شؤون آسيوية – خاص –
يشهد ملف الضفة الغربية منذ مطلع فبراير 2026 تحولاً نوعيا صفي طبيعة السياسات الإسرائيلية، ليس بوصفه تصعيداً ميدانياً تقليدياً، بل باعتباره انتقالاً مدروساً من السيطرة العسكرية إلى إعادة تشكيل البنية القانونية للأرض والسكان والملكية.
هذه التحولات جاءت عبر حزمة قرارات وتشريعات وإجراءات إدارية متزامنة، وصفها مراقبون وخبراء بأنها أخطر تغيير في الوضع القانوني للأراضي المحتلة منذ عام 1967، لأنها لا تقتصر على توسيع الاستيطان، بل تعيد تعريف مفهوم الملكية نفسه داخل الضفة، وتفتح الباب أمام نقل السيطرة الفعلية على مساحات واسعة إلى الدولة الإسرائيلية أو جهات استيطانية مرتبطة بها.
القرارات الجديدة صدرت عن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية، ومنحت الحكومة صلاحيات واسعة لتسجيل الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في المنطقة المصنفة (ج)، باعتبارها “أراضي دولة” إذا لم يتمكن الفلسطينيون من إثبات ملكيتهم وفق شروط توثيق صارمة ومعقدة.
وتشكل هذه المنطقة أكثر من 61% من مساحة الضفة الغربية، ما يعني عملياً أن معظم الأرض باتت معرضة لإعادة تصنيف قانوني قد يؤدي إلى انتقالها إلى سيطرة الاحتلال.
إعادة تعريف الملكية
المحور المركزي للسياسة الجديدة يتمثل في ما يُعرف إعلامياً باسم “قانون أملاك الدولة”، وهو إطار قانوني يسمح لإسرائيل باعتبار مساحات من الأراضي غير المسجلة رسمياً ملكاً للدولة. ويرى خبراء أن هذا التشريع يمثل تحولاً جذرياً لأنه يشرعن الاستيلاء على أراضٍ واسعة ويعيد تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي، ضمن ما وصفوه بـ“الضم الزاحف”.
الفكرة تقوم على أن أي أرض لا يستطيع مالكها الفلسطيني إثبات ملكيتها بوثائق تاريخية دقيقة يمكن تصنيفها “أرض دولة”، وهنا تكمن المشكلة، إذ إن نسبة كبيرة من الأراضي الفلسطينية لم تُسجَّل رسمياً منذ العهد العثماني أو الانتداب البريطاني، ما يجعل إثبات الملكية وفق المعايير الجديدة أمراً شبه مستحيل لكثير من المزارعين والسكان.
بهذا المعنى، لا يعتمد التغيير على القوة العسكرية المباشرة، بل على آلية قانونية-بيروقراطية تحول الغموض التاريخي في سجلات الأراضي إلى أداة سيطرة معاصرة.
ومن منظور قانوني بحت، يشبه ذلك تحويل عبء الإثبات من السلطة المحتلة إلى السكان الواقعين تحت الاحتلال، وهو انقلاب في المنطق القانوني التقليدي الذي يفترض أن القوة المسيطرة هي المطالبة بتبرير وضعها.
الضم دون إعلان رسمي
اللافت في القرارات الأخيرة أنها لا تتحدث صراحة عن “ضم الضفة الغربية”، لكنها عملياً تخلق الظروف القانونية والإدارية التي تجعل الضم نتيجة تلقائية.
فبحسب تقديرات مسؤولين فلسطينيين، قد يؤدي تطبيق هذه السياسات إلى انتزاع أكثر من 55% من أراضي الضفة الغربية وتحويلها إلى ملكية إسرائيلية رسمية، إضافة إلى الاعتراف بالبؤر الاستيطانية خاصة في مناطق (ج).
الخطورة هنا تكمن في أن الضم لم يعد بحاجة إلى إعلان سياسي صريح يثير ردود فعل دولية حادة؛ إذ يمكن تحقيقه تدريجيًا عبر تسجيل الأراضي وإعادة تصنيفها، وهذا ما يجعل بعض المحللين يصفون المرحلة الحالية بأنها انتقال من “الاحتلال العسكري المؤقت” إلى “السيادة القانونية الدائمة”.
