بقلم صاموئيل حايك – رجل أعمال إسرائيلي بريطاني –
- هل بتنا على الطريق المؤدية إلى نهاية الوجود اليهودي في المملكة المتحدة، الذي يمتد منذ قرون؟ إن الأمر لا يقتصر على الارتفاع الدراماتيكي في عدد الحوادث المعادية للسامية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولا على موجة التظاهرات المعادية لإسرائيل، والتي تحولت فعلياً إلى احتجاج ضد مجرد الوجود اليهودي؛ ولا يقتصر الأمر أيضاً على فقدان الشعور الأساسي بالأمان، والخوف من وضع نجمة داود، أو تثبيت مزوزاه [تميمة يهودية] على باب المنزل، أو الظهور كيهودي في الحيّز العام، هذا كله مجرد أعراضٍ لعملية أعمق وأكثر خطورةً؛ زلزال دراماتيكي يفتت أسساً عمرها مئات الأعوام.
- إن يهود بريطانيا الذين يشكلون مجتمعاً متجذراً، من الجيل الثالث والرابع والخامس، بنى مسيرته المهنية ومؤسساته المجتمعية، واعتنق الهوية البريطانية بأكثر صورها حميميةً، وهم يشعرون بالخيانة اليوم، ويصلون إلى استنتاج صعب؛ فمستقبلهم في المملكة المتحدة يوشك على الانتهاء.
- وفقاً لاستطلاعٍ أجرته منظمة “الحملة ضد معاداة السامية” البريطانية، ولأول مرة منذ عقد، لا يرى يهود بريطانيا، في أغلبيتهم، مستقبلاً لهم في البلد، و61% منهم فكروا في مغادرته.
التحول الديموغرافي في بريطانيا كان متسارعاً وصادماً
- حالياً، يعيش في بريطانيا نحو 11 مليون مهاجر، ووفق بيانات سنة 2021، يقيم هناك نحو 4 ملايين مسلم، نصفهم مهاجرون والنصف الآخر مولودون في بريطانيا،
- وبحسب حزب “ريفورم يو كي”(إصلاح المملكة المتحدة)، بزعامة نايجل فاراج، يوجد في البلد أيضاً نحو مليون مهاجر بصورة غير قانونية؛ وجاءت مجموعات طالبي اللجوء الأكبر في الأعوام الأخيرة من باكستان وأفغانستان وإيران وبنغلادش؛ بعضهم لديه مواقف متطرفة ومعادية لليهود، وفي موازاة ذلك، يتمتع بمعدلات إنجاب مرتفعة، والنتيجة واضحة: الحيّز اليهودي آخذ في الانكماش.
- لم يحدث هذا التحول بين ليلة وضحاها؛ فعلى مدى أكثر من عقدين، نجحت الهجرة الإسلامية في السيطرة على السياسة الداخلية في دول أوروبا الغربية، وبشكل خاص في بريطانيا، والحرب التي اضطرت إسرائيل إلى خوضها عقب “مجزرة” 7 أكتوبر دفعت هذه العمليات إلى نقطة الغليان.
- طوال أعوام، اختارت الحكومات البريطانية عدم تطبيق القوانين القائمة ضد معاداة السامية، في محاولةٍ لرسم توازُن زائف بين المصالح، وسادت في أجهزة إنفاذ القانون فرضية، مفادها بأن التطبيق الصارم للقانون ربما يؤدي إلى عنف واسع من مجتمعات مسلمة، وأن إيذاء اليهود يُعتبر “ثمناً مقبولاً”.
- فعجز الحكومات البريطانية المتعاقبة، وتجنُّبها المواجهة مع أقلية عدوانية مدعومة من اليسار المتطرف، والأوساط الأكاديمية، ووسائل الإعلام التقدمية، منحا مخالفي القانون دفعة قوية، وعمّقا التحريض ضد إسرائيل والاعتداءات على اليهود.
