شؤون آسيوية – خاص –
مع تصاعد التوترات العسكرية والضربات المتبادلة في المنطقة، شهدت المدن الإيرانية خلال الأيام الأخيرة مظاهر تضامن شعبي واسعة مع الدولة والجيش.
ففي العاصمة طهران ومدن أخرى، خرجت حشود كبيرة إلى الشوارع في مسيرات ليلية بعد الإفطار، رافعة شعارات تندد بالحرب والاعتداءات الخارجية وتعلن دعمها للدولة والقوات المسلحة.
وتظهر مشاهد متداولة في وسائل الإعلام المحلية الإيرانية تجمعات جماهيرية وسيارات تجوب الشوارع في مواكب تضامن، فيما يشبه استعراضاً شعبياً للوحدة الوطنية.
هذه المسيرات التي تتكرر منذ عدة أيام تعكس حالة تعبئة داخلية في مواجهة العدوان الخارجي، حيث يرفع المشاركون الأعلام الإيرانية ويؤكدون دعمهم للنظام السياسي ومؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مزيجاً من الشعور الوطني والتعبئة الإعلامية في وقت حساس، إذ تحاول الدولة إبراز صورة التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية.
الحياة اليومية في ظل التوتر
على الرغم من أجواء الحرب والتوتر، ما تزال الحياة اليومية في إيران مستمرة بدرجة كبيرة، وإن كانت بوتيرة حذرة.
الأسواق والمحال التجارية لا تزال مفتوحة في معظم المدن، والناس يتنقلون لقضاء حاجاتهم الأساسية من مواد غذائية واحتياجات يومية.
لكن الحركة في بعض الأحياء، خصوصاً في طهران، تتراجع ليلاً مقارنة بالأيام العادية.
فمع ارتفاع مستوى القلق من التطورات العسكرية، يفضل كثير من السكان البقاء في المنازل خلال ساعات الليل، فيما تبقى الحركة نهاراً أقرب إلى النمط الطبيعي.
ويعتمد الإيرانيون في تدبير حياتهم اليومية على شبكات الأسواق المحلية والبازارات التقليدية، التي ما تزال تلعب دوراً أساسياً في توزيع السلع والمواد الغذائية.
كما يستمر عمل وسائل النقل العام والمتاجر الكبرى، وإن كانت بعض السلع تشهد ارتفاعاً في الأسعار بسبب القلق من اضطراب الإمدادات.
الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية
رغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة، لم تشهد إيران حتى الآن انهياراً واسعاً في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه.
غير أن البلاد تعاني منذ سنوات من مشكلات متكررة في الطاقة، أدت أحياناً إلى انقطاعات في الكهرباء خاصة خلال فترات ذروة الاستهلاك.
وتعود هذه المشكلة إلى عدة عوامل، منها زيادة الاستهلاك المحلي، ونقص الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة، إضافة إلى تأثير العقوبات الاقتصادية التي تحد من قدرة البلاد على تحديث قطاع الكهرباء.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن نقص الطاقة أصبح أحد التحديات المزمنة التي تواجه الاقتصاد الإيراني، رغم امتلاك البلاد احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي.
أما المياه، فتعاني بعض المناطق الإيرانية من ضغط على الموارد بسبب الجفاف وتغير المناخ، إلا أن شبكات الإمداد الأساسية ما تزال تعمل في معظم المدن الكبرى.
أزمة العملة وتدهور الريال
واحدة من أبرز المشكلات الاقتصادية التي يواجهها الإيرانيون اليوم هي تدهور قيمة العملة المحلية.
فقد تراجع الريال الإيراني بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ليصل سعر الدولار في السوق المفتوحة إلى أكثر من مليون ريال، وفي بعض الفترات يقترب من 1.4 إلى 1.5 مليون ريال للدولار الواحد.
هذا التدهور الحاد جعل أسعار السلع المستوردة ترتفع بشكل كبير، كما دفع كثيراً من الإيرانيين إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب للحفاظ على قيمتها.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن العملة الإيرانية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها خلال العقد الأخير نتيجة العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية.
التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة
لا يقتصر تأثير الأزمة الاقتصادية على سعر العملة فقط، بل يمتد إلى مستويات التضخم المرتفعة التي تؤثر مباشرة على حياة المواطنين. فقد ارتفعت الأسعار في السنوات الأخيرة بشكل كبير، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية لكثير من الأسر الإيرانية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن التضخم في إيران يقترب في بعض السنوات من مستويات تتراوح بين 40 و50 بالمئة، وهو ما يجعل تكلفة المعيشة ترتفع بسرعة تفوق نمو الدخل.
وفي مواجهة هذه الضغوط، لجأت الحكومة الإيرانية إلى برامج دعم مالي لملايين المواطنين، تشمل تحويلات نقدية ومساعدات اجتماعية لمحاولة تخفيف أثر ارتفاع الأسعار.
الاقتصاد الإيراني بين العقوبات والحرب
يواجه الاقتصاد الإيراني منذ سنوات تحديات مركبة، أبرزها العقوبات الغربية التي تؤثر على صادرات النفط والاستثمارات الأجنبية.
وقد أدت هذه العقوبات إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.
ومع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، ازدادت المخاوف من تأثير الحرب على الاقتصاد المحلي، خصوصاً فيما يتعلق بأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
فالتوترات في الخليج ومضيق هرمز يمكن أن تؤثر على حركة النفط والتجارة العالمية، وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصاد الإيراني.
ومع ذلك، تشير بعض البيانات الرسمية إلى أن الاقتصاد الإيراني ما يزال قادراً على تحقيق نمو في بعض القطاعات، خاصة التجارة غير النفطية، التي شهدت زيادة في حجمها خلال السنوات الأخيرة.
بين التضامن الشعبي والضغوط الاقتصادية
في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام مشهد مركب يجمع بين التعبئة الشعبية في مواجهة التهديدات الخارجية، وبين واقع اقتصادي صعب يواجهه المواطن في حياته اليومية.
ففي الشوارع والساحات تظهر مظاهر التضامن والتأييد للدولة، بينما في الأسواق والمنازل يواجه الناس تحديات ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة.
وبين هذين المشهدين، يحاول الإيرانيون التكيف مع واقع معقد يجمع بين الضغوط السياسية والعسكرية من جهة، والأزمات الاقتصادية المتراكمة من جهة أخرى.
وبينما تواصل الحكومة التأكيد على صمودها وقدرتها على إدارة الأزمة، يبقى السؤال الأهم بالنسبة لكثير من الإيرانيين هو: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد والمجتمع أن يتحملا استمرار هذه الضغوط في المدى الطويل.

