بقلم: د. أدهم صولي*

يتجه لبنان نحو الدمار. يواجه البلد مرة أخرى أزمة قديمة/جديدة بين معسكرين. يختبئ كل معسكر خلف قناعٍ كثيف: أحدهما يدعو إلى إحياء الدولة والسيادة والاستقلال، والآخر يدعو إلى مقاومةٍ لا هوادة فيها باعتبارها الوسيلة الوحيدة لحماية لبنان. كلا المعسكرين ينتجان سرديات مدمّرة وخطاباً من العداء يهدد ما تبقّى من العناصر السياسية والمؤسساتية التي تُبقي البلد متماسكًا.

وما يلفت النظر في هذا الخطاب، الممتد على الأقل منذ عام 2000، هو غياب الأفكار والحلول العملية لردم الهوة بين الفريقين. فالخطاب المتكرر والمرضي يتضمن عناصر تدمير ذاتي: اتهامات متبادلة بالخيانة، ميلاً دائماً للعودة إلى الماضي، تموضعًا طائفيًا، دفاعًا عما لا يمكن الدفاع عنه، إيمانًا مزعومًا بما يسمى «الواقعية السياسية»، وسيمات فاضحة بانعدام المسؤولية.

هذا الخطاب التدميري ليس مصادفة، بل هو نتيجة ثقافة سياسية تتغلغل في النخب السياسية والمتحدثين المختلفين في الإعلام، ثقافة تبنت فكرة أن تسوية خارجية ستفرض عاجلًا أم آجلًا على البلد المفكك. وقد حول ذلك الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية وقادة البلاد إلى وكلاء إما يروجون للإملاءات الخارجية أو يقاومونها، لكن نادراً ما يتصرفون كفاعلين يصنعون مصيرهم بأيديهم. وفي غياب البرامج السياسية القادرة على تشكيل خطاب للناس وحياتهم، أصبحت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المساحة المتاحة للخطاب المنفلت والمدمر.

هنا أود أن أكشف القناع عن السرديتين المدمرتين، وأن أطرح بتواضع سؤالًا: هل هناك طريق ثالث أو مخرج؟
يشمل أنصار سردية الدولة ما كان يعرف بقوى 14 آذار، ويمثلهم حاليًا الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام والأحزاب الداعمة لهما.

تروج هذه السردية لقيم معينة مثل السيادة والاستقلال واحتكار الدولة للسلاح. وقد دعت خصوصًا إلى نزع سلاح حزب الله، الذي تعتبره هذه السردية وكيلاً لإيران يجر لبنان إلى حروب غير ضرورية ويتسبب بمشكلات مع حلفاء لبنان العرب. وقد جادل الرئيس عون بأن سلاح حزب الله فشل في ردع إسرائيل عن ارتكاب جرائمها في لبنان. كما تروّج هذه السردية للمفاوضات وتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل باعتبارهما أفضل السبل لحماية لبنان وسيادته.

إن قيم هذه السردية — وأود أن أفترض أن هذا المعسكر يحمل نوايا حسنة— هي قيم مشروعة ونبيلة. لكنها تخفي فجوات أساسية. ويمكن رصد جانبين بشكل مباشر.

أولًا، منذ عام 2005 على الأقل، لم يجب هذا المعسكر بشكل منهجي عن سؤال حاسم: كيف يمكن للبنان أن يدافع عن نفسه ضد التهديدات الخارجية؟ لم ينتج هذا المعسكر، بقادته وأحزابه ومثقفيه، أي مخطط واضح لمعالجة هذا السؤال. والإجابة التي تطرح تقود إلى شعار فارغ آخر: «الجيش اللبناني سيحمي لبنان». الكل يدرك ان الجيش اللبناني، منذ تأسيسه، أُوكلت إليه مهمة الحفاظ على الاستقرار الداخلي وهو ليس مدربًا ولا مجهزًا لخدمة هدف بهذا الحجم. والطبقة السياسية التي حكمت لبنان منذ عام 1990 لم تكتف بإفقار البلاد، بل أهملت أيضاً الجيش، الذي يعتمد على المساعدات الخارجية لاحتياجاته الأساسية.

هناك الكثير من الافكار التي تحفظ المقاومة كجزء من الادارة الوطنية العامة للدولة، وتردم الهوة بين معسكرين يهدد خلافهما وحدة البلاد

ثانيًا، وبسبب هذا الخلل، لم تقدم سردية هذا المعسكر جوابًا لأنصار المعسكر الثاني، أي حزب الله. بل إن خطابها الذي يصنّف الآخر كـ «عميل إيراني» أدى إلى التفاف القاعدة الاجتماعية لحزب الله حوله، مما عمق الأزمة السياسية والطائفية في لبنان.