سياسياً، ينسجم هذا التوجه مع مواقف معلنة داخل الحكومة الإسرائيلية تعتبر أن قيام دولة فلسطينية لم يعد خياراً مطروحاً، وأن السيطرة الكاملة على الأرض تمثل هدفاً استراتيجياً طويل الأمد، ما يعني أن التشريعات ليست مجرد أدوات إدارية، بل حلقات في مشروع سياسي أوسع لإعادة رسم خريطة الصراع.
من السيطرة العسكرية إلى السيطرة القانونية
منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، اعتمدت إسرائيل مزيجاً من الأوامر العسكرية والقوانين العثمانية والبريطانية لتبرير السيطرة على الأراضي، لكن المرحلة الجديدة تختلف في كونها تسعى إلى تقنين السيطرة ضمن منظومة تشريعية إسرائيلية مباشرة، بدل الاكتفاء بالأوامر العسكرية المؤقتة.
التحول من الحكم العسكري إلى التنظيم القانوني الدائم يُعد في العلوم السياسية مؤشراً على نية تثبيت السيطرة طويلة المدى، إذ عادة ما تستخدم الدول المحتلة الأنظمة العسكرية المؤقتة عندما تتوقع تسوية سياسية مستقبلية، بينما تلجأ إلى التشريع المدني عندما تسعى لترسيخ وضع دائم.
هذه النقلة تعكس أيضاً تغيراً في التوازنات الداخلية داخل إسرائيل، حيث تعزز نفوذ التيارات اليمينية القومية والدينية التي ترى في الضفة الغربية جزءاً لا يتجزأ من “أرض إسرائيل التاريخية”، ما يدفعها إلى تحويل هذا التصور الأيديولوجي إلى واقع قانوني.
كيف يتم تطبيق القانون
القرارات الجديدة لا تقتصر على تسجيل الأراضي، بل تشمل سلسلة إجراءات إدارية متشابكة تهدف إلى تسهيل نقل الملكية أو السيطرة. من أبرز هذه الإجراءات:
* فتح سجلات الأراضي التي كانت سرية سابقاً، ما يسمح للمشترين المحتملين بالاطلاع على أسماء الملاك والتواصل معهم مباشرة.
* إلغاء بعض القيود التي كانت تعرقل شراء الأراضي، بما في ذلك شروط الحصول على تصاريح خاصة للصفقات العقارية.
* تخصيص ميزانيات حكومية لتسجيل الأراضي باسم الدولة.
* نقل صلاحيات التخطيط والبناء في بعض المناطق إلى سلطات إسرائيلية بدل الجهات الفلسطينية.
هذه الإجراءات مجتمعة تعني أن العملية ليست قراراً منفرداً، بل منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة هندسة ملكية الأرض.
ردود الفعل الفلسطينية
الرئاسة الفلسطينية اعتبرت الخطوة ضماً فعلياً للأرض الفلسطينية وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، مؤكدة أنها تمثل إعلاناً لبدء تنفيذ مخطط السيطرة عبر الاستيطان.
وترى القيادة الفلسطينية أن الخطر لا يكمن فقط في فقدان الأرض، بل في تغيير الواقع القانوني والسياسي بحيث يصبح من الصعب مستقبلاً التراجع عن هذه الإجراءات، حتى لو حدثت مفاوضات سلام. فالأرض المسجلة قانونيًا باسم الدولة يصعب إعادة تصنيفها دون قرار سيادي جديد، ما يمنح إسرائيل أفضلية تفاوضية كبيرة.
اعتراضات واسعة وقلق قانوني
دود الفعل الدولية جاءت حادة نسبيًا مقارنة بمحطات سابقة، إذ أعلنت 85 دولة في بيان مشترك داخل الأمم المتحدة رفضها الإجراءات الجديدة، معتبرة أنها توسع غير قانوني للوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة وتثير مخاوف جدية بشأن القانون الدولي وفرص السلام.
كما أدانت السعودية القرار واعتبرته تصعيداً خطيراً وانتهاكاً للشرعية الدولية، مؤكدة أنه يقوض فرص تحقيق السلام العادل والشامل.
هذه المواقف تعكس إدراكاً دولياً متزايداً أن ما يحدث ليس مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل تغيير هيكلي في النظام القانوني للأرض قد يجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق عملياً.
