شؤون آسيوية – الرقة –
بعد أكثر من ثماني سنوات من تحريرها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تقف مدينة الرقة السورية مجددا على مفترق طرق، حيث يأمل سكانها أن يجنّب وقف إطلاق النار الهش مدينتهم المنهكة من الحرب دوامة عنف أخرى.
فقد تم تحرير الرقة من سيطرة تنظيم (داعش) في أكتوبر 2017 بعد واحدة من أشرس المعارك في الصراع السوري، مما شكّل نقطة تحول رئيسية في إنهاء سيطرة التنظيم على البلاد. إلا أن سقوط تنظيم (داعش) لم يجلب السلام المنشود سريعا لكثير من السكان، فقد أصبحت المدينة مؤخرا بؤرة توتر بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية الحالية.
وفي أعقاب التطورات الأخيرة، التي شهدت استعادة الحكومة السورية السيطرة الكاملة على محافظة الرقة بشمال سوريا، أعرب العديد من السكان عن أملهم في أن يمنع وقف إطلاق النار الحالي بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية مدينتهم من الانزلاق مجددا إلى الصراع.
وقد قال ثامر العلي، أحد سكان الرقة، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن “الأمن والسلامة هما المطلب الأول. فهناك كميات هائلة من الأسلحة غير الخاضعة للرقابة في المدينة، وهذا ليس وضعا طبيعيا، يجب حصر الأسلحة في أيدي الدولة لكي يعود الأمن”.
وأضاف العلي أن السكان يتطلعون أيضا إلى أن تقوم السلطات المحلية المعينة حديثا بالتركيز على الخدمات الأساسية، حيث عبر عن تطلعاته قائلا: “نأمل أن يقوم المحافظ الجديد بإصلاح الطرق والشوارع والجسور، وتوفير الكهرباء والوقود. فبدون الأمن، لا يمكن لأي شيء أن ينجح”.
ومن جانبه، أعرب أحمد الفرج، وهو سائق سيارة أجرة في مدينة الرقة، عن المشاعر نفسها، مشيرا إلى الصعوبات اليومية الناجمة عن تضرر البنية التحتية. وأشار إلى أن “الأهم هو الأمن، وأن نعيش تحت راية واحدة”، مضيفا بقوله إنه “لم يبقَ طريق صالح للسير في الرقة، نحن بحاجة إلى إصلاح الطرق وإعادة إعمارها لكي يتمكن الناس من العمل والعيش حياة طبيعية من جديد”.
ويرى الكثيرون أن وقف إطلاق النار خطوة ضرورية لحماية المدنيين بعد سنوات من إراقة الدماء. وفي هذا الصدد، شدد حمزة، وهو من سكان الرقة، على رؤيته قائلا “نحن ندعم الهدنة حفاظا على أرواح المواطنين وحماية للوطن”.
وتحدث آخرون عن مستقبل أفضل، إذ عبر محمد عبود العسالي، أحد سكان الرقة، عن رأيه لـ((شينخوا)) قائلا “نحن ندعو دائما للسلام، نأمل في مستقبل مشرق للمدينة، كفى حروبا، كفى صراعات، كفى ظلما، نريد إعادة بناء المدارس، وتنشئة جيل جديد على التقدم لا العنف”.
ورغم بعض التحسن في إمدادات الكهرباء، لفت السكان إلى أن الخدمات العامة لا تزال غائبة إلى حد كبير، ولا تزال المخاوف من تجدد القتال قائمة. فقد تفاقمت هذه المخاوف مطلع هذا الشهر عندما دُمّر جسرا المنصور والراشد، وهما جسران رئيسيان فوق نهر الفرات، مما أدى إلى شلّ حركة النقل بشكل كبير وتقسيم المدينة إلى قسمين.
كما شلّت الانفجارات حركة العبور عبر النهر، وتسببت في انقطاع كامل للمياه بعد تضرر الأنابيب الممتدة على طول الجسرين، واضطر العديد من السكان منذ ذلك الحين إلى العبور سيرا على الأقدام فوق الأنقاض، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر لكبار السن والنساء والأطفال، لا سيما في ظل ظروف الشتاء القاسية.
وأشارت السلطات المحلية إلى أن أعمال الإصلاح الطارئة قد بدأت منذ دخول القوات السورية المدينة في 18 يناير الجاري. ووفقا لرئيس مجلس مدينة الرقة، عبد القادر سليمان، يجري حاليا ردم جزئي للأجزاء المتضررة للسماح بعبور إنساني محدود، بينما تُجرى الاستعدادات لتحقيق إعادة التأهيل الكامل فور وصول معدات الهندسة الثقيلة.
ويحتل الجسران، لما لهما من أهمية ورمزية، مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية لمدينة الرقة. فتاريخ جسر المنصور القديم يعود إلى عام 1942، أما جسر الرشيد، الذي بُني في ستينيات القرن الماضي، فلطالما شكّلا شريانا رئيسيا يربط بين ريف المدينة الجنوبي وريفها الغربي. وقد أبرز تدميرهما حجم التحديات التي تواجه مدينة لا تزال تتعافى من سنوات الحرب.
وبينما تواصل قوات الأمن السورية عمليات إزالة الألغام، وتقوم فرق الخدمات بتقييم الاحتياجات العاجلة، أكد السكان أن ما تحتاجه الرقة أكثر من أي شيء آخر هو الوقت والسلام.
وفي هذا الإطار، ذكر العلي أن “هذه المدينة عانت من ويلات الحرب أكثر من أي مدينة أخرى في الحرب ضد داعش. وما نحتاجه الآن هو الاستقرار، حتى تتمكن الرقة أخيرا من التعافي”.
المصدر: شينخوا

