شؤون آسيوية – غزة –
بسلة صغيرة تحملها فوق رأسها، تمشي أريج الأحمد بين الأزقة الترابية المحيطة بمخيمات النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، مرددة بصوت مرتفع “كعك للبيع”.
ويتردد صوت أريج (37 عاما) بين الخيام البلاستيكية والبيوت المدمرة، في محاولة لجذب زبائن قد يشترون بعض الكعك ليسدوا به جوع أطفالهم.
وأريج هي واحدة من آلاف النساء في قطاع غزة اللاتي فقدن أزواجهن خلال الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، وأسفرت، بحسب مصادر طبية فلسطينية، عن مقتل أكثر من 72 ألف شخص وإصابة نحو 172 ألفا آخرين، إضافة إلى دمار واسع طال البنية التحتية والمنازل.
وتقول أريج لوكالة أنباء ((شينخوا)) وهي تحاول موازنة السلة فوق رأسها “رحل زوجي وترك لي ثلاثة أطفال، وأصبحت فجأة مسؤولة عن كل شيء في حياتهم. بين ليلة وضحاها وجدت نفسي أمّا وأبّا لهم في الوقت نفسه”.
وقتل زوجها قبل نحو عامين في غارة إسرائيلية استهدفت منزلا مجاورا لمنزلهم في خانيونس، ومنذ ذلك الحين تغيرت حياتها بالكامل واضطرت للبحث عن أي وسيلة لكسب القليل من المال.
وتضيف “إذا لم أبع هذا الكعك، سينام أطفالي جائعين، خاصة في ظل ضعف الإمكانيات لدى المؤسسات المانحة في غزة”.
ولم تكن خسارة الزوج المأساة الوحيدة في حياة أريج، فقد أصيبت أيضا في قدمها خلال إحدى الهجمات، ما جعل حركتها مؤلمة وبطيئة أحيانا. ورغم ذلك تضطر يوميا إلى السير لمسافات طويلة بين المخيمات والأحياء المدمرة.
وتقول “أمشي أحيانا أكثر من 15 كيلومترا يوميا. الألم في قدمي لا يفارقني، لكنني لا أملك خيارا آخر. أفكر فقط في أطفالي الثلاثة الذين ينتظرونني عند المساء”.
وتبدأ أريج يومها قبل شروق الشمس، حيث تجمع الحطب وتشعل النار لطهي الكعك داخل خيمتها الصغيرة، ثم تحمله في سلتها وتسير لساعات طويلة بين الناس محاولة بيعه.
وتتابع “نستيقظ يوميا لنملأ المياه للاستخدام اليومي ثم مياه الشرب، وبعدها أجمع الحطب لإعداد الطعام. بعد ذلك أخرج لبيع الكعك، وأعود قبل الإفطار في شهر رمضان لأعد الطعام لأطفالي”.
وفي أحد المخيمات القريبة من منزلها المدمر في خانيونس، تجلس أم محمد الأغا أمام خيمتها الصغيرة وقد وضعت على طاولة خشبية بسيطة بعض أكياس رقائق البطاطس والحلوى الرخيصة التي تبيعها للأطفال.
وتحاول أم محمد (42 عاما) أن تبدو قوية وهي تنادي الأطفال لشراء السكاكر، لكن ملامح وجهها تكشف عن سنوات من التعب والحزن منذ فقدان زوجها خلال الحرب.
وتقول السيدة “بعد مقتل زوجي أصبحت مسؤولة عن كل شيء في البيت. لم أكن أعمل من قبل، لكنني اضطررت للبحث عن أي طريقة لأطعم أطفالي”.
قبل الحرب، كان زوجها يعمل عاملا يوميا ويؤمن احتياجات الأسرة الأساسية، لكن بعد مقتله تغيرت حياتهم بالكامل.
وتضيف “لم يبق لدينا شيء تقريبا. منزلنا دمر خلال القصف وانتقلنا للعيش في هذه الخيمة. فكرت طويلا ماذا يمكنني أن أفعل، فاشتريت بعض السكاكر والشيبس وبدأت أبيعها للأطفال هنا”.
ورغم أن ما تكسبه يوميا لا يتجاوز مبلغا بسيطا، فإنه يساعدها على شراء الخبز وبعض الاحتياجات الأساسية.
وتقول “أحيانا أبيع كل ما لدي وأعود سعيدة لأنني سأتمكن من شراء الطعام لأطفالي، وأحيانا تمر ساعات طويلة دون أن يشتري أحد شيئا”.
