شؤون آسيوية –
بعد جولة محادثات مكثفة في باريس، برعاية أميركية، أعلنت كل من سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة عن اتفاق لتشكيل آلية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري.
الاتفاق، الذي يطلق عليه مراقبون محلياً ودولياً بأنه “خطوة أولى نحو إعادة ترتيب العلاقات الأمنية والدبلوماسية بين الأطراف”، أثار جدلاً واسعاً حول جدواه وهدفه الحقيقي، وسط تباين في مصالح الدول الثلاث وتاريخ طويل من التوترات والصراعات.
وبحسب بيان مشترك صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، تهدف الآلية إلى “تسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، وتعزيز الانخراط الدبلوماسي، واستكشاف الفرص التجارية”، تحت إشراف الولايات المتحدة.
وتأتي هذه المبادرة في سياق ضغوط أميركية واضحة على كل من تل أبيب ودمشق لضبط الحدود وتأمين استقرار الوضع الأمني، وهو ما اعتبره بعض الخبراء تمهيداً لمسار تطبيع محتمل بين إسرائيل وسوريا في المستقبل.
الجانب السوري ذكر أن أي تقدم في المحادثات يظل مشروطاً بوقف التوغلات العسكرية الإسرائيلية وتحديد جدول زمني ملزم للانسحاب الكامل من الأراضي السورية المحتلة، والعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، حيث قال مسؤول سوري بارز إن إسرائيل تعتمد على “المماطلة التقنية” ويجب أن تتخلى عن “عقليتها التوسعية” قبل التوصل إلى أي اتفاق شامل.
في المقابل، لم تصدر إسرائيل أي تأكيد رسمي حول تعليق أنشطتها العسكرية، مكتفية بالإشارة إلى أن محادثات باريس ركزت على القضايا الأمنية والتعاون الاقتصادي.
المحادثات، التي اعتبرتها وسائل الإعلام الرسمية السورية استئنافاً لإحياء اتفاقية فك الاشتباك، شارك فيها وفد سوري يضم وزير الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات العامة، مقابل وفد إسرائيلي يمثل رئيس الوزراء والسفير في واشنطن وعدداً من المسؤولين العسكريين، فيما ضم الفريق الأميركي، مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط وصهر الرئيس السابق جاريد كوشنر، ضمن جهود واشنطن لإشراف دقيق على سير العملية.
الخبراء السياسيون يشيرون إلى أن الإعلان الثلاثي يحمل أكثر من معنى، بين من يرى أن ما يُسوق على أنه توافق بين سوريا وإسرائيل ليس اتفاقاً حقيقياً، بل “معادلة أمريكية لإيهام المجتمع الدولي بوجود تفاهم بين الطرفين”، إذ تسعى إسرائيل لاستغلال هذا الحراك لتعزيز مصالحها عبر “الفوضى الخلاقة” في الجنوب السوري، بينما تسعى الحكومة السورية لكسب الوقت لترتيب البيت الداخلي بالتعاون مع تركيا وضمان توازن الأمن القومي.
ويعتبر أخرون أن حل النزاعات والخبير بالشؤون الإسرائيلية، إلى أن الجولة الخامسة من المفاوضات تمثل استمراراً للرؤية الأميركية، وأن إنشاء “خلية اتصال مشتركة” يتيح لإسرائيل امتداداً استخباراتياً داخل سوريا، في حين تظل دمشق أمام خيار التدريج في الانخراط الاستخباراتي.
هذه الخطوة، بحسب الخبراء، تمهد لاحقاً لإمكانية اتفاق أوسع يشمل انسحاب جزئي أو كامل من الأراضي المحتلة وإقامة منطقة منزوعة السلاح، مع تغطية اقتصادية ودبلوماسية أوسع، ما يعكس تبايناً واضحاً في أولويات الأطراف الثلاثة.