ومن دون الإجابة عن السؤال المذكور، أي من دون استراتيجية دفاع وطني شاملة، لن يتمكن هذا المعسكر من تحقيق أي من الشعارات التي يرفعها. فالسيادة ليست مجرد شعار، بل هي ممارسة يومية ودؤوبة لترسيخ استقلال الدولة عبر الدفاع العسكري والتحالفات السياسية. تاريخيًا، فإن ما أصبح دولًا، خصوصًا الدول المتماسكة التي نراها اليوم، بدأ كآلات حرب. أي مجتمع سياسي ناضج ويطمح أن يكون سيد نفسه يحتاج إلى معالجة هذا السؤال وتحويل الشعار إلى ممارسة.

كما أن نية هذا المعسكر التفاوض مع إسرائيل ستظل ناقصة ما لم تجب عن هذا السؤال. فعلى الرغم من حسن النوايا المتعلقة بحماية لبنان وكبح عدوان إسرائيل فيه، فإن التفاوض مع إسرائيل وسط الانقسامات العميقة في البلاد لن يؤدي إلى نتائج إيجابية. إسرائيل تعلم أن الحكومة اللبنانية لا تستطيع نزع سلاح حزب الله. فما الذي ستجنيه من المفاوضات إذًا؟

ستكون المفاوضات تكتيكاً لتقسيم لبنان، واستخدام حزب الله كذريعة لمساعدة إسرائيل على فرض وقائع على الأرض عبر تدمير قرى بأكملها وترسيخ نفوذها. لا شيء جديد هنا. فما سمي بعملية السلام والمفاوضات في التسعينيات جرى بينما كانت إسرائيل توسّع مستوطناتها في الضفة الغربية. وقد سويت غزة بالأرض بينما كانت المفاوضات جارية أيضًا. وإذا نجحت هذه الخطط، فسيكون الهدف النهائي تقسيم لبنان وسوريا إلى دويلات طائفية وعرقية، مما سيسهم مباشرة في تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي تروج له الآن النخب الإسرائيلية.

يشمل أنصار سردية المقاومة ما تبقى من قوى 8 آذار، وعلى رأسها حزب الله. تؤكد هذه السردية ضرورة المقاومة المسلحة، ودور حزب الله في تحرير جنوب لبنان، وإطلاق الأسرى، وحماية لبنان من إسرائيل والجماعات الجهادية المتطرفة. وفي ظل غياب دولة قوية تحمي مواطنيها، تؤكد هذه السردية أن المقاومة هي الوسيلة الوحيدة للدفاع عن لبنان وحمايته.

المقاومة أيضًا شعار وفعل نبيل ومشروع. ولا حاجة إلى التأكيد أن أي هيمنة، سواء من نظام قمعي أو قوة احتلال واستعمار، ستولد المقاومة بالضرورة. فالشعوب المقهورة لها الحق في المقاومة، وهو حق تكفله القوانين والأخلاق. وقد شهد التاريخ الحديث للبنان عدداً من حركات المقاومة ضد ما اعتبرته تهديداً خارجياً. ومن بينها حزب الله، الذي نجح في إخراج إسرائيل من لبنان عام 2000. وتركّز هذه السردية على الهوية الوطنية لحزب الله باعتباره قوة تحارب من أجل سيادة لبنان، وخاصة الجنوب، نظراً إلى الاعتداءات الإسرائيلية التاريخية على تلك المنطقة.

لكن هذه السردية تخفي أيضًا ثقوباً جوهرية. فكل من درس الحركة يعلم أن المسار السياسي لحزب الله وسلوكه لا يتشكلان فقط بفعل السعي إلى حماية لبنان، حتى وإن كان ذلك هدفًا مركزيًا للحزب. بل إن حزب الله تحركه رؤية دينية-سياسية تتجاوز الكيان الصغير والمجزأ المسمى لبنان. حزب الله حركة عابرة للحدود ترتبط عضويًا بولاية الفقيه (الآن في إيران)، وأزعم أنها الحركة اللبنانية الوحيدة التي تمتلك رؤية استراتيجية محددة وتسعى إلى تحقيقها في المنطقة. وهذه الاستراتيجية، الخمينية في الأصل، وببساطة شديدة، تأمل بتحرير لبنان وفلسطين من الصهيونية والمنطقة من السيطرة الخارجية.

إن وصف حزب الله بأنه حركة عابرة للحدود مرتبطة بولاية الفقيه ليس اتهامًا سياسيًا، كما هو شائع في الخطاب العام، بل هو — في رأيي — وصف دقيق لأيديولوجية الحركة الإسلامية وسلوكها. وهذا يفسر توجهات حزب الله على مر السنوات، من تدخله الإشكالي في سوريا واليمن والعراق، إلى حرب إسناد غزة في الحرب الأخيرة، إلى سعيه الدؤوب لبناء ترسانة عسكرية وتشكيل محور إقليمي.

