الرئيس الأميركي دونالد ترامب
خاص شؤون آسيوية – واشنطن – –
لا تنظر واشنطن إلى ما يجري في إيران بوصفه اضطراباً داخلياً عابراً بل كـ«لحظة سياسية قابلة للاستثمار»، قد تتيح للولايات المتحدة إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع طهران، أو على الأقل تعديل سلوكها، دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا تريدها الإدارة الأمريكية، لكنها لا تستبعدها أيضاً.
قبل عشرة أيام فقط، كانت الولايات المتحدة قد أعلنت صراحة استعدادها للتدخل و«إنقاذ» المحتجين الإيرانيين في حال لجوء النظام إلى العنف، في تصريح للرئيس دونالد ترامب لم يكن عادياً في سياق العلاقات بين البلدين. ترامب، الذي أعاد منذ بداية ولايته الثانية إحياء سياسة حافة الهاوية، قال بوضوح إن بلاده «مؤهلة بالكامل، ومسلحة، وعلى أهبة الاستعداد». هذا التصريح لم يكن موجهاً للرأي العام الإيراني فقط، بل كان رسالة مركبة لطهران، ولحلفاء واشنطن، وللمؤسسة العسكرية الأميركية نفسها: الخيار العسكري ليس افتراضاً نظرياً.
الخطاب الأميركي انتقل من التحذير إلى التهديد المباشر، إذاً لم تكن منشورات ترامب المتكررة، المكتوبة بالأحرف الكبيرة، مجرد انفعالات شخصية، بل أداة ضغط مدروسة. وفي البيت الأبيض، لا أحد يجزم بما سيفعله ترامب، حيث قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بوضوح: «لا أحد يعلم ما الذي سيفعله الرئيس ترامب سوى الرئيس ترامب نفسه».
وفي الكواليس، يناقش كبار المسؤولين الأميركيين مجموعة واسعة من الخيارات، من ضربات عسكرية محدودة، إلى عمليات سيبرانية، إلى حملات نفسية سرّية تهدف إلى إرباك منظومات القيادة والسيطرة داخل إيران.
اللافت أن الحديث الأميركي لا يدور فقط حول «بنك أهداف عسكري»، بل حول «بنك أهداف حكومي»، وفق ما نُقل عن توجيهات ترامب للبنتاغون. هذا التحول يعكس تفكيراً مختلفاً: الهدف ليس تدمير الجيش الإيراني، بل ضرب أعصاب الدولة التي تدير “القمع”، من مراكز قيادة الحرس الثوري والباسيج، إلى أدوات المراقبة الرقمية، إلى البنية التحتية التي تسمح للنظام بالتحكم في المجتمع والاقتصاد والإعلام.
عسكرياً، تدرك واشنطن أنها تمتلك تفوقاً كاسحاً. تجربة الصيف الماضي ما زالت حاضرة في أذهان صناع القرار، حين نفذت قاذفات الشبح بي2 طلعات استمرت ثلاثين ساعة انطلاقاً من قاعدة وايتمان في ميزوري، وأسقطت قنابل خارقة للتحصينات على منشآت نووية إيرانية حساسة. هذه العمليات بعيدة المدى، التي لا تتطلب قواعد أمامية أو وجوداً برياً، تشكل النموذج المفضل لترامب: قوة ساحقة، تكلفة بشرية أميركية صفرية تقريباً، ورسالة سياسية مدوية.
لكن واشنطن تعلم أيضاً أن إيران ليست فنزويلا. سيناريو اعتقال رئيس أو اغتيال شخصية قيادية لا يعني بالضرورة انهيار الدولة. الجمهورية الإسلامية نظام متمرّس في امتصاص الصدمات، ويمتلك شبكة أمنية وعقائدية عميقة. لذلك، يستبعد صناع القرار الأميركيون تكرار نموذج كراكاس في طهران، ويدركون أن أي مغامرة غير محسوبة قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
هذا الوعي بالمخاطر يفسّر استدعاء ترامب المتكرر لشبح فشل عملية إنقاذ الرهائن الأميركيين عام 1980 في عهد الرئيس جيمي كارتر. تلك العملية، التي انتهت بمقتل ثمانية جنود أميركيين في صحراء طبس شرق إيران، ما زالت حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الأميركية كنموذج لما لا يجب تكراره. ترامب نفسه قال إن كارتر لم تكن لديه أي فرصة للفوز بعد تلك الكارثة، في إشارة واضحة إلى أن أي تدخل بري أو عملية خاصة داخل إيران خط أحمر بالنسبة له.
