شؤون آسيوية – خاص –
تحولت المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حملة عسكرية واسعة النطاق استهدفت عمق البنية العسكرية والأمنية في إيران، فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، تعرضت آلاف المواقع داخل الأراضي الإيرانية لسلسلة غارات جوية وصاروخية متواصلة، طالت قواعد صاروخية ومنشآت دفاع جوي ومراكز قيادة للحرس الثوري، إضافة إلى منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، وسفن حربية وغواصات، فضلاً عن مقار أمنية حساسة في العاصمة طهران.
وخلال أيام قليلة فقط، تكشفت أبعاد الخسائر التي لحقت بإيران على مستويات متعددة، بدءاً من تدمير جزء من قدراتها الصاروخية والبحرية والجوية، مروراً بارتقاء عدد من أبرز القادة العسكريين والسياسيين في البلاد، وصولاً إلى ضرب البنية التحتية لقوات الأمن التي يعتمد عليها النظام في السيطرة الداخلية، وفي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن وتل أبيب أن العمليات العسكرية ستستمر لأسابيع بهدف تحييد القدرات العسكرية الإيرانية ومنعها من امتلاك سلاح نووي، تشير المعطيات إلى أن حجم الضربات التي تلقتها طهران خلال الأسبوع الأول من الحرب فقط كبير، سواء من حيث عدد الأهداف التي جرى تدميرها أو حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها البلاد.
ومع اتساع رقعة القصف وتزايد أعداد الضحايا، تبدو إيران أمام تحدٍ عسكري وأمني معقد، في وقت تتداخل فيه المواجهة العسكرية المباشرة مع مخاطر التصعيد الإقليمي، خاصة مع التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة في العالم.
دخلت الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أسبوعها الثاني وسط مخاوف متزايدة من احتمال امتدادها لأسابيع إضافية، في ظل التصعيد العسكري المتواصل واتساع نطاق العمليات الجوية والبحرية، فقد ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولون إسرائيليون إلى أن الحملة العسكرية الجارية قد تستمر لفترة طويلة نسبياً لتحقيق أهدافها المعلنة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تكثيف الضغط العسكري والاقتصادي على طهران لإضعاف قدراتها الاستراتيجية.
وأكد ترامب أن خطة العمليات العسكرية تسير وفق الجدول المحدد، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة طلبت من شركات الصناعات الدفاعية تسريع إنتاج الأسلحة والذخائر لدعم العمليات الجارية، ويعكس هذا التوجه استعداداً أمريكياً لمواصلة الضربات لفترة أطول إذا لزم الأمر، خصوصاً مع توسع قائمة الأهداف التي يتم استهدافها داخل إيران.
ومنذ انطلاق العمليات العسكرية في 28 فبراير، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت أكثر من 3000 موقع داخل الأراضي الإيرانية، شملت قواعد عسكرية ومنشآت استراتيجية وبنية تحتية عسكرية وأمنية، وقد استهدفت هذه الضربات مراكز القيادة والسيطرة، ومقرات الحرس الثوري، ومواقع الصواريخ الباليستية، وأنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، إضافة إلى قدرات الاتصال العسكرية، والسفن والغواصات التابعة للبحرية الإيرانية.
وبحسب البيانات العسكرية الصادرة عن واشنطن وتل أبيب، فقد أسفرت الضربات عن تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً في مجال الصواريخ والدفاعات الجوية، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي أنه تمكن من تدمير نحو 300 منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية داخل إيران، وهو ما يمثل ما يقارب 70 في المئة من قدرة إيران على تنفيذ رشقات صاروخية مكثفة.
كما أفاد سلاح الجو الإسرائيلي أنه نجح في تدمير نحو 80 في المئة من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وهو ما أضعف قدرة طهران على اعتراض الغارات الجوية وأتاح للقوات المهاجمة توسيع نطاق عملياتها الجوية داخل العمق الإيراني دون مواجهة مقاومة كبيرة.
