شؤون آسيوية – خاص –
دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أسبوعها الثالث وسط تصعيد متواصل وتوسع غير مسبوق في نطاق العمليات العسكرية، ما جعلها واحدة من أوسع المواجهات المسلحة التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
فالصراع الذي اندلع في 28 فبراير 2026 لم يقتصر على تبادل الضربات بين الدول الثلاث، بل سرعان ما امتد ليشمل عدة جبهات إقليمية، من لبنان إلى الخليج والأردن والعراق، مع تأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطيران الدولي وأسواق الطاقة.
هذا وتحولت الحرب سريعاً إلى معركة استنزاف واسعة النطاق، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية، وتثير مخاوف متزايدة من تحولها إلى حرب طويلة قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
خسائر بشرية ومادية واسعة في إيران
تكبدت إيران أكبر الخسائر البشرية منذ اندلاع الحرب نتيجة القصف الجوي المكثف الذي استهدف مواقع متعددة داخل البلاد، ووفق إحصاءات نشرتها وكالة هرانا الحقوقية الإيرانية، فقد ارتقى أكثر من 2400 شخص خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بينهم أكثر من ألف عسكري ونحو 1300 مدني، إضافة إلى أكثر من 200 طفل.
كما تجاوز عدد الجرحى 16 ألفاً و700 شخص، في حين تعرضت آلاف المنشآت المدنية لأضرار جسيمة.
وأعلنت جمعية الهلال الأحمر الإيراني أن أكثر من 36 ألف وحدة مدنية تضررت جراء الهجمات، معظمها وحدات سكنية ومرافق خدمية عامة، كما خرجت تسعة مستشفيات عن الخدمة نتيجة القصف.
كذلك استهدفت الضربات الجوية مدارس ومراكز إسعاف ومنشآت طبية، فضلاً عن تدمير مركبات إنقاذ وسيارات إسعاف، ما أدى إلى تدهور كبير في قدرة النظام الصحي على التعامل مع أعداد الجرحى المتزايدة.
وقد أدى القصف المتواصل إلى موجة نزوح داخلي واسعة، إذ تشير تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى نزوح ما بين 600 ألف ومليون أسرة داخل إيران، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة ملايين شخص.
كما شهدت البلاد واحدة من أطول حالات انقطاع الإنترنت خلال السنوات الأخيرة، في محاولة من السلطات للسيطرة على تدفق المعلومات في ظل الحرب.
إسرائيل تحت القصف الصاروخي
إسرائيل بدورها لم تكن بمنأى عن آثار الحرب، إذ تعرضت مدنها الرئيسية لسلسلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية، استهدفت خصوصاً منطقة تل أبيب الكبرى ومناطق وسط وجنوب البلاد.
وأعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية مقتل 14 شخصاً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف آخرين منذ بداية الحرب، بينهم عشرات الحالات الخطيرة.
كما تلقت السلطات الإسرائيلية آلاف طلبات التعويض عن أضرار لحقت بالمباني والممتلكات نتيجة سقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقد تصدرت تل أبيب قائمة المدن الأكثر تضرراً، تلتها عسقلان والقدس وعدد من المدن الأخرى.
ويشير خبراء إسرائيليون إلى أن إيران تستخدم في هذه الحرب نوعاً مختلفاً من الصواريخ المزودة برؤوس عنقودية صغيرة، ما يقلل من احتمالات تدمير المباني بالكامل لكنه يزيد من نطاق انتشار الشظايا والأضرار.
وفي الوقت نفسه، يواجه الجيش الإسرائيلي ضغطاً متزايداً على منظومات الدفاع الجوي، خصوصاً في ظل كثافة الهجمات الصاروخية.
وقد كشفت تقارير إعلامية أن إسرائيل تعاني نقصاً في الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في منظومات الدفاع الجوي، ما دفع الحكومة إلى إقرار مشتريات عسكرية عاجلة بمليارات الدولارات لتعزيز المخزون الدفاعي.
خسائر عسكرية أمريكية وتكلفة مالية ضخمة
في السياق، تكبد الجيش الأمريكي أيضاً خسائر مباشرة نتيجة الهجمات الإيرانية على قواعده العسكرية في الشرق الأوسط.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مقتل 13 جندياً أمريكياً منذ بداية الحرب، إضافة إلى إصابة ما بين 140 و150 آخرين بجروح متفاوتة، معظمهم نتيجة هجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية تستخدمها القوات الأمريكية في عدة دول في المنطقة.
كذلك تكبد الجيش الأمريكي خسائر في معداته العسكرية، إذ فقد ما لا يقل عن 11 طائرة مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، وهي من أهم الطائرات المستخدمة في عمليات الاستطلاع والضربات الدقيقة، فيما تشير تقارير عسكرية إلى أن بعضها أُسقط بواسطة الدفاعات الجوية الإيرانية، بينما تعرض بعضها الآخر لأعطال تقنية خلال العمليات المكثفة فوق مناطق القتال.