- إن الأرقام تتحدث عن نفسها: في سنة 2023، سُجّل رقم قياسي تاريخي بلغ 4296 حادثة معادية للسامية في بريطانيا، وفقاً لمنظمة “سي أس تي”، وفي سنة 2024، لم يحدث أيّ تحسُّن يُذكر، مع تسجيل 3528 حادثة، بينما لم يُسجَّل في تسعينيات القرن الماضي سوى عشرات، أو مئات الحوادث، سنوياً.
- منذ مطلع الألفية الجديدة، لوحظ ارتفاع مستمر، مع قفزات حادة تتزامن، بشكل دائم تقريباً، مع النزاعات العسكرية التي اضطرت إسرائيل إلى خوضها، ووصف قائد شرطة مانشستر الوضع بكلمات تقشعر لها الأبدان: “إن الأطفال اليهود هم الوحيدون في بلدنا الذين يذهبون يومياً إلى مدارسهم خلف أسوار عالية، مع حراس ودوريات دائمة. المجتمع اليهودي يعيش بطريقة مختلفة عن حياة أيّ جماعة أخرى.”
تحوُّل جزئي وغير كافٍ
- فقط بعد أكثر من عامين من التظاهرات الضخمة المعادية لإسرائيل، وبعد الهجوم الإرهابي الخطِر في أستراليا، وقبل ذلك في مانشستر، بدأ تحوُّل جزئي وغير كافٍ في السياسة، إذ تخطط الشرطة للتحرك بحزم واعتقال مَن يُطلق الدعوات إلى “انتفاضة عالمية”، أو يستخدم شعارات، على شاكلة “من النهر إلى البحر”. لكن هذا التحرك قليل جداً ومتأخر جداً، فلا تزال التشريعات القائمة تسمح بالتحريض العنصري من دون خوف، والحكومة لا تسارع إلى تعديلها.
- إن معاداة السامية الأوروبية لم تولد مع الهجرة الإسلامية، لكنها في العقود الأخيرة، كُبتت وتم إخفاؤها تحت غطاء “انتقاد إسرائيل”، والنظام الديمقراطي أتاح لقيادات متطرفة داخل مجتمعات المهاجرين استخدام الأدوات السياسية للحصول على نفوذ غير متناسب في قضايا كان يجب أن تكون بديهية، مثل تطبيق النظام وحماية المجتمع اليهودي.
- لقد أطلقت الحرب الأخيرة العنان لـ”الشيطان” المعادي لليهود بكل قوته، وأتاحت عودة الإقصاء الكلاسيكي لليهود، وفعلاً، يظهر من الاستطلاع الأخير لمنظمة “الحملة ضد معاداة السامية” أن أخطر مخاوف اليهود هي من الإسلاموية (96%)، ومن تطرُّف اليسار الراديكالي (92%).
- على مرّ السنين، اتُّهمت مراراً بالإسلاموفوبيا، بل حتى بالعنصرية، أحياناً من شخصيات بارزة داخل المجتمع اليهودي نفسه، بعد أن حذّرت من التغيّرات الديموغرافية في بريطانيا وتداعياتها المحتملة على مستقبل اليهود في المملكة المتحدة.
- من الصعب أن أرى الحكومة البريطانية تتخذ خطوات استثنائية، مثل سحب الجنسية من المتورطين في “الإرهاب”، أو ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، أو سنّ تشريعات توقف التحريض في المساجد، وفي الوقت عينه، يصعب عليّ أن أرى تحركات حقيقية ضد الانحياز الفاضح في الإعلام والأوساط الأكاديمية البريطانية ضد إسرائيل واليهود.
- من المتوقع أن يبقى التعامل مع الهجرة متساهلاً، فالهجرة المتطرفة لن تتوقف، وبريطانيا، شأنها شأن أوروبا بأكملها، من المرجّح أنها ستواصل مسار التدمير الذاتي وفقدان الهوية.
- لقد حان وقت الاستيقاظ؛ يجب على يهود بريطانيا أن يفحصوا بشكل جدي خيارات الهجرة إلى إسرائيل، أو إلى دول أخرى؛ هذا ما يحدث فعلاً، والوتيرة ستزداد.
المصدر:صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

