شؤون آسيوية – خاص –
أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران، الأحد 8 مارس 2026، انتخاب مجتبى خامنئي قائداً ثالثاً للثورة والجمهورية الإسلامية، خلفاً للسيد علي خامنئي، الذي استشهد إثر هجوم أميركي – إسرائيلي استهدف مقر وجوده في طهران خلال الساعات الأولى من العدوان الذي بدأ في 28 فبراير الماضي.
ويأتي هذا الانتقال القيادي في ظلّ واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ إيران المعاصر، حيث تتزامن التطورات السياسية الداخلية مع تصعيد عسكري إقليمي واسع، ما جعل مسألة استمرار القيادة السياسية والدينية في البلاد قضية محورية ترتبط مباشرة باستقرار النظام وموقع إيران في المواجهة الجيوسياسية الجارية في المنطقة.
مجلس خبراء القيادة يحسم الانتقال السياسي سريعاً
مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدستورية المخولة اختيار القائد الأعلى في إيران، أعلن في بيان رسمي أن انتخاب مجتبى خامنئي جاء بعد دراسات دقيقة وواسعة، وبناءً على الصلاحيات الممنوحة له بموجب المادة 108 من الدستور الإيراني.
وأكد المجلس أن عملية الاختيار تمت استناداً إلى ما وصفه بـ”الواجب الشرعي والمسؤولية التاريخية”، مشيراً إلى أن القرار اتخذ عبر تصويت قاطع لأعضاء المجلس الذين رأوا في المرشح المختار شخصية قادرة على قيادة البلاد في هذه المرحلة الحساسة.
كما شدد البيان على أن انتخاب القائد الجديد يأتي انطلاقاً من تقدير المجلس للمكانة المركزية التي تمثلها ولاية الفقيه في النظام السياسي الإيراني، باعتبارها الركيزة الأساسية التي يقوم عليها هيكل الدولة منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
وأوضح المجلس في بيانه أن عملية اختيار القائد الجديد جرت بسرعة لافتة رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مؤكداً أنه لم يتردد للحظة واحدة في أداء واجبه الدستوري فور إعلان استشهاد السيد علي خامنئي.
وأشار إلى أن الهجوم الذي استهدف إيران لم يقتصر على مواقع عسكرية أو حكومية، بل شمل أيضاً قصف مكاتب أمانة مجلس خبراء القيادة، في محاولة وصفها البيان بأنها تستهدف إرباك مؤسسات الدولة وإحداث فراغ قيادي في البلاد. إلا أن المجلس أكد أنه وضع فوراً الترتيبات اللازمة لعقد اجتماع طارئ واتخاذ القرار الذي يضمن استمرار القيادة السياسية للنظام.
وفي الوقت ذاته، دان المجلس بشدة ما وصفه بـ”العدوان الأميركي – الإسرائيلي” على إيران، معتبراً أن استهداف القائد الأعلى يدخل في إطار محاولة لإضعاف بنية الدولة الإيرانية وضرب رمزية القيادة فيها، كما تقدم المجلس بالعزاء للشعب الإيراني في استشهاد السيد علي خامنئي وسائر الضحايا الذين سقطوا خلال الهجوم، بمن فيهم عدد من الطالبات في مدينة ميناب جنوب البلاد.
مسيرات مبايعة في طهران والمحافظات
إعلان انتخاب القائد الجديد ترافق مع موجة واسعة من المسيرات والتجمعات الشعبية في العاصمة طهران وعدد كبير من المحافظات الإيرانية، حيث خرجت حشود كبيرة إلى الساحات العامة تعبيراً عن دعمها للقرار الذي اتخذه مجلس خبراء القيادة.
وشهدت الشوارع الرئيسية في طهران تجمعات رفعت خلالها صور السيد مجتبى خامنئي، فيما صدحت الهتافات الدينية والسياسية التي تؤكد مبايعة القيادة الجديدة والتأكيد على استمرار مسار الثورة الإسلامية، حيث أظهرت المشاهد التي بثتها وسائل الإعلام الإيرانية احتشاد آلاف المواطنين في الميادين العامة، حيث رفعوا الرايات الإيرانية وصور القائد الجديد مرددين شعارات التكبير والدعم.
