شؤون آسيوية – بكين –
تحت العنوان أعلاه كتيب وكالة أنباء شينخوا مقالاً جاء فيه، في خضم الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تشكل القواعد الأمريكية المنتشرة في عدة دول بالشرق الأوسط هدفا رئيسيا للرد الإيراني على واشنطن بوصفها إحدى نقاط الارتكاز للانتشار العسكري الأمريكي الموجه ضد إيران.
— قواعد مرتبطة بمخاطر الصراع الجيوسياسي
منذ شن الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضد إيران، واصلت طهران الرد على أهداف أمريكية وإسرائيلية، لتصبح القواعد الأمريكية في المنطقة أهدافا للضربات.
وبحسب معلومات من أطراف متعددة، شملت القواعد الأمريكية التي تعرضت للضرب: قاعدة العديد الجوية في قطر (أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط)، وقاعدة “العديري” للطائرات المروحية و”معسكر عريفجان” في الكويت، ومركز خدمة الأسطول الأمريكي الخامس وقاعدة “الشيخ عيسى” الجوية وقاعدة “الجفير” في البحرين، وقاعدة “الظفرة” الجوية في الإمارات، وغيرها.
وأدت عمليات الضرب الإيرانية وما صاحبها من أنشطة اعتراض إلى التأثير على حركة الطيران ومنشآت الطاقة والمناطق المدنية والأنشطة التجارية والسياحية في هذه الدول، ما جعل الدول المضيفة للقواعد الأمريكية تتحمل التكاليف الأمنية والاقتصادية المترتبة على ذلك.
بعد حرب العراق في عام 2003، واصلت الولايات المتحدة تعزيز انتشارها العسكري في الشرق الأوسط. وبحسب الإحصائيات، تمتلك الولايات المتحدة قواعد عسكرية في 19 موقعا على الأقل في المنطقة، بينها 8 قواعد دائمة. ويشكل هذا الانتشار الكثيف نقطة ارتكاز مهمة لواشنطن للحفاظ على قدراتها في تسريع النشر العسكري وتعزيز نفوذها الإقليمي.
ويرى محللون أن بعض دول الشرق الأوسط تنظر إلى القواعد الأمريكية على أنها جزء من نظام الضمان الأمني الخاص بها، لكن الحقيقة هي أنه كلما اشتدت حدة التوترات الإقليمية بسبب تدخل قوى خارجية، يتم النظر إلى الدول المضيفة للقواعد الأمريكية على أنها “أطراف مرتبطة” بالصراع، لتصبح أهدافا محتملة. فالقواعد الأمريكية لا تمثل “مظلة حماية” للدول المضيفة، بل على العكس، هي “مصدر خطر” يجرها إلى الصراعات.
في السنوات الأخيرة، تكرر استهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا. وبعد اغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني عام 2020، ردت طهران على القواعد الأمريكية في العراق، مما أثر على المدن المجاورة.
ويشير خبراء إقليميون إلى أنه عندما يكون التواجد العسكري الأجنبي في دولة ما كثيفا، فإن أمنها الذاتي يصبح مرتبطا بشكل حتمي بالألعاب الجيوسياسية للدول الأخرى.
— تكاليف متعددة على السيادة والتنمية
بالإضافة إلى المخاطر الأمنية المباشرة، تؤثر القواعد الأمريكية بعمق على سيادة الدول المضيفة واقتصادها ومجتمعها.
ويقول باو تشنغ تشانغ، الباحث المشارك في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، إن سبب سماح بعض دول المنطقة بنشر القوات الأمريكية لفترة طويلة يعود إلى مخاوفها بشأن الوضع الأمني، بما في ذلك أنشطة الجماعات الإرهابية والمسلحة في المنطقة. وفي ظل وجود نقص في القدرات الدفاعية الذاتية، خاصة في مجالات الاستخبارات والقوات الجوية والتكنولوجيا، شكلت الدول المعنية تدريجيا “اعتمادا أمنيا” على الولايات المتحدة.