وفي البحر، تكبدت البحرية الإيرانية خسائر كبيرة أيضاً. فقد أعلن الجيش الأمريكي أن الضربات التي استهدفت القطع البحرية الإيرانية أدت إلى إغراق أو تدمير نحو 43 قطعة بحرية، شملت غواصات وزوارق هجومية سريعة وسفناً حربية مختلفة، ووفق القيادة المركزية الأمريكية، فإن هذه الضربات أضعفت بشكل كبير القدرة البحرية الإيرانية في الخليج وبحر العرب.
وفي مجال الحرب بالطائرات المسيرة، كشف تقرير استخباراتي للبنتاغون أن الهجمات التي استهدفت مصانع الطائرات المسيرة ومخازن الإطلاق الإيرانية أدت إلى تراجع الهجمات باستخدام المسيرات بنسبة تصل إلى 73 في المئة مقارنة بالأيام الأولى من الحرب.
وبحسب الجيش الإسرائيلي فإن الكثافة النارية للهجمات الصاروخية الإيرانية تراجعت بنسبة تصل إلى 90 في المئة مقارنة ببداية المواجهة، وهو ما يعكس التأثير المباشر للضربات التي استهدفت منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ ومراكز القيادة المسؤولة عن إدارتها.
ورغم هذه الخسائر، تمكنت إيران خلال الأيام الأولى من الحرب من إطلاق ما يقارب 2700 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه إسرائيل وبعض الدول الخليجية، في محاولة للرد على الضربات أو إبطاء وتيرتها. وقد اعتمدت إيران بشكل كبير على الطائرات المسيرة من طراز “شاهد-136″، التي تعد منخفضة التكلفة نسبياً مقارنة بالصواريخ الباليستية.
وتتراوح تكلفة الطائرة المسيرة الواحدة من هذا الطراز بين 20 ألفاً و50 ألف دولار، بينما قد تصل تكلفة الصاروخ الباليستي الواحد إلى عدة ملايين من الدولارات بحسب نوعه ومداه، ما يعني أن الحرب تفرض أيضاً أعباء مالية كبيرة على طهران.
ومن أبرز التطورات التي شهدتها الحرب في أيامها الأولى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربة مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في اليوم الأول من العمليات، وارتقاء عدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين الإيرانيين، ومن بينهم وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده، ورئيس أركان القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، ومستشار المرشد علي شمخاني، إضافة إلى مجيد ابن الرضا الذي كان قد عُين وزيراً للدفاع خلفاً لنصير زاده قبل مقتله لاحقاً.
ويعتبر استهداف هذا العدد من القيادات العليا ضربة قاسية للقيادة العسكرية والسياسية الإيرانية، إذ أدى إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة في البلاد في مرحلة حرجة من الصراع.
إلى جانب الضربات العسكرية المباشرة، كشفت تقارير ومعلومات ميدانية عن تعرض البنية التحتية لقوات الأمن في العاصمة طهران لدمار واسع وغير مسبوق. ووفق هذه المعلومات، فقد قُتل ما بين 900 و1000 عنصر من قوات الأمن وقوات القمع خلال الهجمات الإسرائيلية، في حين تفرقت بقية العناصر بعد تدمير قواعدها وانتشرت في المساجد والملاعب الرياضية التي كانت تستخدم كمراكز تجمع مؤقتة.
وكانت السلطات الإيرانية قد استخدمت قبل بدء الحرب عدداً من الملاعب الرياضية والاستادات في المدن المختلفة كمراكز لتجميع القوات والمعدات العسكرية بهدف حمايتها من الضربات الجوية. غير أن هذه المواقع تحولت لاحقاً إلى أهداف للقصف خلال العمليات العسكرية.
