شؤون آسيوية – بقلم: مالك عابدة –
في خضم التحولات المتسارعة إقليمياً ودولياً، تبرز إيران كدولة تمارس إدارة هادئة للأزمات، مستندة إلى قاعدة داخلية متماسكة وإلى رؤية سياسية تقوم على الجمع بين الثبات والمرونة.
فبعيداً من الخطابات الإعلامية المبالغ فيها، يظهر قائد الثورة والجمهورية الإسلامية أكثر توازناً واستقراراً ممّا يُروَّج.
الواقع السياسي الداخلي
يجمع الايرانيون قيادةً وشعباً على وجود تحديات اقتصادية واجتماعية، لكنها لم تتحول إلى حالة انفجار سياسي شامل، وذلك بسبب إدراك شريحة واسعة من المجتمع الإيراني أن الحفاظ على الاستقرار الوطني يمثل أولوية في مرحلة إقليمية حساسة.
ففي المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان، بقي الحراك محدود التأثير، لأن الطبقة الوسطى والنخب الثقافية والاقتصادية تميل إلى الإصلاح الهادئ من داخل المؤسسات، لا إلى القطيعة أو المغامرة بمصير الدولة.
هذه الفئات ترى أن الإصلاح الحقيقي يتحقق عبر الضغط الإيجابي والتطوير التدريجي، وهو ما يفسر تراجع زخم الاحتجاجات وتحولها إلى نقاشات مجتمعية.
تبريز كانت فارقة في الأحداث الأخيرة، وخلت من أي مظاهر احتجاجية خلال المرحلة الأولى يوم استنفر التجار بفعل غياب الاستقرار في سعر الصرف.
وضع الإصلاحات الاقتصادية وسوق العملة
منذ اندلاع الاحتجاجات الاقتصادية والمعيشية في “بازار طهران” وبعض أسواق العاصمة الرئيسية، تبنت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سياسات يقول المعنيون إنها تهدف إلى ضبط سوق الصرف وإعادة التوازن إلى النظام المالي، وذلك عبر تحسين إدارة الموارد، وتوسيع آفاق التجارة الإقليمية، والأساس ضبط سياسة الدعم، للطبقات كافة، من التجار إلى الطبقات الفقيرة.
ورغم ما تفرضه هذه الإجراءات من صعوبات مرحلية، فإنها تشكل أساساً لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الخارجية، وأكثر استقلالية في قراره المالي.
وفي خضم أعمال الشغب المسلحة، سُجل لحكومة بزشكيان، استمرار اجتماعاتها، وبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القطاعات الخاصة كافة، ولم تتعطل عجلة الإصلاح، حتى في ذورة التهديدات الأميركية والاستنفار في المنطقة من إمكانية شن عدوان خارجي على إيران.
لماذا يتميز اقتصاد إيران بالمناعة النسبية
يمتلك الاقتصاد الإيراني مزايا استراتيجية مهمة، أبرزها التنوع الإنتاجي والموارد الطبيعية الواسعة والطاقات البشرية المؤهلة، إضافة إلى سوق داخلية كبيرة تمنح الاقتصاد قدرة فائقة، كما أن التوسع في الصناعات التكنولوجية والمعرفية يفتح أمام إيران آفاقاً جديدة لتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية.
أبرز ما يميز تعاطي السلطات في إيران مع الوضع الراهن، عدم الرضوخ لمسار أن العقوبات تمنعنا من التعافي. آخر اجتماع يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية الخميس، ركز فيه بزشكيان على الخطوة الحكومية الأخيرة لإصلاح نظام الدعم والقضاء على أسس الريع والفساد والرشوة في توزيع موارد النقد الأجنبي للبلاد، وصرّح قائلاً: “تعتزم الحكومة حل مشكلة النقد الأجنبي والريع والفساد في توزيع موارد النقد الأجنبي بشكل نهائي، ونحن على ثقة من أنه من خلال تنفيذ هذه الخطة على المدى القصير، إضافة إلى إعادة الاستقرار إلى السوق، سنشهد زيادة في القدرة الشرائية للشعب، وخاصة في الشرائح الدنيا من السكان”.
قراءة القيادة العليا للمشهد
تقوم رؤية قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي على مبدأ واضح: حماية السيادة لا تتعارض مع الانفتاح السياسي، فإيران لا ترفض التفاهمات الدولية، لكنها تشترط أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتوازنة، وفي الملف النووي، يبقى باب التفاوض موارباً، شرط أن يُترجَم إلى نتائج ملموسة تحفظ الحقوق الاقتصادية والسياسية للشعب الإيراني وهذا ما أعلنه مراراً في خطاباته الأخيرة بعد الحرب.
يأتي هذا في وقت تركز الحكومة الإيرانية على تثبيت الاستقرار الاجتماعي، وتحسين المؤشرات الاقتصادية، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية، فإيران لا تحصر خياراتها في محور واحد، بل تعتمد سياسة تنويع الشراكات، سواء مع الشرق أم مع دول الجوار، بما يضمن لها هامش حركة أوسع واستقلالية أكبر في القرار، ويبدو هذا واضحاً عبر دخول إيران في تحالفات اقتصادية مهمة مثل “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”.
أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فهي تخضع لمعادلة واضحة: الحوار ممكن، لكن من دون المساس بالأمن القومي أو التنازل عن الثوابت. وفي المقابل، يشكل التعاون مع الصين وروسيا ركيزة استراتيجية لتعزيز التوازن في السياسة الخارجية.
موقف المؤسسة العسكرية ودورها الحالي
تحافظ القوات المسلحة الإيرانية على موقعها كمؤسسة وطنية منضبطة وملتزمة بتوجيهات القيادة العليا، وتعتبر أحد أعمدة الاستقرار الداخلي. ولم تظهر أي مؤشرات على تصدع هذا الانسجام، بل يتعزز دور الجيش كعامل توحيد وضمانة في مواجهة التحديات.
مرة جديدة تؤكد طهران أنها لا تبحث عن صراع، لكنها لا تقبل أن تُفرض عليها المعادلات، فهي دولة تفاوض بثقة، وتتحرك بوعي، وبين الصمود والانفتاح، ترسم طهران مساراً يقوم على الحفاظ على الوحدة الوطنية، وتعزيز الاستقرار، والسعي إلى مستقبل يوازن بين الكرامة الوطنية ومتطلبات الواقع الدولي.
المصدر: قناة الميادين

