شؤون آسيوية – بكين –
على اختلاف الثقافات وتباين اللغات والعادات، تظل الأسرة الملاذ الأول الذي يضفي على الأعياد معناها الإنساني الأعمق. ففي الصين، يتجسد هذا الحضور بوضوح خلال عيد الربيع، حيث تخفت ضوضاء المدن الصناعية المزدحمة، ويشد الملايين الرحال عائدين إلى قراهم ومدنهم الأصلية، في مشهد تصفه تقارير وزارة النقل الصينية بأنه أكبر حركة سفر موسمية للبشر في العالم.
وفي المقابل، يحتل شهر رمضان في العالم الإسلامي مساحة روحية واجتماعية خاصة، تتجلى يوميا في مائدة الإفطار التي تجمع أفراد الأسرة بعد يوم طويل من الصيام، في طقس يتكرر ثلاثين مرة لكنه يحتفظ في كل مرة بوهجه ودفئه.
وتتنوع الطقوس وتتعدد الخلفيات الدينية والفلسفية، غير أن الأسرة تظل القلب الذي تنبض به الأعياد، والميزان الذي تُقاس به حرارة المناسبة وصدقها. فالعيد، مهما تنوعت مظاهره لا يكتمل دون تلك اللحظة التي يلتقي فيها أفراد العائلة حول مائدة واحدة أو تحت سقف واحد، يستعيدون روابطهم ويجددون دفء حضورهم المشترك.
ويعد عيد الربيع، أو رأس السنة القمرية الصينية، المناسبة التقليدية الأهم في الصين، وهو احتفال تضرب جذوره في أعماق التاريخ لآلاف السنين. وقد أدرجت منظمة اليونسكو طقوس هذا العيد ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، تقديرا لما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية متجذرة. غير أن المظاهر الاحتفالية من عروض فنية وألعاب نارية ورقصات شعبية، رغم بهجتها، تبقى مجرد إطار لجوهر أعمق يتمثل في فكرة العودة إلى البيت.
وخلال هذه الفترة، تتحول عبارة “العودة إلى مسقط الرأس” (هوي لاو جيا) إلى ما يشبه النداء الوجداني الذي يصعب تجاهله. فملايين العمال والموظفين والطلاب يقطعون مسافات طويلة، تمتد أحيانا لآلاف الكيلومترات، فقط ليكونوا بين أهلهم قبل حلول ليلة رأس السنة.
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات وزارة النقل الصينية أن إجمالي رحلات الركاب في عموم البلاد خلال موسم ذروة السفر لعيد الربيع لعام 2025، الذي استمر 40 يوما ويُعرف باسم “تشونيون”، بلغ 9.02 مليار رحلة. وفي العام الجاري 2026، أفادت الوزارة بأن عدد الرحلات بين المناطق تجاوز 1.4 مليار رحلة خلال الأسبوع الأول من هذا الموسم، في مؤشر على استمرار الزخم الكبير لهذا المشهد السنوي.
وفي قلب هذه العودة يقف “عشاء لمّ الشمل” أو (نيان يه فان)، وهو أكثر من مجرد وجبة تقليدية؛ إنه طقس رمزي تتجدد فيه معاني الانتماء والاستمرارية. فالأهمية لا تكمن في تنوع الأطباق بقدر ما تتجلى في اجتماع العائلة بكل أجيالها حول المائدة. يتصدر كبار السن المجلس تقديرا لمكانتهم، بينما يتلقى الأطفال “المظاريف الحمراء” التي تحتوي على نقود، تعبيرا عن الأمنيات بحياة مزدهرة ومستقبل سعيد. إنها لحظة تعيد ترتيب سلم الأولويات، وتذكر الجميع بأن العائلة تظل الأصل الذي تنبثق منه كل الطرق.
وعلى الضفة الأخرى من العالم، يشكل شهر رمضان في الثقافة الإسلامية فترة تفيض بالروحانية، لكنه في الوقت ذاته يحمل بعدا اجتماعيا لا يقل حضورا. فالصيام، بوصفه أحد أركان الإسلام، لا يُمارس في عزلة فردية، بل في سياق جماعي تتشابك فيه العبادة مع العلاقات الإنسانية.
ومع غروب الشمس، تتكرر لحظة الإفطار يوميا، فتتحول المائدة إلى مساحة لقاء تتجدد فيها الروابط العائلية. قد تختلف الأطعمة والتقاليد من بلد إلى آخر، لكن المشهد الإنساني يبقى متشابها؛ أفراد الأسرة يجلسون معا، يتبادلون الدعاء والحديث، ويتشاركون الطعام بعد ساعات من الامتناع. ومع تكرار هذه اللحظة يوميا طوال الشهر، يتغير إيقاع الحياة وتجد العائلة نفسها أمام فرصة نادرة لقضاء وقت مشترك قد يصعب توفره خلال بقية العام.
ومن الصين إلى العالم العربي، ومن القرى الهادئة إلى المدن الصاخبة، يتكرر المشهد بصور شتى، أبواب تفتح وموائد تُمد وأحاديث تستمر حتى ساعات متأخرة، فيما يظل الدفء العائلي قاسما إنسانيا يتجاوز اختلاف اللغة والملبس ومظاهر الاحتفال. فالأسرة هي اللغة الأعمق التي يفهمها الجميع، والإطار الأول الذي يتعلم فيه الإنسان معاني المشاركة والاحترام والتضحية، وتأتي الأعياد، مهما تنوعت أسماؤها وتقاليدها، لتعيد وصل ما تفرقه مشاغل الأيام، كما يظهر جليا في عيد الربيع في الصين وشهر رمضان في العالم الإسلامي، حيث تقاس قوة المناسبة بقدرتها على جمع الأحبة لا بزخارفها ولا بصخبها.
المصدر: شينخوا