ومن بين أبرز المواقع التي تعرضت لهجمات عنيفة صالة رياضية في مجمع آزادي الرياضي في طهران التي تتسع لنحو 12 ألف مقعد، حيث أسفرت الضربات عن خسائر بشرية كبيرة بين عناصر القوات الأمنية.
كما استهدفت الضربات مقاراً عسكرية وأمنية مهمة، من بينها مقر الوحدة الخاصة “موسي بن جعفر” التابعة لقوات الشرطة الإيرانية، والتي تلعب دوراً بارزاً في قمع الاحتجاجات الشعبية داخل البلاد.
كذلك تعرض مقر “لواء 23 خاتم الأنبياء” التابع للقوة البرية في الحرس الثوري للقصف، وهو لواء مكلف بدعم القوات الأمنية خلال الأزمات الداخلية وحالات الطوارئ.
وشملت الهجمات أيضاً معسكر “توحيد” الذي يعد أحد أهم مراكز القيادة العسكرية، إضافة إلى مقر قيادة الشرطة “فراجا” في شرق طهران، وعدد من مقار الحرس الثوري وجهاز الاستخبارات الإيراني ووحدات الباسيج وفيلق القدس.
وتعرضت منطقة “باسيج مقداد” قرب جامعة شريف الصناعية في طهران لقصف عنيف، وهي منطقة تستخدم كمركز تجمع للقوات الأمنية التي تعمل بملابس مدنية وتشارك في قمع الاحتجاجات.
وتشير التقديرات إلى أن الضربات أدت إلى تدمير جزء كبير من الأصول اللوجستية لقوات الشرطة الإيرانية، بما في ذلك المعدات الحاسوبية والمركبات وقواعد البيانات، ما أدى إلى تعطيل قدرة إدارة الإمداد على دعم الوحدات الأمنية في مختلف أنحاء البلاد.
ووفقاُ للتقديرات، فإن حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تدمير هذه البنية التحتية قد يصل إلى آلاف التريليونات من التومان، في حين قد تستغرق عملية إعادة الإعمار سنوات طويلة وربما عقوداً.
وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الإيراني أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 1230 شخصاً، بينهم 175 تلميذة وعاملة في هجوم صاروخي استهدف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب.
كذلك أعلن سفير إيران لدى الأمم المتحدة أن عدد القتلى المدنيين ارتفع لاحقاً إلى 1332 شخصاً، إضافة إلى آلاف الجرحى، ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن نحو 180 طفلاً قتلوا خلال الهجمات، بينهم 168 طفلة لقين حتفهن في الضربة التي استهدفت المدرسة الابتدائية في بداية الحرب.
فيما أعلنت السلطات الإيرانية أن الضربات أدت إلى تضرر نحو 9.6 آلاف هدف مدني، من بينها ما يقارب 8 آلاف مبنى سكني، إضافة إلى مئات المنشآت التجارية والمراكز الطبية، وتشير بيانات حكومية إلى أن 390 وحدة سكنية و528 مركزاً تجارياً و13 مركزاً طبياً تعرضت للقصف خلال الأسبوع الأول من الحرب.
وفي خضم هذا التصعيد العسكري، برزت قضية مضيق هرمز كأحد أخطر التطورات التي قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، فقد أعلن مستشار كبير لقائد الحرس الثوري أن إيران أغلقت المضيق وستستهدف أي سفينة تحاول عبوره، غير أن القيادة المركزية الأمريكية نفت هذه التصريحات، مؤكدة أن المضيق لا يزال مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية.
ومع استمرار القصف وتزايد الخسائر، تبدو إيران أمام واحدة من أخطر الأزمات العسكرية في تاريخها الحديث، إذ تعرضت بنيتها العسكرية والأمنية لضربات غير مسبوقة طالت قيادتها العليا وقدراتها الصاروخية والدفاعية والبحرية.
وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن العمليات العسكرية ستستمر حتى تحقيق أهدافها المعلنة، ما يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة طويلة من التوتر والصراع المفتوح.

