شؤون آسيوية – خاص –
لم يكن فوز الائتلاف الحاكم في اليابان بقيادة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بأغلبية ساحقة في انتخابات مجلس النواب مجرد حدث انتخابي عابر، بل لحظة مفصلية أعادت رسم المشهد السياسي والاقتصادي والجيوسياسي لثالث أكبر اقتصاد في العالم.
النتيجة التي منحت الحزب الليبرالي الديمقراطي 316 مقعداً من أصل 465، ومع شريكه في الائتلاف حزب الابتكار الياباني 352 مقعداً، فتحت الباب أمام مرحلة سياسية جديدة قد تحمل في طياتها تحولات عميقة في مسار الاقتصاد الياباني، وفي موقع طوكيو داخل شبكة التوازنات الإقليمية والدولية.
داخلياً، يترقب المواطن الياباني كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع ثلاثية معقدة: النمو الضعيف، التضخم المتصاعد، والدين العام الهائل، أما وخارجياً، تراقب الأسواق العالمية والحكومات الكبرى كيف ستترجم تاكايتشي تفويضها الشعبي إلى سياسات مالية ونقدية وأمنية، في زمن يتسم باضطراب اقتصادي عالمي وتوترات جيوسياسية متصاعدة.
تفويض قوي
منذ اللحظة الأولى لإعلان النتائج، بدا واضحاً أن اليابان تدخل مرحلة “تفويض قوي”، لكنه تفويض مشروط بحسابات دقيقة، فالحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي حكم اليابان معظم تاريخها بعد الحرب، لم يحصل فقط على أغلبية مريحة، بل على واحدة من أقوى النتائج في تاريخه.
هذا الفوز منح تاكايتشي سلطة واضحة داخل حزب يشتهر تاريخياً بانقساماته الداخلية وتعدد تياراته. ومع ذلك، فإن هذه القوة لا تعني شيكاً على بياض.
وداخل الحزب نفسه، هناك تيارات متشددة مالياً تخشى أن تؤدي الوعود الانتخابية المتعلقة بتخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق إلى تعميق أزمة الدين العام، الذي يعد الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة.
وأشار تقرير “يابان تايمز” بوضوح إلى أن فوز الحزب لا يشكل تفويضاً للإنفاق ببذخ، لأن رئيسة الوزراء ستواجه ضغوطاً من المتشددين الماليين داخل حزبها، ومن سوق السندات الذي سيراقب كل خطوة حكومية بعين الريبة.
بين النمو والدين العام
الاقتصاد الياباني يقف عند مفترق طرق، فمن جهة، هناك حاجة ملحّة لتحفيز النمو بعد سنوات من الأداء الضعيف، ومن جهة أخرى، هناك حساسية عالية تجاه الدين العام وارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.
الأسواق المالية، ولا سيما سوق السندات، وضعت نفسها في موقع “المراقب الحذر”، حيث أصبح المستثمرون أكثر حساسية لأي إشارة إلى سياسات مالية توسعية غير ممولة بوضوح.
توموهيسا إيشيكاوا، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الياباني، لخّص المعضلة عندما قال إن فوز الحزب الساحق يجلب معه مجموعة متنوعة من الناس، ما يجعل التنسيق الداخلي أكثر صعوبة، وإن الاتجاه التصاعدي لأسعار الفائدة طويلة الأجل يزيد من عدد المتشددين في الإنفاق داخل الحزب، وبالتالي يجعل تمرير إنفاق ضخم أمراً غير سهل.
رغم ذلك، فإن الحكومة الجديدة لا تستطيع تجاهل الضغوط الاجتماعية، لجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وركود الأجور، وتراجع القوة الشرائية للأسر، كلها عوامل غذّت شعوراً عاماً بالضيق الاقتصادي بين اليابانيين.
قرار تاكايتشي الدعوة إلى انتخابات مبكرة جاء في هذا السياق تحديداً: استثمار في شعبيتها المتزايدة، واستجابة لمزاج عام يريد حلولاً ملموسة وسريعة.
وعودها بتعليق أو خفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية أثارت آمالاً لدى الأسر، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف المستثمرين بشأن كيفية تمويل هذه الإجراءات في بلد يعاني أصلاً من عبء ديون ثقيل.
رهان على التحفيز
من زاوية الأسواق، تفاعلت البورصة اليابانية بسرعة، حيث قفز مؤشر “نيكي 225” إلى مستوى قياسي متجاوزاً 56 ألف نقطة، مسجلاً مكاسب تقارب 4 في المئة في جلسة واحدة.
هذا الصعود لم يكن عفوياً، بل مدفوعاً بتوقعات إطلاق حزمة تحفيز حكومية تشمل خفضاً مؤقتاً لضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، وتوسيع الإنفاق على البنية التحتية، ودعم الصناعات التكنولوجية والدفاعية.
في الوقت نفسه، واصل الين تداوله عند مستويات تعزز القدرة التنافسية للصادرات اليابانية، لا سيما في قطاعات السيارات والإلكترونيات، غير أن ضعف الين يرفع كلفة الواردات ويزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
في هذا السياق، يرى طارق الرفاعي، المدير التنفيذي لمركز كوروم، أن نتائج الانتخابات تمنح اليابان فرصة نادرة لتحقيق قدر أعلى من الاستقرار السياسي، وهو عامل محوري في تحسين التوقعات الاقتصادية.
الولاية القوية للحكومة تتيح لها المضي قدماً في سياسات الدعم المالي الهادفة إلى تعزيز النمو وتخفيف الأعباء عن الأسر وتحفيز استثمارات الشركات.