وتعرضت بعض منظومات الدفاع الجوي الأمريكية لأضرار مباشرة، حيث أعلن مسؤولون عسكريون أن هجوماً صاروخياً إيرانياً أدى إلى تدمير رادار رئيسي تابع لمنظومة THAAD المضادة للصواريخ في إحدى القواعد العسكرية، وهو ما شكل ضربة تقنية مهمة نظراً للدور الذي تلعبه هذه المنظومة في اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
إلى جانب الخسائر الميدانية، تواجه الولايات المتحدة كلفة مالية متزايدة نتيجة العمليات العسكرية، ووفق تقديرات وزارة الدفاع، تجاوزت تكلفة العمليات خلال الأيام الأولى من الحرب 11 مليار دولار، تشمل تكاليف الضربات الجوية وتحريك حاملات الطائرات ونشر أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز الوجود العسكري في المنطقة.
لكن مراكز أبحاث استراتيجية في واشنطن تشير إلى أن الكلفة الحقيقية قد تكون أعلى من ذلك بكثير، إذ ارتفعت التقديرات إلى أكثر من 16 مليار دولار خلال أقل من أسبوعين فقط من القتال، خاصة مع الاستخدام المكثف للصواريخ الدقيقة والذخائر المتطورة في الضربات الجوية.
لبنان يدخل المعركة
لم تبقى الحرب محصورة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إذ سرعان ما امتدت إلى لبنان بعد دخول حزب الله على خط المواجهة، وقد شنت إسرائيل منذ بداية مارس مئات الغارات الجوية داخل الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى ارتقاء مئات الأشخاص وإصابة آلاف آخرين.
كما أدى القصف المتواصل إلى نزوح أكثر من 800 ألف شخص داخل لبنان، في واحدة من أكبر موجات النزوح في البلاد منذ حرب عام 2006.
ومن جهته، كثف حزب الله هجماته الصاروخية على إسرائيل، حيث أطلق عشرات بل مئات الصواريخ يومياً في بعض الرشقات، ضمن عمليات أعلن عنها تحت اسم “العصف المأكول”.
وقد فاجأت هذه القدرة النارية المتواصلة بعض الدوائر الإسرائيلية، التي كانت تعتقد أن الحزب فقد جزءاً كبيراً من قدراته العسكرية خلال السنوات الماضية.
الدول العربية تحت نيران الصواريخ
لم تقتصر تداعيات الحرب على الدول المنخرطة مباشرة في القتال، بل امتدت آثارها إلى عدد من الدول العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية أو تقع ضمن مسار الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما تسبب بخسائر بشرية وأضرار مادية متفاوتة، إضافة إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة على قطاعات الطاقة والنقل والتجارة.
ففي الإمارات العربية المتحدة، التي تعرضت لأكثر من 290 صاروخاً باليستياً ونحو 1600 طائرة مسيّرة منذ بداية الحرب، أعلنت السلطات سقوط 19 قتيلاً وأكثر من 120 جريحاً، فضلاً عن أضرار لحقت بعدد من المنشآت الصناعية ومرافق التخزين في محيط أبوظبي وبعض المناطق الساحلية.
أما الكويت، التي استُهدفت بما يزيد على 220 صاروخاً و300 طائرة مسيّرة، فقد سجلت مقتل سبعة أشخاص وإصابة نحو 40 آخرين، إضافة إلى أضرار محدودة في منشآت لوجستية قريبة من قواعد عسكرية تستخدمها القوات الأمريكية.
وفي قطر، حيث تقع واحدة من أكبر القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة، تعرضت البلاد لسلسلة هجمات شملت نحو 150 صاروخاً باليستياً وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة أكثر من 30 آخرين، إضافة إلى أضرار طفيفة في بعض المرافق المرتبطة بالبنية التحتية العسكرية.
أما المملكة العربية السعودية فقد واجهت واحدة من أكبر موجات الهجمات، إذ أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض عشرات الصواريخ الباليستية وما يزيد على 400 طائرة مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية ومناطق قريبة من منشآت نفطية، وبعض الهجمات نجحت في اختراق الدفاعات ما أدى لمقتل 12 شخصاً وإصابة أكثر من 70 آخرين، إضافة إلى أضرار محدودة في منشآت خدمية بالقرب من مواقع نفطية.
وفي البحرين، التي تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، أعلنت السلطات سقوط أربعة قتلى ونحو 20 جريحاً نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مناطق قريبة من منشآت عسكرية ومينائية.
