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا تشكيل المجلس ووجه دعوات إلى قادة العديد من الدول للانضمام إليه. وبعد ذلك، أعلن البيت الأبيض أسماء أعضاء مجلسه “التنفيذي التأسيسي” و”مجلس غزة التنفيذي”، بالإضافة إلى تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة غزة.
— المصداقية موضع تساؤل
استنكرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في 22 يناير الجاري، ضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى “مجلس السلام” المعني بقطاع غزة.
وقال المحلل السياسي الفلسطيني جهاد أبو لحية إن “وجود شخصية مطلوبة للعدالة الدولية على رأس حكومة متهمة بارتكاب حرب إبادة جماعية ضمن مجلس يُفترض أن يعمل من أجل السلام، لا يضعف فقط مصداقية المجلس، بل يقوّض فكرته من أساسها”.
وأضاف أن “السلام، وفق القانون الدولي، لا يمكن أن يُبنى بالشراكة مع منتهكيه، ولا يتحقق قبل المساءلة والمحاسبة”، مشيرا إلى أن السجل السياسي لنتنياهو يتناقض، برأيه، مع أي ادعاء بالانخراط في مسار سلمي، في ظل رفضه السابق لمسارات التهدئة وعرقلته اتفاق شرم الشيخ، ومعارضته تشكيل المجلس التنفيذي المنبثق عن مجلس السلام.
واعتبر أبو لحية أن انضمام إسرائيل، بقيادة نتنياهو، إلى مجلس أُنشئ لمعالجة الوضع في غزة “لا يمكن تفسيره إلا كمحاولة لإفراغه من مضمونه، وتحويله إلى منصة سياسية لتبييض الجرائم أو الالتفاف على مسار العدالة الدولية”.
من جانبه، يرى التاجر الفلسطيني يوسف الحلبي، من شرق مدينة غزة، أن “مجلس السلام” يمثل “مجلس وصاية أنشأه ترامب، الحليف الأبرز لإسرائيل”، معتبرا أنه جاء “في إطار تفاهمات تخدم المصالح الإسرائيلية إلى حد كبير”.
وقال الحلبي إن المجلس “لم يُنشأ لضمان حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة”، مستشهدا باستمرار القصف الإسرائيلي وسقوط قتلى بشكل يومي، “رغم الإعلان عن مجلس السلام، ولجنة حكم فلسطينية، وقوة استقرار دولية”.
— تخوفات حقيقية
تُظهر إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي أن الجيش الإسرائيلي واصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار بشكل يومي، مسجلا 1300 خرق منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ وحتى 21 يناير. وشملت الخروقات 430 حالة إطلاق نار مباشر، إضافة إلى 604 حالات قصف واستهداف جوي ومدفعي طالت مناطق مدنية مأهولة.
بدورها، رأت الصحفية الفلسطينية من غزة، هبة كريزم، أن “مجلس السلام” لا يعدو كونه إدارة دولية جديدة لقطاع غزة، و”الأسماء المطروحة لتشكيله تجعله أقرب إلى نموذج انتداب”.
وقالت كريزم لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن المجلس جاء في سياق سياسي فلسطيني مأزوم، حيث “لا تمتلك القوى السياسية في غزة أو الضفة الغربية قرارها بشكل كامل”، ما يثير “تخوفات حقيقية بشأن قدرة المجلس على تلبية مصالح الشعب الفلسطيني وطموحاته الوطنية”.
وأضافت أن الغموض لا يقتصر على طبيعة المجلس، بل يشمل أيضا “النهج السياسي الذي سيتبعه تجاه غزة”، لا سيما أنه برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، “المعروف بمواقفه المثيرة للجدل”، الأمر الذي ينعكس سلبا على مستوى الثقة الشعبية به.
وحذرت كريزم من مخاطر تجاوز دور الأمم المتحدة، مؤكدة أن “تجربة عقود من القضية الفلسطينية أثبتت أن المنظمة الدولية هي الجهة الأقدر على تلبية احتياجات اللاجئين”، مضيفة أن “تصفية دور الأمم المتحدة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تنذر برغبة أمريكية إسرائيلية في مواصلة مخطط التهجير، ونقل مهام المنظمة الأممية إلى أطر دولية أخرى بإشراف أمريكي”.
— تحديات مطروحة
في المقابل، قال وليد عدوان، وهو موظف في السلطة الفلسطينية ونازح حاليا في مركز إيواء بحي الرمال وسط غزة، إن موقف حركة حماس المتحفظ إزاء المجلس جاء في ظل “التغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، خاصة بعد الضربات التي تعرض لها حلفاؤها الإقليميون”.
ومع ذلك، شدد عدوان على أن “مجلسا يقوده الرئيس الأمريكي ترامب لن يحظى بشرعية حقيقية داخل المجتمع الفلسطيني”، واصفا إياه في الوقت نفسه بأنه “الخيار الأخير المتاح لضمان استمرار وقف الحرب”.
وأشار إلى أن التحديات التي تواجه أي آلية حكم في غزة “معقدة ومتعددة”، وتشمل فتح معبر رفح، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتوفير قوة فعلية على الأرض لحماية قرارات لجنة التكنوقراط، إضافة إلى مدى جدية انسحاب الجيش الإسرائيلي وترك المجال أمام اللجنة للعمل.
المصدر: شينخوا

