مرجعيون، جنوب لبنان –
يحلّ رمضان هذا العام على لبنان وسط مشهد مزدوج يجمع بين توتر أمني يطغى على الجنوب وأزمة اقتصادية تعصف بمختلف المناطق، ما يجعل مظاهر الفرح الموسمي خجولة ومتواضعة.
في الكثير من الأسواق اللبنانية، تبدو الحركة ظاهرياً نشطة، لكن خلف الواجهات المضيئة تتوارى حسابات دقيقة تجريها العائلات قبل أي إنفاق، أما في الجنوب، فتختلط بهجة هذا الشهر الفضيل بالقلق الأمني مع تصاعد الأعمال العسكرية الإسرائيلية التي خلفت وما تزال قتلا ودمارا ونزوحا.
فمنذ العام 2019، يعيش لبنان أزمة مالية واقتصادية عميقة أدت إلى انهيار قياسي في قيمة العملة المحلية، بعدما ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي الواحد من 1500 ليرة إلى نحو 89 ألفا و500 ليرة، ما تسبب بارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية والملابس والأدوية والخدمات الأساسية ومع دخول الشهر الفضيل تبدو آثار هذا الانهيار أكثر وضوحاً في تفاصيل الحياة اليومية للأسر.
في الأسواق الشعبية ومراكز التسوق المنتشرة في العاصمة بيروت وفي مختلف المدن والبلدات تراجعت الحركة الشرائية بشكل ملحوظ كما أكد لوكالة أنباء ((شينخوا)) مارك مراد تاجر جملة يعمل في استيراد المواد الغذائية وألعاب الأطفال والملابس.
وأوضح أن “غالبية الزبائن في هذه الفترة باتوا يركزون على السلع الأساسية مثل الأرز والحمص والزيت والسكر، فيما انخفض الطلب على الحلويات الفاخرة وملابس العيد المرتفعة الأسعار”.
وأشار إلى أن “الكثير من العائلات تكتفي بشراء الحد الأدنى من الاحتياجات، وتؤجل مشتريات غير ضرورية بسبب ضيق الميزانيات”.
في مدينة بعلبك شرق لبنان والتي ازدانت شوارعها بالفوانيس الرمضانية، قالت لـ((شينخوا)) هدى اللقيس صاحبة محل لبيع العاب الأطفال إن “الزبائن يتنقلون بين المحال بحثاً عن التخفيضات، وغالباً ما يكتفون بلعبة بخسة الثمن أو بقطعة ملابس واحدة للأطفال، مقارنة بشراء عدة قطع في الأعوام السابقة”.
وتابعت “في هذه المنطقة حيث يعتمد عدد كبير من السكان على الزراعة والأعمال الموسمية، فقد أدى تراجع الدخل وتقلبه إلى انكماش واضح في الإنفاق، مع تركيز شبه كامل على الضروريات”.
وأشارت إلى أن “الظروف الأمنية والأزمة الإقتصادية انعكست كذلك على العادات المرتبطة بالعيد، إذ تقلصت الميزانية المخصصة للزينة والملابس والإفطارات، فالأولوية باتت لتأمين الغذاء والدواء وفواتير الخدمات، في ظل ارتفاع فواتير الكهرباء والمياه والنقل”.
ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد قد انكمش بنحو 38 % منذ العام 2019 كما وفقدت الليرة اللبنانية ما بين 97 و 98 %من قيمتها.
وأوضح أنه “في العام 2025 تراوح معدل التضخم في أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية حوالي 14.6 %”.
في مدينة عاليه بجبل لبنان، حيث تقيم عائلات نزحت من مناطق حدودية، قالت السيدة الخمسينية سوسن حيدر لـ((شينخوا)) إنها “تحاول إعداد مائدة الإفطار “بما تيسّر”، مشيرة إلى أن أسعار الزيت والحبوب والخضار ارتفعت إلى مستويات تفوق قدرة الأسر محدودة الدخل”.
وأضافت “في محاولة من العائلات للتخفيف من كلفة الإفطارات توجهت لإقامة إفطارات جماعية كوسيلة لتقاسم التكاليف وتخفيف العبء المادي”.
في المناطق الحدودية الجنوبية، حيث يتداخل الضغط الاقتصادي مع القلق الأمني يعيش الأهالي ظلم النزوح منذ تدمير منازلهم، ومنهم من يقيم حالياً في مدن صيدا النبطية وصور، حيث يحاولون إعادة ترتيب حياتهم بإمكانات محدودة.
وأوضح مجيد عبد الله من بلدة كفركلا لـ((شينخوا)) أن “الكثير من سكان البلدات الحدودية فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وفي هذا الشهر الفضيل وفي ظل الغلاء الذي طال كل شيء جعل تأمين وجبة إفطار متكاملة تحدياً يومياً”.
وفي محاولة للتخفيف من الغلاء، افتتح تجار مدينة النبطية، بالتعاون مع البلدية سوقاً رمضانياً حوى بسطات تبيع مختلف الحاجيات بأسعار مدعومة لتخفيف الأعباء عن ذوي الدخل المحدود، وفق بيان صادر عن البلدية.
كما نشطت مبادرات خيرية في بلدات مثل بنت جبيل وعيثا الشعب والخيام وشبعا وكفرشوبا لتوزيع حصص غذائية ووجبات إفطار على الأسر الأكثر تضررا، كما أشار لـ((شينخوا)) جميل ضاهر مدير جمعية “أمان الخيرية” تعمل على مساعدة المواطنين في البلدات الحدودية والنازحين منها إلى مدينة بيروت بمختلف الحاجيات الضرورية طيلة شهر رمضان.
وأضاف أن “التضخم في لبنان لم يقتصر على المواد الغذائية، بل شمل الأدوية والوقود والخدمات الأساسية، ما فاقم الضغوط على ميزانيات الأسر، ومع استمرار التحديات الاقتصادية وتباطؤ التعافي، بات الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي هدفاً للجمعيات المانحة والخيرية”.
وقال “رغم إستمرار التوترات الأمنية في الجنوب، يؤكد كثيرون أن التحدي الاقتصادي أصبح أكثر حضوراً في تفاصيل حياتهم، فالمظاهر الاستهلاكية تراجعت، والزينة باتت محدودة، والإنفاق محسوباً بدقة شديدة”.
وفي السياق ذاته، قالت غنوة حمدان محاضرة جامعية في الشؤون الحياتية والإجتماعية لـ((شينخوا)) “يعكس رمضان هذا العام عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان”.
وأضافت “الحذر المالي يطغى على معظم المناطق، فيما يسعى المواطنون إلى التمسك بجوهر الشهر الفضيل من روحانية وتكافل اجتماعي”.
وتابعت “بين ضيق المعيشة وارتفاع الأسعار، يحاول اللبنانيون الحفاظ على طقوس بسيطة، طبق متواضع على المائدة، زيارة عائلية قصيرة، وهدية رمزية للأطفال كدليل على استمرار الحياة رغم قسوة الظروف.
المصدر: شينخوا

