بقلم أريئيل فيلدشتاين – كاتب إسرائيلي
- بعد حرب يوم الغفران (حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973)، دار في المجتمع الإسرائيلي نقاش عميق ومؤلم حول مناعته والمستقبل المتوقع له. كانت الحرب نقطة انكسار قاسية، وأثارت عدداً لا يُحصى من علامات الاستفهام والتساؤلات بشأن استمرار وجود دولة إسرائيل. صحيح أنها انتهت بانتصارٍ عسكريٍّ لافت، إلى حدّ أن المصريين طلبوا، بإلحاح، من قوات الجيش الإسرائيلي التوقف قبل وصولها إلى أطراف القاهرة، إلّا إن عنصر المفاجأة وأعداد الجرحى والقتلى، ولا سيما أداء القيادة السياسية، أمور تركت جرحاً غائراً.
- كان ذلك نصراً بلا نشوة، وبقلبٍ مثقل. أتذكر كيف أنه في منتصف الليل، قامت عائلتان من حيّنا، أو ثلاث، بحزم الأمتعة والمغادرة؛ في الأيام الأولى، كان الأمر غريباً، إذ لم يعُد يأتي أصدقاء من الحي، ومن الصف، ونظرة واحدة إلى نوافذ شققهم كانت كافية لتأكيد الأمر: لقد رحلوا.
- آنذاك، كانوا يسمّون ذلك “الهجرة المعاكسة”، وكانت تحيط بهذه الكلمة مشاعر خجل وذنب. سمعت أن بعضهم سافر إلى أستراليا، أو كندا، أو الولايات المتحدة – أماكن بعيدة وغير مألوفة، وبالنسبة إليّ كطفل، لم تكن موجودة سوى في الأطلس الكبير ذي الخرائط الملونة.
- شرح لي والداي أنه لا مكان لنا سوى إسرائيل. هنا سنكون آمنين، هنا بيتنا؛ هنا لن ينادينا أحد بـ”اليهودي القذر”؛ وهنا يمكننا أن نكون يهوداً علناً.
- أحياناً، كانا يحدثانني أيضاً عن مصائر عائلاتهم في تلك الحرب، الحرب التي لم يكونا يحبان حتى ذِكر اسمها، وكانت الدموع تملأ أعينهما كلما تذكراها. وعندما كان الخوف يشتد عليّ، كنت أضع رأسي على ركبتَي جدتي التي كانت تربّت عليّ بحنان وتعِدني بأنه عندما أكبر، لن يكون هناك جيش، ولن نضطر إلى التجند. هذا الأسبوع، عادت كلّ تلك الذكريات لتطفو على السطح، وأثارت لديّ أفكاراً قاسية بشأن ما حلّ بنا خلال الخمسين عاماً التي مضت منذ ذلك الحين.
- وسط سيل ملخصات نهاية العام، نُشر معطى واحد، عابر تقريباً، لكنه مُزلزل: في سنة 2025، سُجّل نموّ ديموغرافي بطيء للغاية. نحو 1.1% فقط، وذلك أساساً بسبب ميزان الهجرة السلبي الذي بلغ نحو 20 ألف شخص. هناك نحو 69 ألف إسرائيلي غادروا البلد، على الرغم من وجود نموّ طبيعي إيجابي بلغ نحو 182 ألف ولادة، في مقابل نحو 50 ألف وفاة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة، بل هي لافتة تحذير اجتماعية، اقتصادية، ووطنية.
- إن الهجرة السلبية بهذا الحجم لا تنبع فقط من اعتبارات اقتصادية، بل من أزمة عميقة في الثقة بالإحساس بالأمان، وباستقرار النظام، وبمستقبل يبدو كأنه ضبابي. عندما يختار عشرات الآلاف من الإسرائيليين الرحيل، تحديداً بعد أحداث انكسار وطني، فإن هذا يدلّ على تصدّع في التصور الأساسي لإسرائيل كملاذٍ ووطن. إنه ليس “هروباً” آنياً، بل عملية تراكمية تُضعف النسيج الاجتماعي، وتضرّ بالمناعة الوطنية، وتعمّق الشعور بعدم اليقين لدى مَن يبقون.
- السؤال الحقيقي ليس فقط: مَن الذي يغادر؟ بل ماذا نفعل نحن لكي يؤمن مَن يبقى بأنه يوجد مستقبل هنا. في دولة أُخرى، وفي واقع مختلف، كان هذا المعطى سيُشعل أضواء التحذير، ويرفع أعلاماً حمراء، ويفرض نقاش طوارئ في الحكومة والكنيست. لكن بالنسبة إلينا، لم يعُد هناك شيء ضروري وعاجل.
المصدر: صحيفة يسرائيل هيوم الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

