شؤون آسيوية – بقلم: المستشار د. أحمد يوسف –
حين يصدر النقد لسياسات إسرائيل من مفكرين ومؤرخين وأكاديميين وصحفيين يهود، تتهاوى سريعًا المقولة التي درجت الدعاية الصهيونية على تكرارها، وهي أن انتقاد إسرائيل ليس سوى تعبير عن معاداة السامية. فوجود أصوات يهودية بارزة في طليعة المنتقدين للاحتلال ولسياسات الحكومة الإسرائيلية يكشف بوضوح أن المسألة لا تتعلق بعداء ديني أو عرقي، بل بنقاش سياسي وأخلاقي حول العدالة وحقوق الإنسان.
لطالما لجأت الدعاية الصهيونية، خصوصًا في الغرب، إلى هذه المعادلة التبسيطية التي تربط بين نقد إسرائيل ومعاداة السامية، وقد تحولت مع الوقت إلى أداة جاهزة لإسكات كثير من الأصوات الناقدة، خاصة في الجامعات ووسائل الإعلام. غير أن هذه الرواية تواجه إشكالًا جوهريًا حين يتبين أن عددًا كبيرًا من أبرز المنتقدين لهذه السياسات هم من اليهود أنفسهم؛ أكاديميون ومفكرون وحاخامات وصحفيون وناشطون حقوقيون يرون أن الدفاع عن العدالة لا يتعارض مع هويتهم الدينية أو الثقافية.
ومن بين هذه الشخصيات البارزة البروفيسور نورمان فنكلشتاين، الأكاديمي الأمريكي المعروف وابن لوالدين من الناجين من المحرقة النازية. وقد كرّس جزءًا كبيرًا من أبحاثه لدراسة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، منتقدًا ما وصفه بتسييس ذكرى المحرقة واستغلالها لتوفير حصانة سياسية وأخلاقية لإسرائيل. ويرى فنكلشتاين أن استخدام تهمة معاداة السامية لإسكات النقد يمثل إساءة لذكرى ضحايا المحرقة أنفسهم، لأن تلك الذكرى ينبغي أن تكون دعوةً للعدالة لا غطاءً للظلم.
وفي السياق الأكاديمي ذاته، يبرز المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، أحد أبرز ما يُعرف بـ«المؤرخين الجدد» في إسرائيل، الذين أعادوا قراءة تاريخ قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948. وقد خلص بابيه في أبحاثه إلى أن تهجير الفلسطينيين في تلك المرحلة لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل كان جزءًا من سياسة منظمة هدفت إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين. وقد أثارت أطروحاته جدلًا واسعًا داخل إسرائيل وخارجها، ودفعته في نهاية المطاف إلى مغادرة بلاده والعمل في الجامعات البريطانية.
أما الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي، أحد أبرز كتاب صحيفة هآرتس، فقد اشتهر بمقالاته الجريئة التي تنتقد الاحتلال الإسرائيلي وتكشف واقع الحياة اليومية للفلسطينيين تحت السيطرة العسكرية. ويؤكد ليفي في كثير من كتاباته أن استمرار الاحتلال لا يضر بالفلسطينيين وحدهم، بل يقوّض أيضًا القيم الأخلاقية والديمقراطية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وفي المجال الأكاديمي الغربي، يبرز كذلك البروفيسور جيفري ساكس، أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، الذي عُرف بانتقاداته الصريحة للحروب وسياسات الهيمنة في النظام الدولي. وقد أشار ساكس في أكثر من مناسبة إلى أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يرتبط ارتباطًا وثيقًا بغياب العدالة للفلسطينيين وباستمرار الاحتلال، مؤكدًا أن أي استقرار حقيقي في المنطقة لن يتحقق دون معالجة جذور هذا الظلم التاريخي.
وفي الحقل الديني، يبرز الحاخام يسرائيل ديفيد وايس، أحد رموز جماعة نطوري كارتا اليهودية الأرثوذكسية التي تعارض الصهيونية من منطلق ديني. فهذه الجماعة ترى أن الصهيونية حركة سياسية لا تمثل اليهودية، وأن إقامة دولة يهودية بالقوة السياسية والعسكرية تتعارض مع التعاليم الدينية. ولذلك يشارك حاخاماتها في فعاليات دولية تندد بالاحتلال وتؤكد أن الصهيونية ليست مرادفًا لليهودية.
وفي ميدان النشاط السياسي والحقوقي، تقف الناشطة الأمريكية اليهودية ميديا بنجامين، المؤسسة المشاركة لحركة Code Pink المناهضة للحروب، كأحد أبرز الأصوات التي انتقدت الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ودعت إلى احترام حقوق الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال. كما يُذكر المحامي والناشط اليساري ستانلي كوهين، الذي دافع عن حقوق الفلسطينيين وانتقد السياسات الإسرائيلية من منظور قانوني وأخلاقي، معتبرًا أن استخدام تهمة معاداة السامية كسلاح سياسي يضر بالنضال الحقيقي ضد العنصرية والكراهية.
إن تعدد هذه الأصوات الناقدة للصهيونية يكشف حقيقة مهمة، وهي أن الصهيونية ليست مرادفًا لليهودية، وأن إسرائيل لا تمثل جميع اليهود في العالم. فالمجتمع اليهودي نفسه يشهد تنوعًا واسعًا في المواقف السياسية والفكرية، كما هو الحال في أي مجتمع آخر.
وفي النهاية، فإن هذه الشهادات القادمة من داخل المجتمع اليهودي ذاته تفتح نافذة مهمة لفهم أكثر توازنًا للصراع في فلسطين. فالقضية ليست صراعًا بين ديانات أو أعراق، بل هي في جوهرها قضية عدالة وحقوق إنسان. وحين ترتفع هذه الأصوات من داخل البيت اليهودي نفسه، فإنها لا تفضح فقط زيف الدعاية التي تخلط بين النقد ومعاداة السامية، بل تؤكد أيضًا أن الضمير الإنساني — حين يتحرر من قيود الأيديولوجيا — يصبح أقوى من أي رواية سياسية تحاول احتكار الحقيقة.