السؤال المركزي في واشنطن اليوم ليس «هل نضرب؟» بل «لماذا نضرب، وماذا نريد أن نحقق؟». ويل تودمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يلخّص هذا التردد بالقول إن هدف ترامب المرجح ليس تغيير النظام، بل تعديل سلوكه. إسقاط النظام، من وجهة النظر الأميركية، مقامرة عالية المخاطر، قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية لا يمكن التحكّم بها، وتضع واشنطن أمام مسؤوليات لا ترغب في تحملها.
الأهداف الأميركية المحتملة تتراوح بين انتزاع تنازلات في الملف النووي، ووقف القمع الداخلي، وفرض إصلاحات محدودة تتيح تخفيف العقوبات. ترامب نفسه لمح إلى أن قنوات خلفية ما زالت مفتوحة، وأن رسائل طهران السرية تختلف كثيراً عن خطابها العلني. نائب الرئيس جيه دي فانس يُعد من أبرز الأصوات داخل الإدارة التي تدفع باتجاه إعطاء الدبلوماسية فرصة أخيرة، لكن هذه الفرصة تضيق مع كل يوم يسقط فيه قتلى في الشارع الإيراني.
في هذا السياق، يبرز خيار «الضربة المحدودة» كحل وسط مغرٍ. ضربة لا تهدف إلى إسقاط النظام، بل إلى بث الرعب داخل دوائره الأمنية، وإرسال رسالة واضحة بأن واشنطن مستعدة للتصعيد. بعض المحللين يرون أن ضربة واحدة دقيقة قد تكون كافية لتغيير الحسابات داخل طهران، وتعزيز ثقة المحتجين، وإرباك أجهزة القمع.
لكن هذا الخيار ليس بلا مخاطر. ضربة رمزية قد تؤدي إلى التفاف القاعدة المؤيدة للنظام حوله، وتعزيز سردية «العدوان الخارجي». كما أن أي هجوم أميركي سيضع القوات والمصالح الأميركية في المنطقة تحت تهديد مباشر، من العراق إلى دول الخليج العربية، وهو ما يفرض على البنتاغون تعزيز دفاعاته وانتظار الجاهزية الكاملة قبل أي قرار.
إلى جانب القوة العسكرية، تلوّح واشنطن بسلاح آخر لا يقل فتكاً: الضغط الاقتصادي الشامل. ترامب هدد صراحة بفرض رسوم جمركية قاسية على شركاء إيران التجاريين، في مقدمتهم الصين وروسيا وتركيا والهند وباكستان، في محاولة لعزل طهران ليس فقط عبر العقوبات المباشرة، بل عبر تجفيف شبكاتها الاقتصادية العالمية. هذا النهج يعكس فلسفة ترامب القائمة على نقل كلفة المواجهة إلى أطراف ثالثة، وإجبارها على الاختيار بين السوق الأميركية والعلاقة مع إيران.
في المحصلة، الضربة الأميركية المحتملة على إيران، إن وقعت، لن تكون تقليدية، ولن تكون بالضرورة عسكرية فقط. نحن أمام مقاربة متعددة الأدوات: تهديد عسكري محسوب، عمليات سيبرانية، حرب نفسية، ضغط اقتصادي، ورسائل سياسية متناقضة عمداً. التوقيت سيظل مرتبطاً بسلوك النظام الإيراني: حجم القمع، ردود الفعل الإقليمية، وجاهزية القوات الأميركية.
ما هو مؤكد في واشنطن أن مرحلة الاكتفاء بالتصريحات تقترب من نهايتها. ترامب لا يحب التهديدات الفارغة، ويحرص على ترسيخ صورة الرئيس الذي ينفذ ما يقول. لكن المؤكد أيضاً أن أي قرار بضرب إيران سيكون نتاج موازنة دقيقة بين الرغبة في إظهار القوة، والخوف من فتح أبواب لا يمكن إغلاقها.
في النهاية، الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مفتوحة مع إيران، لكنها مستعدة لاستخدام القوة إذا رأت أن كلفة عدم التحرك أعلى من كلفة الضربة. وبين هذين الخيارين، تتحرك الإدارة الأميركية فوق حبل مشدود، في واحدة من أخطر لحظات الاشتباك غير المعلن بين واشنطن وطهران منذ عقود.

