شؤون آسيوية – خاص –
تعتبر قضية المقاتلين الأجانب في سوريا أحد أبرز الملفات الأمنية والسياسية التي تواجه الحكومة الانتقالية الحالية، فبعد سنوات من الصراع الداخلي وتعدد القوى المسلحة، برزت الحاجة لإعادة ترتيب الملف الأمني والعسكري بطريقة تضمن الاستقرار وتقلل من المخاطر المرتبطة بتنامي القوى المتطرفة.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة نظراً لتنوع جنسيات المقاتلين الأجانب، وخلفياتهم القتالية، وتأثيرهم وخطرهم المحتمل على المجتمعات المحلية.
الأعداد
تشير التقديرات الرسمية إلى وجود نحو 3500 مقاتل أجنبي في سوريا، ينحدر أغلبهم من الإيغور القادمين من الصين وآسيا الوسطى، وانضم بعضهم سابقاً إلى جماعات مثل “هيئة تحرير الشام” و”الحزب الإسلامي التركستاني”، إلا أن الأعداد الفعلية تتجاوز ذلك بكثير.
وبعد التفاهم بين دمشق وشركائها الدوليين، تم دمج جزء منهم في وحدة جديدة تسمى “الفرقة 84” التابعة للجيش السوري، لتعمل جنباً إلى جنب مع المقاتلين السوريين.
ويهدف هذا الدمج وفق المبررات الحكومية إلى الحد من انتشار المقاتلين الأجانب خارج الأطر الرسمية ومنعهم من الانخراط في مجموعات متطرفة جديدة.
التعامل الرسمي والدولي
اعتمدت الحكومة السورية نهج الدمج كاستراتيجية رسمية، بالتعاون مع جهات دولية لضمان الشفافية ومراقبة التحركات العسكرية لهؤلاء المقاتلين.
وقد أبدت بعض الدول قلقها من انتشار العناصر الأجنبية داخل الجيش السوري، بينما رأت جهات دولية أخرى أن الدمج يمثل الخيار الأفضل لتقليل المخاطر الأمنية المستقبلية.
المشاركة في المجازر ضد الأقليات
ساهم المقاتلون الأجانب في أحداث أمنية متفرقة في مناطق الساحل السوري والسويداء، بما في ذلك اشتباكات ومجازر دموية واسعة أثارت مخاوف السكان المحليين، خاصة الأقليات والمجتمعات المعتدلة، في ظل انتشار مقاطع الفيديوهات التي توثق انتهاكات يقوم بها المقاتلون الأجانب بحق السكان والأهالي.
ويشكل هذا الأمر تحدياً كبيراً للحكومة الانتقالية، إذ يتطلب تحقيق التوازن بين حفظ الأمن وإرساء سيادة الدولة، من جهة، وبين التعامل بحذر مع المقاتلين الأجانب لتجنب تفاقم الانقسامات الطائفية والمجتمعية، من جهة أخرى.
التمركز في المناطق السكنية
تشير التقارير إلى أن بعض المقاتلين الأجانب تمركزوا في ثكنات عسكرية صغيرة تقع غالباً بين الأحياء السكنية، هذا التمركز أدى إلى مزيج خطير بين الحياة المدنية والنشاط العسكري، ما تسبب في شعور دائم بعدم الأمان لدى السكان المحليين.
كما أبلغ الأهالي عن انتشار دوريات مسلحة غير منتظمة، وعمليات تدريب مكثفة قرب منازلهم، إضافة إلى حالات تهديد مباشر أو غير مباشر من بعض العناصر المقاتلة.
تأثيرهم على السكان
التواجد المباشر للمقاتلين الأجانب بين البيوت خلق بيئة من الخوف والقلق بين السكان المحليين، خصوصاً في مناطق الساحل السوري والسويداء.
وتم توثيق حالات إكراه على المدنيين، وفرض قواعد صارمة غير رسمية في بعض الأحياء، ما زاد من التوتر الاجتماعي وأضعف الثقة بين الأهالي والسلطات المحلية.
كما كان هناك تأثير نفسي طويل المدى على الأطفال والشباب، الذين شهدوا تدريبات مسلحة وأحياناً تبادلات نارية بالقرب من منازلهم.
موقف الحكومة السورية
الحكومة السورية ورغم دمج بعض المقاتلين الأجانب ضمن الجيش الرسمي، أبدت قلقاً واضحاً من تصرفاتهم في الميدان.
فالخوف لا يقتصر على إمكانية انقلاب عناصر خارج السيطرة، بل يشمل أيضاً المخاطر المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان أو تدهور الوضع الأمني في المناطق السكنية.
وقد اضطرت السلطات أحياناً إلى تعزيز إجراءات المراقبة وتقييد تحركات هذه الوحدات، بما يعكس صعوبة الموازنة بين دمج المقاتلين والحفاظ على النظام العام.
العريضة المطالِبة بالجنسية
في خضم هذه التحديات، قام عدد من المقاتلين الأجانب بتقديم عريضة رسمية إلى الحكومة السورية يطالبون فيها بالحصول على الجنسية، مبررين طلبهم بأنهم ساهموا في “الدفاع عن البلاد” وأن بقاءهم بلا هوية قانونية يعرضهم للتهميش والتهديد المستمر.
هذه العريضة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والمجتمعية، فبينما يرى البعض أن منح الجنسية قد يكون وسيلة لدمجهم بشكل نهائي في المجتمع السوري وضمان ولائهم للدولة، يخشى آخرون أن يؤدي ذلك إلى تغيير في التوازن الديمغرافي وفتح الباب أمام المزيد من المطالب المشابهة من مقاتلين آخرين.
حتى اللحظة، لم يُتخذ قرار رسمي بخصوص هذه المطالب، لكن النقاش الدائر يكشف حجم التعقيد الذي يحمله هذا الملف.
السيناريوهات المستقبلية
تظل المخاوف قائمة من أن يستغل بعض المقاتلين الأجانب تمركزهم العسكري للضغط على السكان أو للتورط في أنشطة غير قانونية.
ولذلك، تدرس الحكومة سيناريوهات تشمل إعادة توزيعهم في مناطق أكثر أماناً بعيداً عن التجمعات السكنية، أو إخضاعهم لمراقبة صارمة ضمن وحدات الجيش الرسمية، لضمان عدم تحولهم إلى مصدر تهديد مستقبلي.

تمركز المقاتلين الأجانب بين الأهالي والبيوت كشف عن تحديات كبيرة تواجه الحكومة السورية في ضبط الملف الأمني.
وبينما يمثل دمجهم ضمن الجيش خياراً استراتيجياً لتقليل خطر الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة، يبقى ضبط سلوكهم وضمان سلامة السكان المحليين أمراً حاسماً لاستعادة الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *