شؤون آسيوية – خاص –
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها خطوط النار مع مسارات التفاوض، تتحول العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى مركز ثقل دبلوماسي، مع احتضانها اجتماعاً رباعياً حاسماً يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، في محاولة جديدة لكبح جماح الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتي دخلت شهرها الثاني وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعتها.
وسبق هذا الاجتماع حراك سياسي مكثف واتصالات عالية المستوى، أبرزها الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار ونظيره الإيراني عباس عراقجي، والذي عكس بوضوح حجم القلق الإقليمي، وكذلك الرغبة في إبقاء نافذة الحلول السياسية مفتوحة، ولو بقدر ضئيل.
تمهيد دبلوماسي قبل الاجتماع الحاسم
الاتصال الباكستاني الإيراني عشية الاجتماع الرباعي لم يكن بروتوكولياً، بل حمل رسائل واضحة ومباشرة، حيث شدد إسحاق دار على ضرورة خفض التصعيد ووقف الأعمال العدائية، مؤكداً أن الحوار والدبلوماسية يمثلان الخيار الوحيد القابل للحياة لتحقيق سلام دائم.
في المقابل، أظهر الجانب الإيراني تقديراً واضحاً للدور الباكستاني، سواء من خلال الاتصال الوزاري أو عبر المكالمة المطولة التي جمعت رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتي استمرت أكثر من ساعة، وركزت على سبل احتواء التصعيد وتهيئة بيئة مناسبة للحوار.
هذا التمهيد السياسي يعكس إدراكاً جماعياً بأن الاجتماع الرباعي لن يكون مجرد لقاء عابر، بل محاولة جدية لوضع أسس عملية لوقف الحرب، أو على الأقل تجميدها مؤقتاً.
إسلام آباد تستضيف… لماذا الآن؟
اختيار باكستان كمقر للاجتماع لم يكن مصادفة، ففي البداية، كان من المقرر عقد اللقاء في تركيا، قبل أن يتم نقله إلى إسلام آباد بسبب اعتبارات تتعلق بالجدول الزمني. لكن خلف هذا التغيير تكمن معادلة سياسية أعمق.
باكستان برزت خلال الأسابيع الأخيرة كوسيط محتمل يحظى بقبول نسبي من مختلف الأطراف، خاصة وأنها تمتلك علاقات جيدة مع إيران، وقنوات اتصال مع الولايات المتحدة، إلى جانب روابط وثيقة مع دول الخليج، وهذا الموقع الوسطي يمنحها قدرة نادرة على نقل الرسائل بين الخصوم دون أن تُتهم بالانحياز الكامل.
ومن هنا، لم يعد دور إسلام آباد مقتصراً على الاستضافة، بل بات أقرب إلى إدارة غرفة عمليات دبلوماسية معقدة، تحاول الجمع بين أطراف لا تثق ببعضها أساساً.
الحرب في خلفية المشهد
كل هذا الحراك يأتي على خلفية حرب اندلعت في 28 فبراير 2026، بعد ضربات أميركية إسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران، وتطورت سريعاً إلى مواجهة مفتوحة، شملت هجمات متبادلة طالت منشآت عسكرية واقتصادية، وأثرت بشكل مباشر على أمن الطاقة العالمي.
أحد أخطر تداعيات هذه الحرب كان شبه الحصار الذي فُرض على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط والغاز، وهذا التطور لم يبقَ إقليمياً، بل انعكس على الأسواق العالمية، مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد القلق من أزمة طاقة واسعة النطاق.
لذا يكتسب أي تحرك دبلوماسي وزناً مضاعفاً، لأنه لا يتعلق فقط بوقف القتال، بل أيضاً بحماية الاقتصاد العالمي من صدمة قد تكون أكثر قسوة من الأزمات السابقة.
بادرة تهدئة من طهران
ضمن الإشارات الإيجابية المحدودة، أعلنت باكستان أن إيران سمحت بمرور 20 سفينة ترفع العلم الباكستاني عبر مضيق هرمز، بمعدل سفينتين يومياً، ورغم بساطة هذه الخطوة بشكلها الظاهري إلا أنها تحمل دلالات سياسية مهمة.
فهي تعكس استعداداً إيرانياً لإرسال إشارات تهدئة، ولو بشكل غير مباشر، كما أنها تمنح الوساطة الباكستانية زخماً إضافياً، عبر إظهار أن التواصل الدبلوماسي يمكن أن يحقق نتائج ملموسة، حتى في ظل استمرار العمليات العسكرية.
لكن في المقابل، لا يمكن المبالغة في تفسير هذه الخطوة، إذ تبقى محدودة التأثير ما لم تترافق مع وقف أوسع للأعمال العدائية.
رسائل متناقضة… عقدة الثقة
واحدة من أبرز العقبات أمام أي تسوية هي أزمة الثقة العميقة بين إيران والولايات المتحدةـ حيث تؤكد طهران أنها لا تجري مفاوضات مباشرة مع واشنطن، رغم وجود تبادل للرسائل عبر وسطاء، من بينهم باكستان.
