بقلم نيلي أشروف – كاتبة إسرائيلية –
- اليوم، تحتفل وسائل الإعلام الإسرائيلية بمهرجان إيران على نطاق واسع. فالانتفاضة في إيران هي بالضبط ما نحتاج إليه: درامية، عاصفة، تمسّ المشاعر، وتثير اهتمام الجمهور من دون أن تخيفه أكثر من اللازم. الخبراء في الشأن الإيراني يبالغون في تقدير أهمية الكلمة من لحظة إلى أُخرى، وكلّ مَن له صلة بإيران يستغلها حتى آخرها (هل قلت لكم إن حماتي من مشهد؟)، مراسلون يقدمون تقارير بطولية من الحدود مع إيران- تقارير كان يمكن إعدادها أيضاً من الحاسوب المنزلي- وأرقام خيالية لأعداد القتلى تُرمى في الهواء برعب، وإن كانت أقل كثيراً من أعداد القتلى في غزة خلال العامين الأخيرين. لحظة، غزة. ما الذي جاء بغزة الآن؟ غزة المدمرة اختفت عن الرادار.
- هناك في غزة، على بُعد أمتار قليلة من هنا، يجلس مئات آلاف الناس في البرد والمطر بين الأنقاض، وينتظرون “المرحلة الثانية”. في غزة، “المرحلة الثانية” كلمتان سحريتان تبشّران بالخلاص. أعرف ذلك أيضاً من أحاديث شخصية؛ الغزّيون ينتظرون المرحلة الثانية كأنها فجأة ستجلب حلاً لكل مآسيهم: البيوت المهدمة ستنهض من الرماد، الشوارع ستُعبّد، الناس سيعودون إلى بيوتهم، وستعود حياة يومية مباركة تحت رعاية سلطة دولية سخية ومحسِنة. طبعاً، هذا حلم بعيد المنال، لكن في إسرائيل، لا يكاد أحد يعي وجوده.
- إن “المرحلة الثانية”، التي كانت جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تلاشت بذريعة أنه ما دام ران غويلي لم يعُد، فلا مجال للحديث. الغزيون ما زالوا يبحثون عنه، لعلهم يجدونه ويحلّ السكون على قلوب عائلته المفجوعة. لكن سيكون من السذاجة اعتقاد الغزيين أن إسرائيل ستندفع فوراً في تلك اللحظة نفسها لتنفيذ بقية الاتفاق.
- إن إسرائيل نسيت غزة منذ زمن؛ صحيح أن حرباً تدور في غزة، وما زال الغزيون يُقتلون فيها يومياً، لكن غزة لم تعُد تهمّ أحداً، ووسائل الإعلام تدرك ذلك. أصبح كل شيء أكثر إثارةً من غزة: الانتخابات التمهيدية في الليكود، تالي غوتليب، يوآف كيش، يائير نتنياهو، والآن، إيران. والأحداث في إيران هي فعلاً شأن جيوسياسي محوري ويستحق التغطية، تستطيع وسائل الإعلام أن تؤكد نقاء نياتها من دون أن تُتهم بالسطحية،أو الانشغال بأمور ثانوية.
- حتى الآن، في ذروة عاصفة شتوية، نسيَ الناس أمر غزة. لم أتوقع أن يطرح أحد سؤالاً عن كيفية تعامُل عشرات الآلاف من الناس مع البرد والمطر، وهم بلا مأوى. هذا التجاهل التام كان متوقعاً، في ضوء مستوى التعاطف والإنسانية الذي انحدر إليه المجتمع الإسرائيلي، لكن يبدو لي كأنه حتى الصور المؤثرة لغزيين يغرقون في الوحل من شدة البرد لم تعُد تُبَث. …
- لكن غزة هنا؛ من غزة خرجت قوى “الشر” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ودمرناها بطريقة لا تقلّ شراً. غزة موجودة، تضجّ بالألم واليأس وشهوة الانتقام والرغبة في الحياة. “حماس” تستيعد قوتها، وتضطر وسائل الإعلام إلى الحديث عن ذلك، من حين إلى آخر، والحرب مستمرة، ومعها يستمر قتل المدنيين. إن الوضع في غزة يهدد وجودنا تهديداً فورياً أكبر كثيراً من أيّ سيناريو إيراني، ولا يلوح في الأفق أي حلّ. الغزيون يرون سراب “المرحلة الثانية”؛ أمّا أنا، فأرى جولة ثانية من السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

