بقلم بتسحاق جيري غرشون – كاتب إسرائيلي –
- لا يوجد خبير متخصص، أو أكاديمي، أو محلّل، أو مسؤول سابق رفيع في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، لا يكرر المقولة نفسها: ممنوع أن تتورط إسرائيل في تغيير النظام في إيران، ومن المؤكد بشكل غير علني؛ إنها مهمة المواطنين الإيرانيين؛ ونضالهم من أجل حريتهم هو شأن داخلي بين الشعب وقيادة دينية متطرفة و”فاشلة”. هذه الحجة تبدو متزنة ومسؤولة، بل أخلاقية، لكن قد يتضح في النهاية أنها خطأً استراتيجي، ليس لأن إسرائيل مطالَبة بـ”تحرير” الشعب الإيراني، بل لأن إسرائيل تخوض معركة، دفاعاً عن حقها في الوجود في مواجهة نظامٍ يعلن بشكل صريح رغبته في تدميرها، ويعمل على تحقيق هذا الهدف باستمرار.
- فعلياً، تجد إسرائيل نفسها في خضم “الحرب الإيرانية – الإسرائيلية الأولى”. وساحتا غزة ولبنان ليستا حربَين منفصلتين؛ فهُما، كما هو معروف، تعبير عن نموذج عمل إيراني منظّم: أذرع ووكلاء، وحلقة خنق، واستنزاف متواصل، وخطة مكتوبة لتدمير إسرائيل. يمكن الاستمرار في القتال حتى آخر عنصر من “حماس”، أو آخر صاروخ لدى حزب الله، لكن هؤلاء هم الأذرع فقط، وقطع الأذرع من دون إصابة الرأس هو حُكم بحرب أبدية، والرأس، حسبما هو معلوم، في طهران.
- إن التدخل في تغيير الأنظمة ليس سابقة تاريخية، ولا ضرباً من الخيال. والادّعاء أن “الشعب وحده يجب أن يُسقط نظامه” لا يصمد أمام اختبار التاريخ. فتغييرات الأنظمة الكبرى في العصر الحديث، في معظمها، لم تنجح من دون دعم خارجي علني، أو سرّي. من الأمثلة البارزة لذلك أوروبا الشرقية والكتلة السوفياتية، حيث لم يكن انهيار الأنظمة الشيوعية نتيجة احتجاج مدني فقط، بل ثمرة ضغط غربي متواصل: اقتصادي، ودبلوماسي، وإعلامي، وعسكري (الناتو)؛ وكذلك في يوغوسلافيا، حيث اكتمل إسقاط ميلوشيفيتش، بعد الجمع بين الاحتجاج الداخلي والضغط الغربي، والعقوبات، والعزلة، والتدخل العسكري؛ وفي ليبيا أيضاً، حيث لم يكن التمرد ضد القذافي لينجح من دون تدخُّل خارجي.
- إن الاستنتاج ليس رومانسياً، بل واقعي: فالشعوب المقهورة تجد صعوبة كبيرة في إسقاط نظام عنيف ومنظّم من دون دعم خارجي متواصل. الاحتجاجات في إيران مثيرة للإعجاب، من حيث الشجاعة والاستمرارية والثمن الشخصي الذي يدفعه المواطنون، لكن جميع المحاولات السابقة فشلت. وحتى الآن، وعلى الرغم من أن الاتجاه يبدو إيجابياً، فإنه يجب الاعتراف بصدق: بأن احتمال نجاح أي ثورة شعبية من دون تغيير في ميزان القوى الداخلي، أو من دون دعم خارجي، أو كليهما، ضعيف جداً. النظام الإيراني ليس متصدعاً؛ إنه عنيف، وأيديولوجي، ومستعد لإراقة دماء مواطنيه من أجل البقاء.
- إن الوقوف على الحياد، كمراقب من الخارج، يعيدنا إلى نمط التفكير الذي سبق السابع من تشرين الأول/أكتوبر، والمصلحة الإسرائيلية العليا تقتضي فعل كل شيء، لكي تنتهي الانتفاضة المدنية الإيرانية هذه المرة بإسقاط النظام. لكن إسرائيل غير مطالَبة بالتحرك باسم حرية الشعب الإيراني، بل باسم أمنها القومي، لأن بقاء النظام الحالي سيواصل إنتاج عدم الاستقرار الإقليمي، ويفرض على إسرائيل مواجهات متكررة، ويعزز “محور المقاومة”، ويُبقي تهديد الإبادة قائماً.
- في المقابل، إن انهيار النظام الإيراني، حتى لو كان الثمن حرباً قصيرة ومحدودة، وربما مؤلمة، يمكن أن يغيّر الشرق الأوسط لأجيال؛ صحيح أنه ستنشأ تحديات جديدة، أو هي في قيد التشكل فعلاً، لكن يمكن التعامل معها لاحقاً. من الحكمة والصواب تفضيل قيادة أميركية لمثل هذا المسار، وما دام الوضع على هذه الحال، فمن الأجدى أن تلتزم إسرائيل الصمت، لكنها مطالَبة بالاستعداد لسيناريو تقرّر فيه الولايات المتحدة، ولأسباب عديدة، عدم التدخل عسكرياً بشكل يوضح للنظام أن نهايته حانت.
- من منظور إسرائيل، ربما هذه الفرصة لن تتكرر، فرصة تحقيق نصر حقيقي في الحرب التي فُرضت علينا في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وحتى لو كان من الممكن ألّا تحقّق المشاركة العسكرية الفاعلة الأهداف المرجوّة، على إسرائيل القيام بما يلي: تعريف تغيير النظام في إيران بأنه هدف استراتيجي إسرائيلي؛ بلورة سياسة شاملة، دبلوماسية، وإعلامية، واقتصادية، ودولية؛ والاستعداد لسيناريو لا تتدخل فيه الولايات المتحدة.
- يقاتل المواطنون الإيرانيون من أجل حريتهم، بينما تقاتل إسرائيل من أجل حقها في الوجود. هذان النضالان ليسا متناقضَين، بل متداخلَين. بالنسبة إلى الإيرانيين، يمثل نضالهم خروجاً من “العبودية إلى الحرية”؛ وبالنسبة إلى إسرائيل، الأمر ليس مجرد تحسُّن كبير في الأمن القومي، بل هو أيضاً النهاية الأمثل لأكثر الحروب بشاعةً، التي يمكن تخيُّلها، “الحرب الإيرانية- الإسرائيلية الأولى”.
المصدر: قناة إن12 الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