الفعاليات السياسية والرسمية في البلاد شددت بدورها على أن انتخاب القائد الجديد جرى وفق المسار القانوني والدستوري الذي ينص عليه النظام السياسي الإيراني، معتبرة أن سرعة اتخاذ القرار تعكس تماسك المؤسسات السياسية في البلاد وقدرتها على التعامل مع الأزمات، حيث أكدت أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة جاهزية تامة لحماية أمن البلاد والحفاظ على مكتسبات الثورة الإسلامية في مواجهة التهديدات الخارجية.
دعم رسمي واسع داخل مؤسسات الدولة
في السياق نفسه، هنأ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان السيد مجتبى خامنئي بانتخابه قائداً للثورة والجمهورية الإسلامية، معتبراً أن هذا القرار يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، قائلاً إن اختيار القائد الجديد يبشر بمرحلة من العزة والاقتدار للشعب الإيراني، مؤكداً أن الوحدة الوطنية التي تجسدت في هذا القرار تشكل سداً منيعاً أمام المؤامرات الخارجية، وأضاف أن الإنجازات التي تحققت خلال عهد السيد علي خامنئي أرست أساساً قوياً لمستقبل البلاد، وأن القيادة الجديدة ستقود إيران نحو أفق أكثر استقراراً وقوة.
وأشار الرئيس الإيراني إلى أن التاريخ السياسي للجمهورية الإسلامية يظهر أن البلاد تمكنت مراراً من تجاوز التحديات الكبرى بفضل ما وصفه بالحكمة السياسية والإيمان العميق لدى قيادتها وشعبها. واعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الثقة المتبادلة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى جانب الاستمرار في مسار المقاومة الذي اعتمدته إيران في مواجهة الضغوط الخارجية.
من جهته، اعتبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن اختيار السيد مجتبى خامنئي يعكس حالة من الوفاق الوطني داخل مؤسسات الدولة، وذكر لاريجاني أن مجلس خبراء القيادة اتخذ قراراً شجاعاً في ظل ظروف الحرب والتهديدات المتزايدة من قبل الولايات المتحدة، مؤكداً أن عملية الاختيار جرت ضمن مسار قانوني وشفاف بالكامل.
وبين أن القيادة الجديدة تمثل امتداداً لمدرسة القيادة التي تأسست منذ قيام الثورة الإسلامية، مشيراً إلى أن السيد مجتبى خامنئي كان حاضراً في العديد من الميادين السياسية والأمنية خلال السنوات الماضية.
ولفت لاريجاني إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من جميع القوى السياسية في إيران تجاوز الخلافات السابقة والعمل تحت مظلة القيادة الجديدة، خاصة في ظل المواجهة الجارية مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، معرباً عن أمله في أن تسهم القيادة الجديدة في دفع البلاد نحو مسار تنموي يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الظروف المعيشية للمواطنين.
الحرس الثوري والجيش يعلنان الجاهزية
على المستوى العسكري، أصدرت المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية سلسلة بيانات أعلنت فيها مبايعتها للقائد الجديد وتأكيد استعدادها لتنفيذ أوامره. فقد أعلن حرس الثورة الإسلامية في بيان رسمي أن اختيار السيد مجتبى خامنئي يمثل بداية مرحلة جديدة في مسار الثورة الإسلامية، مؤكداً أن استمرارية الثورة لا ترتبط بشخص بعينه بل بالمبادئ التي قامت عليها. وأكد الحرس أنه سيبقى “الجندي والذراع المقتدر للولاية”، معلناً استعداده الكامل للتضحية بالأرواح دفاعاً عن البلاد وتنفيذاً لتوجيهات القيادة الجديدة.
البيان شدد أيضاً على أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة ما وصفه بمسار الانتصارات في مواجهة القوى التي تعادي إيران، معتبراً أن الهدف النهائي يتمثل في بناء ما يسميه الخطاب السياسي الإيراني “الحضارة الإسلامية الحديثة”. ودعا البيان مختلف فئات المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول القيادة الجديدة وتعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية.
