شؤون آسيوية – خاص –
تحول الصراع بين واشنطن وبكين من مجرد منافسة تجارية تقليدية، إلى معركة جيوسياسية تُحرَّك فيها البراميل النفط، الذي صار أداة ضبط سلوك دولي، حيث تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بفنزويلا، إلى أن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة العقوبات إلى سياسة إدارة التدفقات النفطية نفسها، بما يمنحها قدرة غير مسبوقة على التأثير في قرارات الاستيراد الصينية، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التحكم في مصادر الإمداد وأسعارها ومساراتها.
صفقة الهدنة التجارية
هدنة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين في ربيع 2025 مثّلت لحظة تحول، فلم يكن قبول بكين برسوم 30% على صادراتها مقابل تخفيف القيود التقنية تنازلاً مجانياً، بل خطوة تكتيكية لتجميد التصعيد، غير أن التصريحات الأميركية اللاحقة، خاصة فيما يتعلق بإدراج مشتريات الصين النفطية من دول خاضعة للعقوبات ضمن مفاوضات لاحقة، كشفت أن الملف الحقيقي لم يكن التجارة، بل سلاسل الطاقة.
هذا التحول يعني أن واشنطن لم تعد تكتفي بتنظيم تجارتها مع الصين، بل تسعى لتنظيم تجارة الصين مع العالم.
لماذا النفط هو نقطة الضغط المثالية؟
اقتصاد الصين يعتمد على الوقود الأحفوري بنسبة تقارب 86.7% من احتياجات الطاقة، ما يجعل النفط شرياناً استراتيجياً لا يمكن استبداله بسرعة.
وفي يونيو 2025 بلغت وارداتها النفطية نحو 49.8 مليون طن، منها 16.6% من روسيا و15% من إيران، أي أن نحو ثلث وارداتها يأتي من مصادر خاضعة لضغوط غربية.
هذا الاعتماد يمنح واشنطن ميزة ضغط غير مباشرة، فبدلاً من استهداف الصين نفسها، يمكنها استهداف مورديها.
وتمثل السياسة الأميركية تجاه فنزويلا خلال عامي 2025 و2026 نموذجاً واضحاً لهذا النهج.
إذ صعدت الولايات المتحدة في أواخر 2025 إجراءاتها ضد شحنات النفط الفنزويلي، بما في ذلك اعتراض ناقلات وفرض عقوبات على سفن وشركات شحن، ما أدى إلى انخفاض حاد في صادرات البلاد وأجبر شركات نقل على تجنب مياهها.
ثم جاء التحول الأكبر في يناير 2026 بعد عملية عسكرية واعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو، ما فتح الباب لإعادة تشكيل قطاع النفط تحت إشراف دولي تقوده واشنطن.
وفي 14 يناير أعلنت وزارة الطاقة الأميركية إتمام أول مبيعات نفط فنزويلي بقيمة 500 مليون دولار ضمن صفقة إجمالية بـ2 مليار دولار بين البلدين، مع تحويل جزء من العائدات للنظام المالي الفنزويلي، لتكون هذه الخطوة إعلان بداية مرحلة إدارة أميركية لتسويق النفط الفنزويلي.
وأصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2026 تراخيص عامة تسمح بأنشطة كانت محظورة سابقاً، تشمل نقل وتسويق وتخزين وتكرير النفط الفنزويلي بشرط أن تتم عبر جهات أميركية معتمدة، ما يعني أن النفط الفنزويلي يمكن تداوله عالمياً، لكن عبر بوابة واشنطن.
وكان الرئيس الأمريكي وقع، في مارس 2025، أمراً تنفيذياً يفرض رسوماً بنسبة 25% على واردات أي دولة تستورد النفط الفنزويلي، وهذه ليست عقوبة على فنزويلا فقط، بل على زبائنها.
هذا النوع من العقوبات الثانوية هو أخطر أدوات الضغط الحديثة، لأنه يجبر الدول على الاختيار بين مصدر طاقة رخيص وسوق تجاري ضخم.
ضربة مباشرة للصين
قبل هذه التحولات، كانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي بمتوسط 440 ألف برميل يومياً، لكن بعد تشديد الإجراءات الأميركية مطلع 2026، توقفت تقريباً تدفقات النفط المتجهة إلى آسيا، وانخفضت صادرات فنزويلا، أحد أرخص مصادر الطاقة للصين، بنسبة 75%.