ولا يسمح نطاق وأهداف هذا المقال بتقييم تفصيلي لهذه الأفعال، لكن يجدر التذكير بأن ثمن هذه الخيارات كان باهظاً وأدى إلى هلاك الحركة وقاعدتها الاجتماعية ولبنان ككل. وليس من المبالغة وصف النتائج بأنها نكبة: تدمير شامل للقرى، موجات هائلة من النازحين، وعزلة سياسية داخلية ودولية.

وما يهم النقاش هنا هو أنه رغم نجاح حزب الله في تقييد الاجتياح الإسرائيلي في هذه الجولة والجولات السابقة من الحرب، فإنه لم يتمكن من ردع إسرائيل أو مجاراة قدرتها التدميرية. علاوة على ذلك، فقد أسهم خطابه وأفعاله في تعميق الانقسام داخل لبنان. وهو أيضًا يتهم خصومه ومعارضيه بأنهم عملاء لقوى خارجية. والأهم من ذلك أنه فشل هو الآخر في تقديم إجابة شافية عن السؤال: كيف نحمي لبنان؟
على المعسكرين الاعتراف بعجزهما، بل فشلهما بفرض حلول للأزمة القائمة.

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لكن محاولة الإجابة مفيدة لاستعادة القدرة على الفعل والإرادة في بلد اعتاد على جولات متتالية من الحروب والاستقرار النسبي منذ 1860، وألف استقبال الموفدين الأجانب الذين يقدمون حلولًا قصيرة الأمد. ومعالجة هذا السؤال تتطلب أولاً مواجهة الأخطار والتحديات الآنية وثانياً تقديم إطار لحلول متوسطة وطويلة الأمد. ويستند الاقتراح إلى أربعة أعمدة رئيسية:
أولًا، في ظل غياب جيش قادر على الدفاع عن لبنان، يحتفظ حزب الله بسلاحه لكنه يتعهد بأمرين:

1.أن يحول جناحه العسكري إلى مقاومة دفاعية فقط (وهو ما كان عليه قبل التحرير سنة 2000) ، وبالتالي يلتزم بعدم التدخل أو مهاجمة أي دولة في المنطقة أو خارجها.

2. أن يكون قرار تفعيل المقاومة عند ظهور تهديد خارجي، وخاصة الإسرائيلي، بيد الحكومة اللبنانية.

ثانيًا، يشكل هذا الترتيب مرحلة انتقالية تمتد من خمس إلى سبع سنوات. خلالها يمكن تطوير استراتيجية للدفاع الوطني، تحدد العلاقة بين الجيش والمقاومة، وسبل تطوير القدرات الدفاعية للجيش، أو آلية دمج الجناح المسلح ضمن الجيش. ويكون للجيش الدور الرئيسي في إدارة المرحلة الانتقالية.

ثالثًا، ينبغي طرح هذا الإطار على شكل مشروع قانون تتفق عليه وتسيغه الحكومة ويصادق عليه مجلس النواب.

رابعًا، من شأن هذه الركائز أن تقلّص الفجوة بين المعسكرين وتوفر أرضية موحدة لمواجهة السياق الإقليمي الشديد الخطورة، وخصوصًا التهديد الإسرائيلي. وفي ظل هذه الشروط، يمكن للحكومة اللبنانية الدخول في مفاوضات مع إسرائيل تهدف إلى ضمان انسحابها من لبنان وإعادة الأسرى وعودة النازحين إلى أرضهم.

وينبغي أن ترتكز المفاوضات على إطارين من الممكن أن يشكلا الأساس لمقاربة الاحتلال الإسرائيلي: اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي أكدت التزام الطرفين بعدم الاعتداء على بعضهما والمبادرة السعودية (مبادرة السلام العربية) في قمة بيروت العربية عام 2002، التي دعت إلى إعادة الأرض مقابل السلام مع إسرائيل.


هذه مجرد أفكار لتجنب دمار يبدو حتمياً. إن تحقيق هذه الأفكار قد لا يردع إسرائيل أو تهديدات خارجية أخرى تلقائيًا، ولا ينبغي أن نكون ساذجين حيال ذلك! لكنه سيضيق الفجوة بين المعسكرين، ويحصن لبنان ضد التدخلات الخارجية، ويوفر إطاراً للتعامل مع الضغوط الخارجية على البلاد (خاصة بما يتعلق بإسرائيل)، ويستقطب دعماً دبلوماسياً من دول في الإقليم وخارجه ترغب الآن في كبح التوسع الإسرائيلي.

إن سؤال «كيف نحمي لبنان؟» يجب أن يكون سؤالاً محورياً في الخطاب والنقاشات العامة في لبنان. ربما يساعد ذلك في تطهير الخطاب العام من حفلات الجنون والتخوين المتبادل المدمرين.

* أستاذ في العلوم السياسية

المصدر: صحيفة الأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *