شؤون آسيوية – ديما دعبول –
يشهد الملف الإيراني مرحلة معقدة تتقاطع فيها المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، والضغوط الإسرائيلية والأميركية، مع استمرار إيران في تأكيد سيادتها ودورها الاستراتيجي.
يُظهر السياق أن طهران تسعى لتوجيه الحوار في مسار دبلوماسي عقلاني يعكس مصالحها الوطنية في مجال البرنامج النووي دون التنازل عن حقوقها الأساسية، بينما تواجه ضغوطاً سياسية وعسكرية خارجية تهدف إلى إعادة تشكيل شروط الحوار.
المفاوضات في مسقط: استمرار الحوار تحت شروط واضحة
في العاصمة العُمانية مسقط استؤنفت جولة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، توسطها دبلوماسيون من دول إقليمية تسعى لإنجاح المسار التفاوضي وتخفيف التوتر، يمثل هذا المسار محاولة لكسر الجمود السابق وتحويل التصعيد إلى حوار دبلوماسي جاد، في وقت يحذر فيه كلا الطرفين من تبعات فشل المحادثات على استقرار المنطقة.
من وجهة النظر الإيرانية، هذه الجولة ليست تفاوضاً تحت الضغط وإنما تبادل رسائل سياسية تهدف إلى اختبار جديّة الجانب الأميركي في الحوار قبل الشروع في خطوات عملية؛ وهو ما أكده المسؤولون الإيرانيون بأن المفاوضات يجب أن تكون في ظروف خالية من التهديدات أو الشروط الإضافية.
الخطوط الحمراء الإيرانية
أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بشكل صريح أن المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتحدة محصورة في برنامج إيران النووي فقط، في تصريحات عززت موقف طهران، شدد لاريجاني على أن الحوار لن يشمل قضايا أخرى مثل برنامج الصواريخ أو القضايا الإقليمية، وأن أي نقاش خارج الإطار النووي يُعتبر خارجياً عن نطاق التفاوض الحالي.
ووفق هذا المنطق رفضت طهران أي نقاش حول وقف تخصيب اليورانيوم بشكل كامل أو تقليص برنامجها النووي، معتبرة أن هذا يمس سيادتها الوطنية وحقها المشروع في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية لأغراض مدنية مثل توليد الطاقة وصناعة الأدوية والتطبيقات العلمية.
على المستوى الأمني كرّر المسؤولون الإيرانيون أن أي تهديد عسكري أو ضربة محتملة من الولايات المتحدة أو إسرائيل ستواجه بردّ مضاد قوي، وأن الطابع الدفاعي لقدراتها الصاروخية جزء من أمنها القومي ولا يخضع للمساومة في إطار الحوار النووي.
إسرائيل: لماذا ترفض طهران توسعة النقاش؟
ترى إيران أن محاولات واشنطن أو إسرائيل ربط البرنامج النووي بقضايا الصواريخ أو النفوذ الإقليمي أو دعم الفصائل المسلحة تهدف إلى توسيع نطاق التفاوض إلى ما يتجاوز الاتفاق النووي التقليدي، وهو ما ترفضه طهران كلياً.
موقف طهران هنا ينبع من استراتيجية واضحة للحفاظ على حقوقها السيادية دون أن تُستغل القضايا الأخرى ذريعة لفرض شروط غير عادلة.
هذا الموقف الإيراني يوضح فهم طهران لطبيعة التفاوض التركيز على القضية النووية فقط يوفر بيئة أكثر عدلاً للتفاهم، دون إعطاء أي طرف خارجي مجالاً لربط الملفات أو خلق عراقيل إضافية. كما أن طهران ترى أن تجنب توسيع نطاق الحوار يقلل من إمكانية تصعيد الأزمة وتحويلها إلى مواجهة عسكرية.
الضغوط الدولية والرؤية الإيرانية للحوار الدبلوماسي
تُظهر تصريحات طهران أنها تُعطي أولوية للحوار والتفاوض باعتبارهما السبيل الأكثر كفاءة لتجاوز التوترات، برغم وجود قادة في واشنطن وإسرائيل يدفعون نحو مواقف أكثر صرامة وربط القضايا.
ويشير بعض المحللين إلى أن رفض إيران توسيع نطاق النقاش إلى ما هو أبعد من النووي هو جزء من قدرة طهران على مقاومة ضغوط خارجة ومحاولة إبقاء الحوار تحت سيطرتها، ما قد يمكّنها من الحصول على تنازلات متوازنة تضمن رفع العقوبات وتحسين موقعها السياسي والاقتصادي.
إضافة إلى ذلك، ترى إيران أن التهديدات العسكرية أو السعي لإعادة فرض العقوبات الأحادية لن يُجبرها على التخلي عن حقوقها المشروعـة، بل قد يدفعها إلى مزيد من التشدد في المواقف الدفاعية والسيادية.
نحو تفاهم مشروط أم استمرار في التوتر؟
على الرغم من وجود تصريحات أميركية تُشدد على وجوب تحقيق اتفاق شامل أو مواجهة عواقب قاسية في حال فشل المحادثات، ترى إيران أن الوصول إلى اتفاق عادل ومُنصف يتطلب احترام حقوقها النووية وعدم الضغط على خطوطها الحمراء.
وتأكيد طهران على أن الحوار ينبغي أن يكون مباشراً في إطار زمني مناسب، ومن دون تهديد عسكري أو ربط ملفات أخرى، يعكس رغبة واضحة في تشكيل نمط جديد من التفاوض قائم على الاحترام المتبادل والمصالح الوطنية.
ختاماً، يمكن القول إن الاستراتيجية الإيرانية الحالية ترتكز على تعزيز الحوار النووي الذي يخدم مصالحها الوطنية، والحفاظ على قدراتها الدفاعية، وتفادي الدخول في حرب شاملة، مع التأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يحفظ السيادة الإيرانية ويشمل رفع العقوبات بطريقة متوازنة.