إشكالية الشرعية
القانون الدولي الإنساني، خصوصاً اتفاقية جنيف الرابعة، ينص على أن الدولة المحتلة لا تملك حق نقل ملكية الأراضي أو تغيير طابعها القانوني بما يخدم مصالحها الخاصة، لذلك يرى خبراء أن التشريعات الجديدة تمثل مخالفة جسيمة للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
الإشكال القانوني هنا يتجاوز الجدل السياسي، لأنه يتعلق بتفسير مفهوم “الاحتلال”، فوفق القانون الدولي، الاحتلال وضع مؤقت لا يمنح الدولة المسيطرة حق السيادة، أما تحويل الأراضي إلى ملكية الدولة المحتلة فيعني عملياً اعتبارها جزءاً من أراضيها، وهو ما يتناقض مع هذا التعريف.
الضغط المالي كأداة مرافقة
لا يمكن فهم التشريعات الجديدة بمعزل عن السياق الاقتصادي، فإسرائيل امتنعت عن تحويل عائدات الضرائب للسلطة الفلسطينية لمدة عشرة أشهر، رغم أنها تمثل أكثر من ثلثي إيراداتها، ما أدى إلى فقدان السلطة نحو 90% من قدرتها المالية.
هذا الضغط المالي يخلق بيئة تجعل السلطة الفلسطينية أضعف قدرة على مواجهة التغييرات القانونية أو دعم المزارعين في إثبات ملكيتهم للأراضي، وبذلك تتكامل الأدوات الاقتصادية والقانونية لتحقيق الهدف ذاته.
التأثير على الواقع الميداني
التحولات القانونية ستنعكس مباشرة على الحياة اليومية للفلسطينيين. فإعادة تصنيف الأراضي قد تؤدي إلى هدم منازل بحجة البناء على أرض “غير مسجلة”، إضافة إلى منع الزراعة أو الرعي في مناطق جديدة، وكذلك توسيع المستوطنات القائمة، وتقييد حركة السكان.
وبما أن هذه الإجراءات تتم عبر قوانين وإجراءات إدارية، فإن الطعن فيها يصبح أكثر تعقيدًا مقارنة بالإجراءات العسكرية المباشرة.
توقيت القرارات
توقيت هذه القرارات ليس عشوائيًا. فالتطورات الإقليمية بعد حرب غزة والتغيرات في مواقف بعض الدول الكبرى خلقت بيئة سياسية ترى فيها الحكومة الإسرائيلية فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة.
كما أن صعود تيارات يمينية داخل الحكومة يدفع باتجاه استثمار اللحظة السياسية لتثبيت أكبر قدر ممكن من المكاسب الجغرافية والقانونية.
ومن جهة أخرى، يرى محللون أن هذه السياسات قد تجعل قيام دولة فلسطينية أمراً شبه مستحيل، لأنها تعيد رسم الخريطة بحيث تتفتت الأراضي الفلسطينية إلى جيوب منفصلة محاطة بمناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
بمعنى آخر، حتى لو تم إعلان دولة فلسطينية مستقبلًا، فإنها قد تكون بلا سيطرة حقيقية على الأرض، وهو ما يسميه بعض الباحثين “الدولة الاسمية” أو “السيادة الورقية”.
السيناريوهات المستقبلية
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
1. استمرار التطبيق دون عوائق، ما يؤدي إلى ضم فعلي تدريجي.
2. ضغط دولي يؤدي إلى تجميد جزئي للقرارات.
3. تصعيد ميداني نتيجة الاحتكاكات على الأرض.
السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، لأن القرارات القانونية عادة ما تكون أبطأ إثارة للانتباه من العمليات العسكرية، لكنها أكثر رسوخًا على المدى الطويل.
ما يحدث في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد حلقة جديدة في سلسلة الصراع الطويل، بل مرحلة إعادة صياغة شاملة لقواعد اللعبة، فالتحول من السيطرة العسكرية إلى السيطرة القانونية يشبه انتقال لاعب شطرنج من تحريك القطع إلى إعادة تصميم الرقعة نفسها، والقوانين الجديدة لا تغيّر الواقع فوراً، لكنها تعيد تعريفه بحيث يصبح التغيير اللاحق نتيجة طبيعية لا تحتاج إلى قرارات إضافية.
