تعليق لصحيفة الشعب اليومية أونلاين أعلنت شركة سامسونغ الكورية الجنوبية مؤخرا وقف بيع مجموعتها الكاملة من الأجهزة المنزلية، بما في ذلك أجهزة التلفاز والثلاجات والغسالات، داخل البر الرئيسي الصيني. وسرعان ما تلقفت بعض وسائل الإعلام الغربية الخبر باعتباره دليلا جديدا على “انسحاب رأس المال الأجنبي من الصين”. لكن هل يعكس هذا القرار فعلا “خروج سامسونغ من الصين”؟ عند تقييم ما إذا كانت شركة أجنبية “تغادر” السوق الصينية، لا يمكن الاكتفاء بالنظر إلى تعديل تجاري جزئي بمعزل عن الصورة الكاملة. فالمعيار الحقيقي يتمثل في ما إذا كانت الشركة قد سحبت استثماراتها وقواعدها الإنتاجية ومواردها البشرية، أو تخلت عن السوق الصينية بوصفها جزءا من استراتيجيتها العالمية. وما قامت به سامسونغ لا يشير إلى ذلك إطلاقا، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجي تقوم على تقليص الأنشطة منخفضة الربحية والتركيز على القطاعات الأعلى قيمة. ويأتي هذا القرار في ظل تحولات عميقة يشهدها سوق الأجهزة المنزلية في الصين. فخلال السنوات الأخيرة، نجحت العلامات التجارية الصينية المحلية، بفضل اكتمال سلاسل التوريد، ووفورات الحجم، والتطور السريع في التقنيات الذكية، في تعزيز تنافسيتها بشكل كبير، سواء من حيث السعر أو الجودة أو الخصائص التقنية. ومع تغير تفضيلات المستهلكين، ازدادت الضغوط على ربحية الشركات الأجنبية، بما فيها سامسونغ، التي واجه قطاع أجهزتها المنزلية عالميا تراجعا واضحا في العوائد. ومن ثم، فإن انسحاب سامسونغ من قطاع التجزئة في الصين لا يختلف كثيرا عن عمليات إعادة الهيكلة التي نفذتها شركات متعددة الجنسيات أخرى. فقد أوقفت “فورد” تدريجيا إنتاج العديد من سيارات السيدان في أمريكا الشمالية للتركيز على الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي الأعلى ربحية، بينما أعادت باناسونيك اليابانية توجيه مواردها بعيدا عن بعض قطاعات الإلكترونيات الاستهلاكية نحو مجالات مثل بطاريات السيارات والطاقة والخدمات الصناعية. وفي المقابل، أكدت سامسونغ أنها ستواصل تشغيل قواعد تصنيع الأجهزة المنزلية داخل الصين، مع تحويلها تدريجيا إلى مراكز إنتاج موجهة للأسواق العالمية. وتملك الشركة حاليا استثمارات تراكمية في الصين تقارب 56.7 مليار دولار، موزعة على 16 منشأة تصنيع و13 مركزا للبحث والتطوير، ما يعكس أن ما يجري ليس “انسحابا”، بل إعادة توزيع للموارد وفقا للأولويات الجديدة. وتكشف الأرقام عن هذا الاتجاه بوضوح. ففي عام 2025، رفعت سامسونغ استثماراتها في منشأتها بمدينة شيآن بنسبة 67.5% على أساس سنوي، لتصل إلى 465.4 مليار وون كوري. وتنتج هذه القاعدة نحو 40% من إجمالي إنتاج الشركة العالمي من ذاكرة NAND Flash، ما يجعلها محورا أساسيا في استراتيجية سامسونغ العالمية لأشباه الموصلات. كما تعمل منشآت الشركة في تيانجين وسوتشو بكامل طاقتها، سواء في إنتاج المكونات الإلكترونية أو الأجهزة المنزلية الموجهة للتصدير إلى أسواق أمريكا الشمالية وجنوب شرق آسيا. وبذلك، فإن وصف هذه التعديلات بأنها “هروب لرأس المال الأجنبي” يتجاهل الطبيعة الديناميكية لإعادة هيكلة الشركات متعددة الجنسيات. ففي ظل نضوج السوق الصينية وصعود الشركات المحلية، يصبح من الطبيعي أن تعيد الشركات الأجنبية توزيع استثماراتها وفقا للمزايا النسبية لكل قطاع. وهذا لا يعكس فقدان الثقة في الصين، بل يؤكد مكانتها باعتبارها قاعدة تصنيع عالمية تتمتع بكفاءة عالية وبنية صناعية متكاملة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن هيكل الاستثمار الأجنبي في الصين يشهد تحولا نوعيا متسارعا. فخلال الربع الأول من العام الجاري، بلغ حجم الاستثمار الأجنبي الفعلي في الصناعات عالية التقنية 102.73 مليار يوان، بزيادة سنوية بلغت 30.7%، مستحوذا على أكثر من 40% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المستغلة في البلاد. كما سجلت قطاعات البحث والتطوير، وتصنيع المعدات الإلكترونية، وخدمات التصميم نموا لافتا، في مؤشر واضح على انتقال الاستثمارات الأجنبية من التصنيع التقليدي إلى القطاعات القائمة على التكنولوجيا والابتكار. وفي السياق ذاته، تواصل شركات عالمية كبرى توسيع حضورها في الصين. فقد دخل أكبر مشروع استثماري لشركة باسف حيز التشغيل في تشانجيانغ، بينما افتتحت فولكس فاجن أول مركز متكامل للبحث والتطوير خارج ألمانيا في مدينة خفي، إلى جانب توسعات جديدة لشنايدر إلكتريك في شيامن ووشي وبكين. وبالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي تدرك أهمية السوق الصينية، فإن السؤال لم يعد يدور حول “البقاء أو المغادرة”، بل حول كيفية ترسيخ موقعها داخل سوق تتغير بسرعة وتزداد تنافسية. وفي ظل السياسات الصينية الداعمة للتصنيع المتقدم والابتكار التكنولوجي، يغدو الاستثمار في الصين بالنسبة لكثير من هذه الشركات ليس مجرد خيار تجاري، بل ضرورة استراتيجية طويلة المدى. Post Views: 2 تصفّح المقالات التعاون الصيني العربي في مجال الفضاء التجاري يتوسع