شؤون آسيوية – بقلم عميد الركن المتقاعد إلياس فرحات –
تقع ايران في وسط اسيا وهي دولة كبيرة مساحتها ١،٦٠٠ الف كم٢ ويبلغ عدد سكانها نحو ٨٨مليون نسمة . وتحدها سبع دول ابرزها العراق وتركيا وباكستان وتطل على الخليج والمحيط الهندي وبحر قزوين في الداخل .تتالف الامة الايرانية من عدة إثنيات أكبرها الفرس ثم الكرد والعرب والبلوش .الديانة هي الإسلام على المذهب الشيعي الذي يدين به نحو ٨٥٪ من السكان و١٢٪ على المذاهب السنية .
لا يوجد احزاب سياسية متنوعة يعتد بها ،وينضوي الايرانيون في تجمعين سياسيين : المحافظون والاصلاحيون يتداولان السلطة فالرئيس الحالي بزشكيان اصلاحي والسابق رئيسي محافظ.
خضعت ايران في تاريخها لحكومات ملكية اخرها أسرة بهلوي التي أطاحت بها الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ . اتخذت ايران الإسلامية سياسة مناهضة الغرب ومن دون التبعية للشرق رفع الامام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية شعار : لا شرقية ولا غربية .ترتب على ذلك عداء كبير بين ايران والغرب وتحديدا الولايات المتحدة. من اهم مواقف ايران الإسلامية هي تمسكها بحقوق الشعب الفلسطيني وعداءها الشديد لإسرائيل اذ فور انتصار الثورة طردت الدبلوماسيين الإسرائيليين وسلمت السفارة الاسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
الوضع السياسي الداخلي ومؤثرات الخارج
منذ انتصار الثورة عام ١٩٧٩ تخضع ايران لعقوبات أميركية .ادى موقف ايران الراديكالي إلى عداء بأشكال مختلفة مع الغرب والى فرض الولايات المتحدة ودول اخرى واحيانا الامم المتحدة عقوبات اقتصادية حدت من النمو واثارت ازمات مختلفة . كما ان الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨ استنزفت الكثير من قدرات ايران . أسهمت ايران في الصراع مع اسرائيل ودعمت حركات المقاومة بدءا من منظمة التحرير الفلسطينية إلى حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي وغيرها وهذا ما رفعها إلى مرتبة اولى اعداء اسرائيل وسلط عليها قدرات اسرائيل السياسية والاقتصادية والإعلامية .
شهدت ايران احتجاجات شعبية كبيرة ابرزها عام ٢٠٠٩ بسبب خلاف على نتيجة الانتخابات الرئاسية وعام ٢٠١٧ بسبب غلاء المعيشة وعام ٢٠١٩ ( جزء من احتجاجات في العراق ولبنان وهونغ كونغ في الصين ) احتجاجا على الفساد والوضع الاقتصادي وعام ٢٠٢٢ بعد مقتل فتاة كردية بعد تعرضها للضرب بسبب الحجاب وكان السبب ثقافيا ودينيا وعرقيا .
بدات الاحتجاجات الحالية اثر ارتفاع كبير ومفاجى لسعر الدولار وما تبعه من ارتفاع الاسعار وقامت به مجموعات من الطبقة المتوسطة والفقيرة في البازار في العاصمة طهران وتركز بشدة في المحافظات ذات الغالبية الكردية في عيلام وكرمانشاه وغيرها .نقل الاعلام العالمي لاول مرة مطالبات باقالة مرشد الثورة خامنئي وهجمات واحراق لمراكز دينية جوامع وحسينيات بالإضافة للتعرض للشرطة والباسيج .
اضاف التدخل الخارجي زخما قويا وعنيفا للاحتجاجات وتبين من تشييع اكثر من ٣٠٠ من رجال الامن ومن بعض الصور لأحداث العنف وجود عناصر مسلحة تطلق النار على الشرطة . عرض وزير الخارجية عراقتشي على السلك الدبلوماسي صورا وإثباتات عن تدخل جماعات مسلحة في أعمال العنف مرتبطة بجهات اجنبية .
كانت تصريحات الرئيس الاميركي ترامب والتهديد بضرب ايران واغتيال قائدها وكلام وزير الخارجية السابق مايك بومبيو حول دور جهاز المخابرات الخارجية الاسرائيلية موساد مؤشرا واضحا على التدخل الخارجي .
مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث وانطلاق تظاهرات مليونية مؤيدة للنظام يمكن القول انه تم استيعاب التظاهرات والسيطرة على الوضع خصوصا بعد قرارات جريئة للحكومة في المجال الاقتصادي تخفف من الأزمة . لكن ذلك لا يلغي تضرر النظام في الداخل وظهور عجزه عن ارتقاب الأزمات رغم علمه بالنوايا العدوانية تجاهه من دول كبرى واقليمية .
كما اسهمت تهديدات الرئيس ترامب بقصف ايران وتغيير النظام بتحول قسم كبير من المحتجين الى واجب الدفاع عن الوطن ضد غزو اجنبي يشبه الالتفاف حول الثورة الإيرانية الوليدة حديثا بعدما هاجمها العراق عام ١٩٨٠ ودخلت في حرب لمدة ثماني سنوات .
الوضع الاقتصادي وانهيار العملة
تتعرض ايران لعقوبات اقتصادية أميركية منذ خمسين عاما. لكنها احتفظت بهامش علاقات مع الدول الأوروبية وروسيا والصين .مؤخرا استخدم الأوروبيون ” الية الزناد ” المنصوص عليها في قرار مجلس الامن رقم ٢٢٣١ عام ٢٠١٥ لاعادة العقوبات المفروضة على ايران والتي توقفت عام ٢٠١٥ . حاصرت الولايات المتحدة تجارة النفط الإيرانية بامكاناتها البحرية والمصرفية الدولية مما ادى الى تراجع تصدير النفط وهو مصدر اساسي للعملات الصعبة .كما ان التجارة مع الامارات العربية وتركيا المجاورتين تراجعت ايضا ،وجاء قرار الرئيس الاميركي بفرض رسوم ٢٥٪ على كل دولة تنتهك حظر التجارة مع ايران آخر التدابير الضاغطة . ادى ذلك لارتفاع سعر الدولار ،اي انهيار العملة الإيرانية ،و ارتفاع الاسعار وعدم تحمل الطبقات الفقيرة والمتوسطة اعباء المعيشة وانتهازهم اي فرصة للاحتجاج.
موقف القيادة الإيرانية
اعتبر السيد خامنئي الاحتجاجات الاخيرة هجوما غربيا على ايران واتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بقيادته ودعا الى التصدي له من دون تقديم اي تنازل عن مواقف ايران في الملف النووي او في ملف الصواريخ البالستية او السياسة الخارجية وخصوصا دعم حركات المقاومة ضد اسرائيل. اما حول الأزمة الاقتصادية التي عزاها للحصار المفروض على ايران فقد حث الحكومة على العمل بكل امكاناتها لوضع حلول تخفف الأعباء عن كاهل الطبقات الفقيرة .
لا يوجد ما يؤشر الى تسوية مع الولايات المتحدة في الملف النووي مع تمسك ايران بتخصيب اليورانيوم وحيازة دورة الوقود النووي .
اما الرئيس بزكشيان فهو من مجموعة الاصلاحيين ومنفتح على الحلول الليبرالية اقتصاديا . بالنسبة للملف النووي فان موقفه هو موقف المرشد نفسه اي التمسك بحقوق ايران . كما يرفض بزشكيان البحث في المطلب الغربي بتقييد مدى الصواريخ البالستية لحد اقصى ٥٠٠ كلم خصوصا بعدما اجتازت القوات الجوية الاسرائيلية نحو ١٥٠٠ كلم لتقصف منشات نووية ايرانية .
دور القوات المسلحة الإيرانية
حول القوات المسلحة الإيرانية ودورها وولائها فهي تتالف اولا من الجيش وفيه قوات برية وبحرية وجوية وثانيا من الحرس الثوري الذي لديه ايضا قوات برية وبحرية وجويه وصاروخية وثالثا من الشرطة وقوات الباسيج وهي نوع من القوة الشعبية تنتشر في جميع انحاء البلاد .وهناك اجهزة الاستخبارات الخارجية والداخلية ووزارة للاستخبارات .
منذ قيام الاحتجاجات عام ٢٠٠٩ سجل كشف العديد من الجواسيس والعملاء اكثرها عام ٢٠٢٥ حيث اعتقل اكثر من عشرة الاف جاسوس ينضوون في منشات للعمل الامني وتصنيع الطائرات المسيرة ونفذوا مهاما اساسية في حزيران يونيو ٢٠٢٥ رافقت الهجمات الجوية الاسرائيلية واغتالوا عددا كبيرا من قادة الجيش والحرس الثوري وقصفوا بعض المراكز العسكرية الهامة .
لم يسجل اي تمرد من قبل القوات المسلحة جميعها على النظام ويعتقد ان هذه نقطة قوة تجعل من تغيير النظام باستخدام القوات المسلحة مستحيلا .

