شؤون آسيوية – الرياض –
احتضنت السعودية على مدى ثلاثة أيام أعمال النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026، حيث تحولت العاصمة الرياض إلى منصة دولية مفتوحة جمعت أكثر من 300 من قادة الإعلام والخبراء والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم.
وخلال أكثر من 150 جلسة حوارية انعقدت في الفترة من 2 إلى 4 فبراير الجاري، ناقش المشاركون مستقبل الصناعة الإعلامية، وأعادوا تعريف دور الإعلام بوصفه قوة ناعمة وشريكًا إستراتيجيًا في التنمية، وصانعًا للتأثير والرواية، لا مجرد ناقلٍ للحدث، في عالم يتشكل بوتيرة غير مسبوقة.
وقال وزير الإعلام السعودي سلمان بن يوسف الدوسري، إن انعقاد المنتدى في فبراير 2026 يكتسب رمزية استثنائية لتزامنه مع مرور عشرة أعوام على إطلاق رؤية المملكة 2030، التي أسهمت في إحداث نقلة نوعية في الإعلام السعودي.
وأضاف أن الإعلام لم يعد وسيطًا لنقل الوقائع فحسب، بل أصبح أداة فاعلة لصناعة التأثير ونقل التجربة السعودية إلى العالم.
— الذكاء الاصطناعي في صدارة النقاش
وخلال المنتدى، أعلن وزير الإعلام السعودي إصدار وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام، لترسيخ مفهوم الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، مؤكدًا أن التحول الإعلامي الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل التقنية.
وتُعد الوثيقة إطارًا توجيهيًا ينظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر دورة حياة المحتوى الإعلامي، من الإنتاج والنشر إلى إعادة التوزيع عبر وسائل الإعلام ومنصات المحتوى الرقمي، بما يضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات، ويحافظ على سلامة المحتوى، ويصون القيم المجتمعية وحقوق الأفراد.
وتهدف الوثيقة إلى مواجهة التحديات المتنامية المصاحبة لهذا التوسع، وفي مقدمتها انتشار المحتوى المضلل والمغلوط والاحتيالي، وتقنيات التزييف العميق، وما قد تسببه من تضليل للرأي العام.
وعن الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي في الإعلام، قال رئيس قسم الإعلام بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الملك سعود، الدكتور فيصل العقيل لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن تصاعد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي يفرض إعادة نظر جذرية في الأطر الأخلاقية والمهنية الحاكمة للممارسة الصحفية.
وتابع العقيل أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا في تشكيل المحتوى الإعلامي واتجاهاته، الأمر الذي يستدعي تطوير سياسات تحريرية واضحة تنظم استخدامه داخل غرف الأخبار.
وأوضح أن أحد أبرز التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي يتمثل في قدرته على تسريع إنتاج المحتوى ومعالجة كميات هائلة من البيانات، وهو ما منح المؤسسات الإعلامية كفاءة تشغيلية أعلى، لكنه في المقابل خلق تحديًا حقيقيًا يتعلق بالحفاظ على جودة المحتوى وعمقه المهني.
وأضاف أن التعامل مع أخطاء الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون وفق نفس المعايير المهنية المتبعة في العمل الصحفي التقليدي، من حيث الاعتراف بالخطأ وتصحيحه بشفافية وسرعة، دون التذرع بالطابع التقني للأداة المستخدمة.
من جهته، قال الدكتور أحمد المعيدي، الأستاذ المشارك في قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، لـ((شينخوا)) إن الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل بنية العمل الصحفي داخل غرف الأخبار، مشيرًا إلى أن هذا التحول يفرض في الوقت ذاته مسؤوليات أخلاقية ومهنية متزايدة على المؤسسات الإعلامية والصحفيين.
وأوضح المعيدي أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحافة لم يعد مقتصرًا على الجوانب التقنية، بل أصبح جزءًا من دورة إنتاج المحتوى الإعلامي، من جمع البيانات وتحليلها، إلى تفريغ المقابلات والترجمة وأتمتة المهام الروتينية.