في الوقت نفسه، تشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة قدمت خطة من 15 بنداً لإنهاء الحرب، وأن إيران ردت عليها رسمياً عبر قنوات غير مباشرة، وهذا التناقض بين النفي العلني والتواصل غير المباشر يعكس طبيعة المرحلة: مفاوضات بلا اعتراف.
إيران من جهتها تتهم واشنطن بازدواجية المواقف، مشيرة إلى أن استمرار استهداف البنى التحتية، رغم تعهدات سابقة، يعمق انعدام الثقة، كما ترى أن الهجمات التي تعرضت لها خلال فترة التفاوض تبرر شكوكها في نوايا الطرف الآخر.
الدور التركي والمصري والسعودي
الدول الثلاث المشاركة في الاجتماع الرباعي ليست مجرد أطراف داعمة، بل فاعلون رئيسيون في مسار الوساطة.
تركيا أبدت استعدادها للعب دور بنّاء، مع تأكيدها على تفهم المخاوف الإيرانية، خاصة في ظل تعرض طهران لهجمات خلال فترات التفاوض. هذا الموقف يمنح أنقرة موقعاً مرناً، يسمح لها بالتواصل مع مختلف الأطراف دون فقدان مصداقيتها.
ومن جانبها، تتحرك مصر ضمن إطار تقليدي يعتمد على التهدئة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مع التركيز على الحلول السياسية. مشاركتها تعزز الطابع العربي للاجتماع، وتمنحه بعداً إضافياً في ظل تأثير الحرب على المنطقة بأكملها.
أما السعودية، فهي لاعب محوري بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي، وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقةـ إذ تعكس مشاركتها إدراكاً بأن استمرار الحرب يهدد مصالحها الاستراتيجية، سواء من حيث أمن الطاقة أو استقرار المنطقة.
باكستان… وسيط أم لاعب؟
السؤال الأهم هنا: هل باكستان مجرد وسيط، أم أنها تسعى للعب دور سياسي أكبر؟، الواقع يشير إلى أن إسلام آباد تحاول الجمع بين الدورين، فهي من جهة تقدم نفسها كوسيط محايد، ومن جهة أخرى تسعى لتعزيز مكانتها الدولية عبر لعب دور محوري في واحدة من أخطر أزمات العالم.
تصريحات إسحاق دار تعكس هذا التوجه، إذ أكد أن بلاده “تعمل بصدق وإخلاص” لحل النزاعات، وتحظى بدعم من الدول الصديقة. كما أشار إلى استمرار المحادثات مع إيران، مع تجنب الكشف عن تفاصيلها بسبب حساسيتها.
اجتماع بأهداف متعددة
الاجتماع الرباعي في إسلام آباد يحمل عدة أهداف متداخلة:
أولاً، محاولة خفض التصعيد العسكري، عبر الضغط على الأطراف المعنية لوقف الهجمات أو تقليلها.
ثانياً، تهيئة الأرضية لمفاوضات أوسع، قد تشمل لاحقاً أطرافاً دولية مثل الولايات المتحدة.
ثالثاً، تنسيق المواقف بين الدول المشاركة، لضمان وجود رؤية موحدة تجاه الأزمة.
رابعاً، إرسال رسالة سياسية بأن هناك كتلة إقليمية قادرة على التحرك، بدلاً من ترك الملف بالكامل للقوى الكبرى.
سيناريوهات ما بعد الاجتماع
نجاح الاجتماع ليس مضموناً، بل يعتمد على عدة عوامل، أبرزها مدى استعداد الأطراف المتحاربة لتقديم تنازلات.
السيناريو الأول يتمثل في تحقيق اختراق محدود، مثل اتفاق على تهدئة مؤقتة أو وقف جزئي لإطلاق النار. هذا الخيار هو الأكثر واقعية، لكنه يبقى هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
السيناريو الثاني هو فشل الاجتماع في تحقيق نتائج ملموسة، ما قد يؤدي إلى تصعيد إضافي، خاصة إذا استمرت الضربات العسكرية دون قيود.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، فيتضمن التوصل إلى إطار تفاوضي شامل، يمهد لإنهاء الحرب بشكل تدريجي.
المخاطر الإقليمية والدولية
استمرار الحرب لا يهدد فقط دول المنطقة، بل يحمل تداعيات عالمية، حيث من أبرز هذه المخاطر حدوث اضطرابات بإمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار، إضافة إلى توسع رقعة الصراع لتشمل دولاً أخرى، تصاعد التوتر بين القوى الكبرى، وهذا كله يُفاقم الأزمات الإنسانية.
في هذا السياق، يصبح أي تحرك دبلوماسي، مهما كان محدوداً، أفضل من الجمود الكامل، وعليه فإن هذا التحرك في إسلام آباد يعكس مزيجاً من الواقعية والطموح، حيث تكمن الواقعية في إدراك صعوبة إنهاء الحرب سريعاً، والطموح يتمثل في محاولة منعها من التحول إلى صراع إقليمي شامل.