ولا يقتصر التحدي الذي تواجهه أم محمد على توفير الطعام لأطفالها وتأمين احتياجاتهم اليومية، فهناك جانب آخر أكثر قسوة يتمثل في الأسئلة التي يطرحها أطفالها عن والدهم الراحل.
وتقول “أطفالي ما زالوا صغارا، وأحيانا يسألونني متى سيعود والدهم إلى المنزل، وعندها أشعر أن الكلمات تختفي من فمي ولا أعرف ماذا أقول لهم”.
وتضيف بصوت يملؤه الحزن “أحاول تغيير الموضوع أو أقول لهم إن والدهم في مكان بعيد، لكنني أعرف أن هذا السؤال سيبقى يلاحقني طويلا”.
ووفقا لبيان صادر عن وزارة العمل الفلسطينية بمناسبة يوم المرأة العالمي، فإن نحو 57 ألف امرأة في قطاع غزة أصبحن المعيل الرئيسي لأسرهن نتيجة الحرب، بينما فقدت آلاف العائلات مصادر دخلها بعد تدمير أماكن العمل والمحال التجارية.
وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم في الثامن من مارس من كل عام باليوم العالمي للمرأة، ما تزال نساء قطاع غزة يواجهن ظروفا إنسانية ومعيشية قاسية رغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل.
وبينما تكافح أريج وأم محمد لتأمين لقمة العيش لأطفالهما، تعيش عبير الأسي مأساة مختلفة، إذ فقدت طفليها الاثنين خلال الحرب.
وتقف عبير (28 عاما) يوميا في طابور طويل أمام إحدى الجمعيات الخيرية في مدينة غزة بانتظار الحصول على مساعدات غذائية.
وتقول لـ ((شينخوا)) “مات أطفالي أمام عيني خلال قصف إسرائيلي. لم أستطع إنقاذهم، وكل ما أتذكره هو صراخهم في اللحظات الأخيرة”.
وتضيف بصوت منخفض “كل يوم أستيقظ وأتذكر ما حدث. البيت أصبح فارغا والضحك الذي كان يملأ المكان اختفى تماما”.
وترى عبير أن اليوم العالمي للمرأة يجب أن يكون مناسبة للتفكير في معاناة النساء في مناطق النزاع.
وتقول وهي تشير إلى النساء الواقفات معها في طابور المساعدات “كل امرأة هنا تحمل قصة مؤلمة بداخلها. بعضهن فقدن أزواجهن، وبعضهن أبناءهن، وبعضهن فقدن منازلهن وكل ما يملكنه”.
أما سهير حرارة (35 عاما) من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة فهي الناجية الوحيدة من عائلتها بعد غارة إسرائيلية دمرت منزلهم بالكامل وقتلت ما يزيد على 35 شخصا من عائلتها.
وتقول سهير بينما كانت تجلس أمام قبور عائلتها”في تلك الليلة تغير كل شيء. فقدت والدي ووالدتي وإخوتي، وما زلت أسمع صراخهم كل ليلة قبل أن أنام”.
وتضيف حرارة أنها تحاول اليوم التعايش مع حياة جديدة يملؤها الصمت والذكريات، إذ تقضي كثيرا من الوقت قرب قبور أفراد عائلتها الذين فقدتهم في الغارة.
وتقول إن زيارتها للمقبرة أصبحت جزءا من يومها، حيث تجلس هناك لساعات تستعيد ذكرياتهم وتحاول التخفيف من شعور الوحدة الذي يلازمها منذ تلك الليلة، موضحة أن الحياة بعد فقدان العائلة ليست سهلة، لكنها تحاول التمسك ببعض الأمل ومواصلة حياتها رغم الألم.
وترى سهير أن معاناة نساء غزة لا تحظى بالاهتمام الكافي على المستوى الدولي، داعية المؤسسات الدولية إلى تقديم دعم أكبر للنساء اللواتي فقدن أسرهن ومنازلهن.
ووفقا لوزارة شؤون المرأة في الضفة الغربية قتلت أكثر من 12500 امرأة في غزة منذ بدء الحرب بينهن أكثر من 9000 أم فيما خلفت الحرب نحو 21193 أرملة.
ورغم حجم الخسائر الإنسانية التي خلفتها الحرب، ما تزال كثير من نساء غزة يحاولن إعادة بناء حياتهن يوما بعد يوم، متشبثات بالأمل في مستقبل أكثر استقرارا وأمنا لهن ولأطفالهن.
المصدر: شينخوا