وأضاف أن هذه التقنيات أسهمت في رفع كفاءة العمل الصحفي وتسريع وتيرته، ما أتاح للصحفيين فرصة أكبر للتركيز على التحقيقات المعمّقة والتحليل النقدي وصياغة السرد الصحفي القائم على الفهم والسياق، بدل الانشغال بالأعمال الإجرائية المتكررة.
وفيما يتعلق بالتحديات الأخلاقية، أشار المعيدي إلى أن أبرز الإشكالات تكمن في التحيز الخوارزمي واحتمالات إنتاج محتوى غير دقيق أو مضلل، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي يتعلم من بيانات سابقة قد تكون مشبعة بانحيازات ثقافية أو اجتماعية، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على التغطيات الإعلامية، خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بالهوية أو الشأن العام.
وشدد على أهمية عدم الاعتماد الأعمى على مخرجات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الرقابة البشرية والتحقق المهني يظلان عنصرين أساسيين لضمان دقة المحتوى واحترام الخصوصية والحفاظ على القيم الأخلاقية للصحافة.
— معسكر الابتكار الإعلامي الدولي
وشهد المنتدى انطلاق النسخة الثانية من معسكر الابتكار الإعلامي الدولي، وهو مبادرة تهدف إلى دعم الابتكار الإعلامي وتمكين المواهب من تطوير حلول ومشاريع إبداعية قائمة على الذكاء الاصطناعي، تسهم في إثراء المشهد الإعلامي بمخرجات حديثة.
ويستهدف المعسكر في نسخته الدولية الشركات التقنية الناشئة المحلية والعالمية، والمؤسسات الإعلامية، إضافة إلى الأفراد المهتمين بالإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، من الفئة العمرية بين 18 و40 عامًا، سواء بشكل فردي أو ضمن فرق عمل.
ويشمل البرنامج ثلاثة مسارات رئيسة، هي: الصحافة المعززة بالذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى الذكي بمختلف أشكاله، إضافة إلى تطوير المذيع الافتراضي الذكي القادر على إنتاج وتقديم المحتوى الإخباري بأسلوب مرئي وسمعي يحاكي أداء المذيعين الحقيقيين.
— معرض فومكس… نافذة المستقبل
كما شهد المنتدى انطلاق معرض مستقبل الإعلام “فومكس”، الذي ضم أجنحة لمؤسسات حكومية وشركات محلية ودولية، عرضت من خلالها أحدث منتجاتها وابتكاراتها في مجالات الإعلام والراديو والتلفزيون والتقنيات الرقمية.
وتضمن المعرض منطقة مخصصة لإطلاق الابتكارات الإعلامية، وإبرام الشراكات الإستراتيجية، إلى جانب مسرح “فومكس”، الذي احتضن جلسات نقاش وورش عمل بمشاركة متحدثين بارزين محليًا ودوليًا، ما عزز من دور المنتدى بوصفه منصة شاملة لصياغة مستقبل الإعلام في المنطقة والعالم.
وقال رئيس المنتدى السعودي للإعلام محمد بن فهد الحارثي، إن معرض مستقبل الإعلام حقق مشاركة عالمية واسعة، إذ شاركت فيه أكثر من 250 شركة عرضت أحدث تقنيات صناعة المحتوى.
وأضاف الحارثي أن الإعلام اليوم شريك في التنمية وصناعة الوعي ومحرك للتغيير.
— الختام بتحقيق أرقام قياسية في موسوعة غينيس
وأعلن الحارثي تسجيل المنتدى السعودي للإعلام رقمًا قياسيًا عالميًا، بعد أن بلغ عدد زواره 65603 زوار، متوجًا ذلك بالحصول على شهادة من موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
واختتم المنتدى بإعلان الفائزين بجائزته في دورته الخامسة بمساراتها المتنوعة، التي تأتي التزامًا منه في دعم وتحفيز الإبداع الإعلامي في مجالات إعلامية مختلفة.
المصدر: شينخوا