في الجانب الإسرائيلي، تناولت صحيفة “يديعوت أحرنوت” دور المفاوضات، مشيرة إلى أن إسرائيل تحافظ على انتشارها العسكري في مناطق حساسة مثل جبل الشيخ والمثلث الحدودي جنوب مرتفعات الجولان، بهدف السيطرة على عمليات الرصد والاستخبارات، ومنع أي هجوم مفاجئ من الأراضي السورية على المستوطنات، فضلاً عن منع مرور الأسلحة إلى حزب الله.
وتضيف الصحيفة أن إسرائيل لا ترى مصلحة فورية في التوصل إلى اتفاق شامل، بل تعتبر التفاهمات الحالية وسيلة لإرضاء الولايات المتحدة وضمان امتيازاتها الأمنية.
أما الرؤية الأميركية، فتتمثل في دعم الاستقرار على الحدود، ومنح الرئيس السوري فرصة لإعادة ترتيب وحدات الدولة وتحقيق قدر من الاستقرار، مع إشراف مباشر على أي ترتيبات عسكرية ودبلوماسية.
ويشير خبراء إلى أن واشنطن تراهن على أن التعاون تحت إشرافها سيقلل من احتمالات التصعيد، بينما يظل السؤال قائماً حول مدى التزام إسرائيل بما تم الاتفاق عليه فعلياً، خاصة في ظل قوتها العسكرية الفائقة مقارنة بسوريا.
التباين بين المواقف يكشف عن تعقيد المشهد: دمشق تطمح إلى استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، بينما تل أبيب تبحث عن تأمين حدودها، ومنع أي تهديد فوري، والحفاظ على التفوق الجوي والاستخباراتي.
الولايات المتحدة، من جانبها، تتبنى دور الوسيط والضامن للسلام الظاهر، وتضع مصالحها الإقليمية ضمن الأولويات، بما في ذلك مصالح حلفائها في الخليج وتركيا، وبذلك، تتجسد “الآلية المشتركة” في باريس كخطوة رمزية وإستراتيجية في آن واحد، لكنها تبقى غير مؤكدة النتائج، وسط احتمالات عالية لاستمرار الفوضى والتحركات العسكرية الموازية في الجنوب السوري.
الغموض حول الاتفاقية وحقيقة نوايا الأطراف يطرح تساؤلات أساسية: هل تمثل الآلية مجرد خط اتصال لتقليل الاحتكاك العسكري، أم أنها بداية لمرحلة من التطبيع الشامل بين دمشق وتل أبيب تحت إشراف أميركي؟ هل ستتمكن سوريا من فرض شروطها بشأن الانسحاب العسكري، أم ستبقى السيطرة في أيدي إسرائيل، التي تسعى للحفاظ على مواقعها الاستراتيجية؟ وهل ستؤدي الضغوط الأميركية إلى اتفاق حقيقي على الأرض أم إلى تفاهمات شكلية فقط؟
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الدور الأميركي سيكون حاسماً في المرحلة المقبلة، سواء عبر مراقبة تنفيذ الاتفاق أو تحريك الأطراف نحو مزيد من الانخراط الدبلوماسي والاقتصادي. ومع ذلك، يبقى الصراع حول الجنوب السوري، وامتداداته الاستخباراتية، وتداخل مصالح الجماعات المسلحة والفصائل الإقليمية، عاملاً محوريًا في تحديد مستقبل أي تفاهم، وهو ما يجعل أي تقييم للاتفاق في الوقت الحالي مجرد توقعات تعتمد على موازين القوة والتحركات التكتيكية للأطراف.
في النهاية، يجمع المراقبون على أن الإعلان عن “الآلية المشتركة” يشكل لحظة مهمة على صعيد الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، لكنه خطوة محفوفة بالمخاطر، لا سيما إذا استمر التباين في مصالح الأطراف وتناقض أولوياتهم الأمنية والسياسية. وفي ظل غياب التزامات واضحة من إسرائيل بشأن الانسحاب العسكري، فإن التوترات على الأرض في جنوب سوريا ستظل قائمة، وربما تتصاعد في أي لحظة، ما يجعل المستقبل السياسي والاستخباراتي للمنطقة معلقاً بين الطموح الدبلوماسي والواقع العسكري الميداني.