بدورها، أصدرت الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية وقيادة مقر “خاتم الأنبياء” المركزي بياناً مشتركاً أعلنت فيه تجديد البيعة للسيد مجتبى خامنئي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. وأكد البيان أن القوات المسلحة الإيرانية، بجميع تشكيلاتها من الجيش النظامي وحرس الثورة، ستظل في الميدان بأعلى درجات الجاهزية والاقتدار للدفاع عن مكتسبات الثورة الإسلامية.
وشددت الأركان العامة على أن أي عدوان جديد على إيران سيواجه برد حاسم، معتبرة أن أعداء البلاد، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، سيدفعون ثمن أي محاولة للمساس بسيادة إيران أو أمنها. وأكد البيان أن القوات المسلحة ستواصل أداء مهامها تحت إمرة القيادة الجديدة حتى “آخر نفس وآخر قطرة دم”.
وفي إطار المواقف العسكرية أيضاً، وجه قائد القوة الجوفضائية في حرس الثورة العميد مجيد موسوي رسالة مبايعة للقائد الجديد أكد فيها أن قواته ستواصل السير في طريق المقاومة. واستحضر موسوي في رسالته رمزية تاريخية من التراث الإسلامي، مشبهاً ولاء القوات للقيادة الجديدة ببيعة مالك الأشتر للإمام علي بن أبي طالب، في إشارة تهدف إلى إظهار عمق الارتباط العقائدي بين القيادة والمؤسسة العسكرية في الخطاب السياسي الإيراني.
رسائل وحدة وطنية في مواجهة الضغوط الخارجية
من الناحية المؤسسية، أكد رئيس السلطة القضائية غلام محسن محسني إيجئي أن قرار مجلس خبراء القيادة يمثل لحظة مفصلية في استمرار النظام السياسي الإيراني. وقال إن المجلس أدى واجبه الدستوري والتاريخي عبر انتخاب القائد الجديد بأغلبية ساحقة من أصوات أعضائه، معتبراً أن هذه الخطوة تعزز استقرار البلاد وتماسك مؤسساتها.
كما دعا إيجئي مختلف القوى السياسية والاجتماعية في البلاد إلى دعم القيادة الجديدة والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية في هذه المرحلة الحساسة. وفي السياق ذاته، أعلن النائب الأول للرئيس الإيراني رضا عارف مبايعته للسيد مجتبى خامنئي، مؤكداً أنه شخصية مخلصة ومطلعة على ملفات الدولة وقضايا النظام.
القيادة العامة لقوى الأمن الداخلي في إيران أعلنت أيضاً التزامها الكامل بتنفيذ أوامر القائد الأعلى الجديد، مؤكدة أن قوات الأمن ستبقى كما كانت في السابق “رهن الإشارة” لحماية أمن البلاد واستقرارها. واعتبرت أن اختيار السيد مجتبى خامنئي يمثل خطوة مستحقة تعكس إرادة مؤسسات الدولة.
وفي إطار ردود الفعل السياسية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي مبايعته للقائد الجديد، معتبراً أن القرار الذي اتخذه مجلس خبراء القيادة يضمن سيادة إيران وسلامة أراضيها ويعزز الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية. كما بارك السيد حسن الخميني انتخاب السيد مجتبى خامنئي قائداً للثورة، متمنياً له النجاح في أداء مهامه، في حين أعلن وزير الإرشاد الأسبق والمفكر الإصلاحي عطاء الله مهاجراني تأييده للقرار، داعياً إلى حفظ إيران واستقرارها في هذه المرحلة الحساسة.
الإعلام الغربي: هذه الخطوة تحدٍ لواشنطن
على الصعيد الدولي، أثار انتخاب القائد الجديد ردود فعل واسعة في الصحافة العالمية، التي تناولت الحدث بوصفه تطوراً مهماً في المشهد السياسي الإيراني. فقد رأت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن اختيار مجتبى خامنئي يمثل رسالة تحدٍ من طهران إلى الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ويؤكد استمرار النظام الإيراني في مواجهة الضغوط الخارجية رغم استهداف قيادته.
