شؤون آسيوية-
بقلم ديما دعبول
مع مطلع عام 2026 دخلت العلاقات الإيرانية الأميركية مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التهديدات الأميركية بشن ضربة عسكرية ضد إيران، بذريعة قتل المحتجين خلال الاحتجاجات داخل المدن الأميركية التي دخلت أسبوعها الثالث.
من المنظور الإيراني لا تُقرأ هذه التهديدات بوصفها إجراءات أمنية معزولة بل باعتبارها جزءاً من سياسة ضغط شاملة تستهدف كسر الإرادة السياسية لطهران والتدخل في شؤونها السيادية.
في المقابل، جاء الرد الإيراني حاسماً، مؤكداً أن أي اعتداء عسكري يُعد انتهاكاً مباشراً للسيادة الوطنية ويستوجب رداً مدروساً وقوياً، هذا التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الاستقرار الإقليمي، ويجعل فهم التحليل الإيراني لهذه المرحلة أمراً أساسياً لفهم مسار الصراع.
ترى القيادة الإيرانية أن أي تهديد أو ضربة عسكرية أميركية تمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي وانتهاكاً مباشراً لسيادة دولة مستقلة.
ومن هذا المنطلق، تؤكد طهران أن الرد على أي عدوان ليس خياراً تصعيدياً، بل حقاً مشروعاً تكفله القوانين والأعراف الدولية.
المسؤولون الإيرانيون يشددون على أن استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في حال وقوع هجوم، لا يُقصد به الانتقام بقدر ما يهدف إلى ترسيخ معادلة ردع واضحة، مفادها أن أمن إيران غير قابل للمساومة، وأن أي اعتداء سيترتب عليه ثمن مباشر للمعتدي.
في القراءة الإيرانية، هذا الخطاب يهدف أساساً إلى منع الحرب لا إلى إشعالها، عبر إعادة ضبط حسابات الخصم قبل اتخاذ قرار المواجهة.
أما المحللون الإيرانيون المقربون من دوائر القرار فيرون أن التهديدات الأميريكية تمثل اختباراً لإرادة الدولة الإيرانية وقدرتها على الصمود، وليست مجرد ضغط عابر.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى الردع الإيراني بوصفه أداة استراتيجية تهدف إلى إعادة التوازن الإقليمي، وليس اندفاعاً عسكرياً غير محسوب.
وفق هذا التحليل، فإن أي مغامرة عسكرية أميركية ضد إيران ستؤدي إلى خسائر سياسية واستراتيجية عميقة لواشنطن، تتجاوز البعد العسكري المباشر. ويُشار هنا إلى قدرة إيران على توسيع دائرة الصراع مستندة إلى شبكة علاقات وتحالفات إقليمية ودولية قادرة على تقويض جدوى الخيار العسكري الأميركي.
وعليه يُقدَّم الردع الإيراني كخيار سياسي واعٍ في مواجهة الهيمنة، لا كشعار عسكري مجرد.
في حين أنه وضمن الخطاب الإعلامي الإيراني تُصوَّر المواقف الدولية المؤيدة للتهديدات الأميركية على أنها انحياز واضح لمنطق القوة، وتجاهل لسيادة الدول واستقلالها.
هذا الخطاب يؤكد أن الغرب يسعى إلى توظيف الأوضاع الداخلية في إيران، ولا سيما الاحتجاجات، لتبرير تدخل خارجي وإضفاء شرعية على سياسات عدوانية.
في المقابل، تعمل الرواية الإيرانية على تحويل هذا الضغط إلى عنصر تعبئة داخلية، حيث يُقدَّم الصمود في وجه التهديد الخارجي كرمز للوحدة الوطنية والدفاع عن الكرامة والسيادة.
ووفق هذه الرؤية، فإن الهدف الحقيقي للتهديد العسكري لا يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية، بل يمتد إلى محاولة التأثير على الداخل الإيراني وضرب تماسكه تمهيداً لإسقاط النظام.
أما خطاب الحرس الثوري فيشكل ركيزة أساسية في التحليل الإيراني للتصعيد القائم، فالتصريحات الصادرة عنه تؤكد الجاهزية للرد، مع التشديد على أن أي مواجهة ستكون محسوبة ومتدرجة.
هذا الخطاب يعكس توازناً دقيقاً بين إظهار القدرة على الردع وعدم الضعف، وبين الحرص على عدم الانجرار إلى حرب شاملة قد تخدم خصوم إيران أكثر مما تخدم مصالحها. من هنا، يُقدَّم الرد الإيراني المحتمل على أنه حاسم عند الضرورة، لكنه محكوم باعتبارات استراتيجية دقيقة.
على المستوى الشعبي والإعلامي داخل إيران، تتجاوز التحليلات فكرة الرد العسكري المباشر لتطرح مفهوم “المقاومة الاستراتيجية” كإطار أشمل للمواجهة.
يرى كثير من المحللين أن التهديدات الأميركية تكشف محدودية الرؤية الأميركية في التعامل مع إيران، وتفتح أمام طهران فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي والسياسي.
كما يربط الخطاب الإعلامي بين الضغوط الخارجية وضرورة تعزيز التماسك الداخلي، معتبراً أن الصمود أمام التهديدات هو عنصر أساسي في حماية الدولة واستقرارها.
في هذا السياق، يُنظر إلى الرد الإيراني بوصفه فعل بقاء سياسي ورمزي، بقدر ما هو إجراء عسكري.
من زاوية أوسع، تعتبر التحليلات الإيرانية أن الضغوط والتهديدات الأميركية ليست موجهة ضد إيران وحدها، بل تأتي في إطار محاولة لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات كبرى في التحالفات الدولية.
وتشير هذه الرؤية إلى أن التصعيد قد يدفع إيران إلى تعميق علاقاتها مع قوى دولية أقل عدائية، وتعزيز حضورها في تحالفات إقليمية قائمة، بما يسمح لها بتحويل التهديد إلى فرصة لإعادة التموضع الاستراتيجي.
وبهذا المعنى لا يُختزل الصراع في كونه مواجهة ثنائية، بل يُفهم كجزء من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي.
من المنظور الإيراني، تتجاوز تداعيات الضربة الأميركية المحتملة حدود التصعيد العسكري المباشر، لتندرج في سياق أوسع من محاولات فرض الهيمنة واستغلال التحديات الداخلية.
إيران تقدم نفسها كدولة تمارس حقها المشروع في الردع والدفاع عن السيادة، وترى في استعدادها للرد رسالة واضحة بأن أمنها غير قابل للابتزاز.
وفي الخطاب الإيراني، تتحول هذه المواجهة إلى أداة لتعزيز الوحدة الداخلية، وإعادة تأكيد مكانة إيران كفاعل إقليمي مستقل لا يخضع لضغوط القوة، بل يسعى إلى تحويل التحديات إلى فرص لإعادة ترتيب التحالفات وفرض معادلات احترام متبادل في مواجهة الهيمنة الخارجية.