أما سلطنة عمان فقد تعرضت لهجمات محدودة نسبياً بطائرات مسيّرة، استهدفت موانئ ومناطق صناعية في شمال البلاد، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين، إضافة إلى أضرار طفيفة في بعض المستودعات والمنشآت اللوجستية.
وفي الأردن، الذي تحول إلى ساحة مرور رئيسية للصواريخ والطائرات المسيّرة المتجهة نحو القواعد الأمريكية في المنطقة، أعلنت السلطات سقوط خمسة قتلى وإصابة أكثر من 25 شخصاً نتيجة سقوط صواريخ أو حطام مسيّرات جرى اعتراضها في الجو. كما تعرضت بعض القواعد العسكرية التي تستخدمها القوات الأمريكية لأضرار محدودة جراء الهجمات.
وبالإجمال، تشير تقديرات أولية إلى أن الخسائر البشرية في الدول العربية المرتبطة مباشرة بجبهات الحرب تجاوزت 50 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، إضافة إلى أضرار اقتصادية قدّرت بمليارات الدولارات نتيجة تعطّل حركة الطيران، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، وتعليق بعض الأنشطة النفطية واللوجستية في عدد من الموانئ الخليجية.
كما اضطرت عدة دول في المنطقة إلى تشغيل أنظمة الدفاع الجوي بشكل مكثف طوال الأسابيع الأولى للحرب، وهو ما أدى إلى استهلاك كبير للصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، فضلاً عن رفع مستويات الإنفاق العسكري بشكل عاجل لتعزيز الدفاعات الجوية وحماية المنشآت الحيوية.
اضطراب عالمي في الاقتصاد والطيران
وامتدت آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي، الذي تأثر بشكل مباشر نتيجة اضطراب طرق الطاقة والتجارة الدولية وتعطل حركة الطيران عبر واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحاماً بالممرات الجوية والبحرية.
وارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، في الأيام الأولى من الحرب، مع تصاعد المخاوف من احتمال إغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، حيث قفز سعر خام برنت إلى ما يقارب 118 دولاراً للبرميل في بداية التصعيد قبل أن يتراجع تدريجياً مع إعلان الولايات المتحدة أن العمليات العسكرية قد تكون محدودة زمنياً.
لكن التأثير الأكبر ظهر في قطاع النقل البحري، فقد أعلنت عدة شركات شحن عالمية تعليق أو تقليص رحلاتها إلى بعض موانئ الخليج بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين البحري، فيما ارتفعت رسوم التأمين على السفن التي تعبر الخليج بنسبة تجاوزت 300 في المئة خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، ما أدى إلى زيادة مباشرة في تكاليف نقل النفط والغاز والبضائع.
كما شهدت حركة الشحن اضطراباً واضحاً، حيث اضطرت بعض السفن إلى تغيير مساراتها أو الانتظار لفترات أطول في موانئ المحيط الهندي، ما تسبب في تأخير وصول شحنات الطاقة والسلع الصناعية إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
أما قطاع الطيران فكان من أكثر القطاعات تأثراً بالحرب، إذ أغلقت عدة دول في الشرق الأوسط مجالاتها الجوية بشكل كامل أو جزئي في فترات متقطعة، وهو ما أجبر شركات الطيران العالمية على تغيير مسارات رحلاتها بين آسيا وأوروبا، وهي واحدة من أكثر خطوط الطيران ازدحاماً في العالم.
ووفق تقديرات أولية، تم إلغاء أو تأجيل أكثر من 52 ألف رحلة جوية منذ بداية الحرب، وتأثر ما يزيد على ستة ملايين مسافر نتيجة إغلاق المجال الجوي أو تغيير المسارات الجوية.
كما اضطرت شركات الطيران إلى اتخاذ طرق أطول لتجنب مناطق القتال، ما زاد من زمن الرحلات واستهلاك الوقود ورفع تكاليف التشغيل بشكل كبير، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار تذاكر الطيران، خصوصاً على الرحلات الطويلة بين شرق آسيا وأوروبا.
بعض الرحلات التي كانت تمر عبر أجواء الخليج والشرق الأوسط اضطرت إلى الالتفاف عبر آسيا الوسطى أو جنوب البحر المتوسط، وهو ما أضاف في بعض الحالات ما بين ساعتين إلى أربع ساعات إضافية إلى زمن الرحلة.
كما تعرضت المطارات الرئيسية في المنطقة لضغط كبير نتيجة تحويل مسارات الرحلات أو تعليق بعضها، في حين شهدت شركات الطيران خسائر مالية كبيرة بسبب الإلغاءات المفاجئة وتعويضات المسافرين.