وفيما يتعلق بأهمية ذلك بالنسبة لبكين، فإن الخام الفنزويلي ثقيل ومنخفض السعر، ما يجعله مثالياً للمصافي المستقلة الصينية التي تبحث عن هوامش ربح مرتفعة، كما أن شراءه بخصومات كبيرة ساعد الصين على خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية صادراتها الصناعية، وبالتالي فإن إزالة هذا المصدر يعني أن بكين مضطرة للاعتماد على نفط أعلى سعراً من الشرق الأوسط أو أميركا الشمالية.
وإذا ما قورنت مكاسب الصين من شراء النفط المخفّض مع حجم تجارتها مع الغرب، فالكفة تميل بوضوح لصالح الغرب، إذ إن تجارتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تقارب 1.4 تريليون دولار بفائض يصل إلى 646 ملياراً.
عليه فإن السماح للصين بشراء النفط الفنزويلي بسعر السوق بدل السعر المخفّض يكشف فلسفة واشنطن فيما يتعلق بالتحكم بالسعر وليس المنع، فعندما يُباع النفط بالسعر العالمي، تفقد الصين ميزة الخصم التي كانت تحصل عليها سابقاً، وتكون النتيجة النهائية تكلفة إنتاج أعلى وصادرات أقل تنافسية.
إعادة رسم خريطة الشحن العالمي
في المقابل، تعد سوق ناقلات النفط العملاقة من أكثر القطاعات حساسية للتغيرات الجيوسياسية، ومع تراجع الشحنات الفنزويلية إلى آسيا وتوجيهها نحو أميركا وأوروبا، ويتوقع أن يرتفع الطلب على ناقلات المسافات القصيرة، بينما يتراجع الطلب على الناقلات العملاقة التي كانت تُستخدم لنقل الخام إلى الصين.
لكن إذا قررت بكين تعويض النفط الفنزويلي بإمدادات من الخليج أو كندا، فإن المسافات الأطول ستزيد الطلب على ناقلات ضخمة بنحو 16 سفينة إضافية.
والملف لا يتعلق بالنفط فقط، إذ يشمل التنافس الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد والموارد النادرة، حيث تحاول واشنطن تقليص قدرة الصين الصناعية عبر التحكم في مدخلات الإنتاج، بينما تعمل بكين على تقليل اعتمادها على الطاقة البحرية عبر زيادة الإنتاج المحلي، التوسع في الفحم، إلى جانب استيراد الطاقة براً عبر الأنابيب والاستثمار في الطاقة المتجددة
وفي سياق أخر، فإن الصين تدرك أن أي مواجهة مع الولايات المتحدة ستبدأ بالتحكم في الممرات البحرية، خاصة وأن نحو 80% من تجارة الصين تمر عبر مضيق ملقا، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية.
كما أن مضيقي هرمز وباب المندب يمثلان مفاتيح تدفق الطاقة. أي اضطراب فيهما قد يشل التجارة الآسيوية دون إطلاق رصاصة.
هذا ما دفع بكين إلى بناء مخزونات ضخمة من النفط وصلت إلى نحو 1.2 مليار برميل، لتأمين نفسها ضد أي حصار محتمل.
فنزويلا ونموذج الحرب الاقتصادية الجديدة
بعد تراجع النفط الفنزويلي، بدأت الصين تعزيز وارداتها من كندا، التي تسعى بدورها لتقليل اعتمادها على السوق الأميركية، وخلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 شكلت الصين أكثر من 5% من صادرات النفط الكندية، مقارنة بـ1.8% في العام السابق.
وعليه فإن السيطرة على تسويق النفط الفنزويلي تعني أن واشنطن حصلت على مختبر واقعي لتجربة نموذج جديد من النفوذ وهي التحكم في اقتصاد دولة ثالثة للتأثير على دولة رابعة.
هذا بالإضافة إلى أن مبيعات النفط الفنزويلي تحت إشراف أميركي يُتوقع أن تولد نحو 5 مليارات دولار في 2026، ما يعيد تشكيل أسواق الطاقة وعلاقات واشنطن مع كاراكاس.
هذه العائدات تمنح الولايات المتحدة نفوذاً مالياً إضافياً داخل قطاع الطاقة الفنزويلي، وتفتح الباب أمام شركات غربية للدخول.