لكن ثمن هذا “الاعتماد” باهظ. ويشير باو تشنغ تشانغ إلى أن “اتفاقيات وضع القوات” التي توقعها الولايات المتحدة مع الدول المضيفة تمنح عادة امتيازات واسعة للقوات الأمريكية، بما في ذلك الحصانة القضائية وسلطة السيطرة على تشغيل القواعد، ما يحد فعليا من صلاحية الدولة المضيفة ويتعارض مع سيادتها.
ويضعف الارتباط العميق على المستوى الإستراتيجي من استقلالية قرار الدول المضيفة. وعندما تتخذ الولايات المتحدة إجراءات عسكرية، غالبا ما تتعرض الدول المضيفة للقواعد الأمريكية للضغوط. فقد تجاهلت إدارة ترامب تحذيرات دول عديدة في الشرق الأوسط، وأصرت على مهاجمة إيران.
كما أن التكلفة الاقتصادية كبيرة أيضا. فعلى الدول المضيفة تحمل تكاليف بناء القواعد والدعم اللوجستي وشراء المعدات الأمريكية بأسعار مرتفعة ودفع رسوم “حماية” باهظة، إضافة إلى تكبد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الصراعات مثل توقف آبار النفط وتضرر سبل العيش وانهيار السياحة. وتظهر دراسات متعددة أن التكاليف المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالقواعد الأمريكية تشكل ضغطا مستمرا على مالية الدول المضيفة وتنمية مدنها.
وتشكل القواعد الأمريكية أيضا تحديا للإدارة المجتمعية في الدول المضيفة. فقضايا مثل ارتكاب الجنود الأمريكيين لجرائم، والتلوث البيئي، والتلوث الضوضائي، تؤثر على النظام الاجتماعي والأمن والنسق الثقافي للمدن المضيفة.
— الاستقلال الإستراتيجي هو طريق الأمان
العديد من الدول في الشرق الأوسط ستدرك على الأرجح، من خلال “الارتداد الخطير” للقواعد الأمريكية في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أن تعزيز الاستقلالية في الإستراتيجية الأمنية ورفع المرونة الأمنية الذاتية هو الطريق الحقيقي للخروج من المأزق الأمني السلبي.
ويشير المحللون إلى أنه على المدى البعيد، ستسعى دول الشرق الأوسط، من خلال إنشاء آليات للتنسيق الأمني، وتطوير شراكات متنوعة، وتعزيز القدرات الدفاعية المستقلة، إلى كسر الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة تدريجيا، وتعزيز إعادة هيكلة البنى الأمنية الإقليمية.
وتسعى دول إقليمية بنشاط إلى مسارات ضمان أمني متنوعة ومتعددة الركائز. فقد أبرمت دول مثل السعودية والإمارات تعاونا واسعا مع دول متعددة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والعسكرية، وقامت السعودية أيضا بتوقيع اتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك مع باكستان في سبتمبر 2025.
كما تسعى دول المنطقة إلى بناء هيكل أمني جماعي إقليمي يمكن التحكم فيه ذاتيا. ففي فبراير 2025، توصلت تركيا والعراق وسوريا والأردن إلى اتفاق بشأن آلية مشتركة لمكافحة الإرهاب. وبعد الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على قطر في سبتمبر 2025، قرر مجلس التعاون الخليجي تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية بين الدول الأعضاء في المجلس ورفع القدرات الدفاعية الجماعية.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى دول مثل الإمارات، من خلال تحسين نظام الصناعات الدفاعية، وتسريع عملية توطين تصنيع الأسلحة، وجلب خطوط إنتاج التكنولوجيا، إلى تقليل الاعتماد الخارجي على المعدات والتكنولوجيا.
ويؤكد المحللون أنه بالنسبة للعديد من دول الشرق الأوسط، فإن الطريق الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار الحقيقيين، وتجنب “جلب النار إلى البيت” من جذورها، هو إنشاء ترتيبات أمنية تقودها دول المنطقة وتتوافق مع واقعها.
المصدر: شينخوا