أما صحيفة “فايننشل تايمز” البريطانية فاعتبرت أن القرار يعكس تمسك إيران بنهج المقاومة، خلافاً لتوقعات بعض المحللين الذين رجحوا أن تؤجل طهران اختيار القائد الجديد إلى ما بعد انتهاء الحرب. وفي السياق ذاته، رأت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية أن انتخاب القائد الجديد يظهر فشل الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإجبار إيران على تغيير سياساتها.
كما اعتبرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن المجتمع الإيراني لم يستجب لدعوات الإدارة الأميركية لحدوث انتفاضة داخلية ضد النظام، وهو السيناريو الذي كان البيت الأبيض يروج له في الأشهر الماضية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعرب في وقت سابق عن معارضته لتولي السيد مجتبى خامنئي قيادة إيران، قائلاً في مقابلة إعلامية إن هذه النتيجة “غير مقبولة”، ومشدداً على ضرورة أن يكون للولايات المتحدة دور في تحديد مستقبل القيادة الإيرانية. كما أكد أن بلاده لن تقبل بزعيم إيراني جديد يواصل السياسات التي اتبعها السيد علي خامنئي.
مجتبى خامنئي… بين المؤسسة الدينية وبنية الدولة
بعيداً عن الجدل السياسي الدولي، يبرز اسم السيد مجتبى خامنئي في النقاشات الداخلية الإيرانية بوصفه شخصية ارتبطت لسنوات طويلة بدوائر القرار القريبة من مؤسسة القيادة. فقد ولد عام 1969 في مدينة مشهد، إحدى أهم المدن الدينية في إيران، ونشأ في بيئة دينية وسياسية مرتبطة مباشرة بمؤسسات الثورة الإسلامية.
درس السيد مجتبى العلوم الدينية في الحوزة العلمية في مدينة قم، حيث تلقى تعليمه في الفقه وأصول الفقه، وهي المواد الأساسية في التكوين الديني لدى رجال الدين الشيعة. وخلال مسيرته العلمية شارك في حلقات بحثية في مرحلة “بحث الخارج”، التي تعد أعلى مراحل الدراسة الحوزوية وتمهد لبلوغ مرتبة الاجتهاد في الفقه.
كما عايش مرحلة الحرب الإيرانية – العراقية خلال شبابه، وهي الحرب التي لعبت دوراً أساسياً في تشكيل الهوية السياسية للنظام الإيراني. وتشير مصادر مختلفة إلى أنه شارك في تلك الفترة ضمن تشكيلات مرتبطة بحرس الثورة، وهي تجربة ساعدته على بناء شبكة علاقات مع عدد من الشخصيات التي تولت لاحقاً مواقع قيادية في المؤسسات العسكرية والأمنية.
وعلى الرغم من أنه لم يشغل مناصب رسمية بارزة في هيكلية الدولة، فإن اسمه ارتبط خلال العقدين الماضيين بالدوائر القريبة من مكتب القائد الأعلى، حيث شارك في تنسيق بعض الملفات السياسية الداخلية وأسهم في بناء قنوات تواصل بين مؤسسات الدولة المختلفة.
هذه الخلفية التي تجمع بين التكوين الديني والعلاقات السياسية داخل مؤسسات الدولة تعد أحد العوامل التي جعلت اسمه يظهر مراراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل القيادة في إيران، خصوصاً في ظل طبيعة النظام السياسي الذي يقوم على نظرية ولاية الفقيه، حيث تتداخل المرجعية الدينية مع السلطة السياسية ضمن إطار واحد.
وبانتخاب السيد مجتبى خامنئي قائداً للثورة والجمهورية الإسلامية، تدخل إيران مرحلة جديدة من تاريخها السياسي في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، حيث سيواجه القائد الجديد تحديات متعددة تتراوح بين إدارة المواجهة مع خصوم البلاد في الخارج، والحفاظ على التوازنات السياسية والاقتصادية داخل الدولة، في وقت تحاول فيه طهران تأكيد استمرار مشروعها السياسي الذي بدأ مع الثورة الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود.