هذه العوامل، بحسب الرفاعي، من شأنها دعم زخم الناتج المحلي الإجمالي حتى عام 2026، ولا سيما عبر الإنفاق الحكومي والإجراءات التي تحد من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة على المستهلكين.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار الإنفاق المالي الكبير يبقي الضغوط قائمة على الدين الحكومي، ويجعل الين أكثر حساسية لإشارات السياسة النقدية.
انعكاسات على النظام المالي
السياسة النقدية بدورها تدخل مرحلة دقيقة، إذ يجد بنك اليابان، الذي ظل لعقود يعتمد سياسة تيسيرية غير تقليدية، نفسه أمام معادلة صعبة، فمن جهة، هناك حاجة للإبقاء على التضخم عند مستويات إيجابية ولكن تحت السيطرة، بما يسمح بتحسن الأجور والطلب المحلي دون الإضرار بالنمو.
ومن جهة أخرى، هناك مخاطر أن يؤدي أي رفع حاد للفائدة إلى الضغط على خدمة الدين الحكومي وإبطاء وتيرة الاستثمار.
محمد الخفاجي، خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، يصف الوضع بأنه “مفارقة معقدة”: رفع الفائدة يضغط على الدين ويبطئ الاستثمار، والإبقاء عليها منخفضة لفترة أطول قد يفاقم ضعف الين ويغذي التضخم المستورد.
التأثير لم يقتصر على الداخل الياباني، حيث انعكست تحركات اليابان على أسواق العملات العالمية، ولفت يوجين إبستين من شركة “ماني غورب” إلى أن التحرك في اليابان يعد أحد العوامل التي تسهم في ضعف الدولار، وأن الوضع في اليابان بات يؤثر بشكل غير مباشر على أسواق أخرى وحتى على فئات أصول مختلفة.
تزامن ذلك مع حديث عن توجه كبار المستثمرين نحو تنويع استثماراتهم بعيداً عن الأسواق الأميركية، ومع نصائح تنظيمية صينية بتقليص الانكشاف على سندات الخزانة الأميركية، ما دفع اليوان إلى أعلى مستوى له في 33 شهراً مقابل الدولار.
الصين والمواجهة الدبلوماسية
ويُعد البعد الأكثر حساسية في فوز تاكايتشي هو البعد الجيوسياسي، ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقات مع الصين، إذ لم ترحب بكين بالنتيجة، واعتبرتها مؤشراً مقلقاً على توجهات أكثر تشدداً من جانب طوكيو.
وسائل الإعلام الصينية، وعلى رأسها “غلوبال تايمز”، تحدثت عن “طبيعة تصادمية” لسياسة اليابان تجاه الصين قد تصبح أكثر وضوحاً بعد الانتخابات، في المقبابل، حذر خبراء صينيون من أن حكومة تاكايتشي قد تتخذ إجراءات استفزازية أكثر بشأن القضايا التاريخية والخلافات السيادية ومسائل الأمن الاقتصادي، ونصحوا بكين بالبقاء منتبهة ومنع ما يعتبرونه محاولة يابانية لإعادة التسلح بشكل راديكالي.
التوتر تصاعد أكثر مع تصريحات تاكايتشي السابقة حول تايوان، حين ألمحت أمام البرلمان إلى إمكانية تدخل اليابان عسكرياً إذا شنت الصين هجوماً على الجزيرة، حيث اعتبرت بكين هذه التصريحات خرقاً لمبدأ “الصين الواحدة” وتهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي.
رد الفعل الصيني لم يقتصر على البيانات الدبلوماسية، بل شمل خطوات عملية لجهة نصح المواطنين بعدم السفر إلى اليابان، تشديد الضوابط التجارية، إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا، وحظر تصدير بعض السلع ذات الاستخدام المزدوج.
وتوعد المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان برد “حازم” إذا تصرفت طوكيو “بتهور وعدم مسؤولية”، مؤكداً أن أي خروج عن الأساس السياسي للعلاقات الصينية اليابانية سيواجه مقاومة شعبية داخل اليابان نفسها ورداً من المجتمع الدولي.
محور طوكيو واشنطن
في المقابل، ترى طوكيو أن البيئة الإقليمية تغيرت جذرياً، فالتدهور الجيوسياسي، إلى جانب المخاوف المتزايدة بشأن التزام الولايات المتحدة بتحالفاتها القديمة، دفع الناخبين نحو تاكايتشي التي تقدم نفسها كمدافعة شرسة عن اليابان على الساحة العالمية.
دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتاكايتشي، وتهنئته العلنية بعد الفوز، يعكس هذا التقارب، حيث وصفها بأنها “زعيمة تحظى باحترام كبير وشعبية واسعة”، وأكد أن الولايات المتحدة واليابان عملتا بشكل وثيق في مجال الأمن القومي.
كذلك، جاءت تهاني الهند وتايوان لتؤكد أن فوز تاكايتشي يعزز محوراً إقليمياً قلقاً من صعود الصين.
من زاوية صينية، هناك إدراك بأن فوز تاكايتشي العريض قد يدفعها إلى مزيد من التشدد، وفي هذا السياق، يرى الباحث ليو وانغ أن بكين قد لا تنخرط مع إدارتها على المدى القريب ما لم تلمس تراجعاً في خطابها بشأن تايوان.
ومن جهته، يرى كاي فنغ أن تاكايتشي وجهت صفعة كبيرة لبكين بفوزها، وأن محاولات الصين للضغط عليها وتغيير موقفها لم تنجح، بل ربما عززت من شعبيتها داخلياً.