ولم يتوقف التأثير عند النقل والطاقة فقط، إذ انعكست الحرب أيضاً على الأسواق المالية العالمية، حيث شهدت أسواق الأسهم تقلبات حادة في الأيام الأولى من التصعيد، خصوصاً في قطاعات الطيران والسياحة والنقل البحري، بينما سجلت شركات الطاقة ارتفاعات ملحوظة في قيمتها السوقية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز.
ويرى اقتصاديون أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى تأثيرات أوسع على الاقتصاد العالمي، خاصة إذا تسببت في تعطيل طويل الأمد لصادرات الطاقة من الخليج أو في اضطراب دائم في طرق التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا.
جدل سياسي واستراتيجي حول أهداف الحرب
مع استمرار العمليات العسكرية، يتصاعد الجدل السياسي في واشنطن وتل أبيب حول الأهداف الحقيقية للحرب وما إذا كانت العمليات الجارية قادرة فعلاً على تحقيقها، فبينما ركزت التصريحات الرسمية في بداية الصراع على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً برنامج الصواريخ والبنية المرتبطة بالبرنامج النووي، أخذ النقاش في العاصمتين يتجه تدريجياً نحو أسئلة أعمق تتعلق بواقعية هذه الأهداف، وإمكانية تحقيقها، وما إذا كانت الحرب قد تتطور إلى مواجهة أطول وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
في واشنطن، تؤكد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الهدف الرئيسي للعملية العسكرية يتمثل في تقليص القدرات العسكرية الإيرانية ومنع طهران من تطوير سلاح نووي، إذ يقول مسؤولون أمريكيون إن الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت منشآت عسكرية وصناعية داخل إيران تهدف إلى إضعاف قدرة البلاد على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تعطيل البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي.
غير أن هذا الهدف يثير نقاشاً واسعاً داخل الدوائر السياسية والأمنية الأمريكية، حيث يرى عدد من الخبراء أن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، قد لا تكون كافية للقضاء على القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل، نظراً لاتساع الأراضي الإيرانية وانتشار المنشآت العسكرية في مواقع متعددة، بعضها تحت الأرض أو داخل مناطق جبلية محصنة.
ويحذر بعض المحللين في واشنطن من احتمال تحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل، خصوصاً إذا واصلت طهران الاعتماد على ترسانتها الصاروخية وشبكة حلفائها في المنطقة، فضلاً عن أن الإدارة الأمريكية ضغوطاً سياسية داخلية متزايدة، سواء من الكونغرس أو من الرأي العام، لتجنب الانجرار إلى حرب واسعة قد تتطلب نشر قوات برية أو توسيع العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، وهو سيناريو يحمل كلفة سياسية واقتصادية كبيرة، خاصة في ظل المخاوف من تأثير الحرب على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ولا سيما مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز.
في المقابل، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تنظر إلى الحرب من زاوية أوسع، ففي الوقت الذب تؤكد فيه تل أبيب أن الهدف الأساسي هو إزالة “التهديد الإيراني” لأمن إسرائيل، فإن تعريف هذا الهدف يختلف داخل المؤسسة السياسية والعسكرية.
بعض القادة العسكريين يرون أن الهدف الواقعي يتمثل في إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية وتقليص نفوذها العسكري في المنطقة، خصوصاً عبر استهداف البنية المرتبطة بحلفاء طهران الإقليميين.
غير أن تياراً سياسياً داخل إسرائيل يدعو إلى استغلال الحرب لتحقيق نتائج أكثر عمقاً، قد تشمل إضعاف النظام الإيراني نفسه أو دفعه إلى مواجهة ضغوط داخلية تؤدي إلى تغييرات سياسية في طهران.
هذا التباين في الرؤى انعكس على طبيعة العمليات العسكرية، إذ ركزت الضربات الأمريكية على أهداف عسكرية محددة مرتبطة بالبنية الصاروخية والقدرات الدفاعية الإيرانية، في حين وسعت إسرائيل نطاق أهدافها ليشمل بنى عسكرية وأمنية أوسع داخل إيران.
وتشير تقارير إعلامية غربية إلى أن واشنطن تمارس ضغوطاً متزايدة على تل أبيب لاحتواء التصعيد وتحديد سقف زمني للعمليات، خاصة مع توسع الهجمات الصاروخية الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة واحتمال انخراط جبهات أخرى مثل لبنان في المواجهة.
ورغم استمرار التنسيق العسكري الوثيق بين البلدين، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فإن استمرار الحرب لفترة أطول قد يوسع فجوة التباين السياسي بين الحليفين.
ويظل السؤال الأهم في النقاش داخل العاصمتين هو ما الذي سيحدث بعد انتهاء العمليات العسكرية، إذ يبقى الغموض قائماً حول شكل الترتيبات الأمنية والسياسية التي قد تلي الصراع، وما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو مرحلة من الاستقرار النسبي أم نحو جولة جديدة من المواجهات.

