غزة
بقلم: ألوف بن – كاتب إسرائيلي –
- يرتكز الجدل حول لجنة التحقيق في إخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر على مسألة الكيفية التي سيؤثر فيها تعيين أعضائها في تحديد مسؤولية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الكارثة. ومن المفترض أن تحقق اللجنة في “ما الذي”، و”مَن الذي” أتاح هجوم المفاجأة الذي شنّته “حماس” على محيط غزة، ونتنياهو يريد أن تمتد التحقيقات بعيداً إلى الوراء، كي تُلقى المسؤولية على أسلافه، يتسحاق رابين (أوسلو)، وأريئيل شارون (فك الارتباط)، بدلاً من أن تُلقى عليه. لكن في مقابل هذا النبش في الماضي، فإنه يكاد لا يوجد نقاش عام أو سياسي حول فحص القرارات التي اتُّخذت ابتداءً من 8 تشرين الأول/أكتوبر.
- وليس الأمر أن الموضوعات الجديرة بالتحقيق قليلة، فهناك على سبيال المثال: مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من المدنيين غير المتورطين، نساءً وأطفالاً، وتهجير معظم سكان قطاع غزة وتركيزهم في مدن خيام، والتدمير المنهجي لمدنهم وقراهم، الذي يستمر حتى بعد وقف إطلاق النار، والمماطلة الطويلة في إعادة المختطَفين، وخرق وقف إطلاق النار من جانب إسرائيل في آذار/مارس من هذه السنة، وقرار عدم إدخال الغذاء إلى القطاع ثم تشغيل الصندوق الأميركي، وهو ما أحدث كارثة إنسانية، وتشغيل إدارة الترانسفير في وزارة الدفاع، وتأثير الحرب في غزة في سلوك الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ولبنان وسورية، وخطوات الحرب على الجبهة اللبنانية والإيرانية، وغير ذلك الكثير.
- لكل هذه القرارات مسؤول واضح: نتنياهو. ولقد تنصّل من إخفاق 7 تشرين الأول/أكتوبر بادعاء “لم يوقظوني” قبل أن تجتاز “حماس” الجدار، وهذا الادعاء أجوف، ويحاول طمس مسؤوليته المطلقة عن إدارة سياسة الأمن عموماً، والعلاقة مع “حماس” بصورة خاصة، وعن تجاهله التحذيرات من الحرب. لكن أعذاره عما كان قبل ذلك بالتأكيد لا تنطبق على القرارات التي اتُّخذت بعد أن استيقظ؛ فمنذ 8 تشرين الأول/أكتوبر، كان نتنياهو منفرداً في القمة، والكلمة الحاسمة كانت كلمته.
- من الضروري فحص كيف اتُّخذت القرارات التي أزهقت أرواحاً بشرية كثيرة وأحدثت دماراً ذا أبعاد ملحمية في غزة، وأدت إلى مئات القتلى الإسرائيليين، وإلى معاناة مروّعة للمختطَفين. ومن المهم أيضاً فهم ما هي الاستشارات القانونية التي قُدّمت إلى الكابينيت ورئاسة هيئة الأركان في مسائل القانون الإنساني الدولي والخشية من ارتكاب جرائم حرب.
- لكن هذه الأسئلة أثارت اهتماماً ضئيلاً في إسرائيل، بل إن مجرد طرحها للنقاش صُوّر من جانب نتنياهو ومساعديه على أنه مساعدة للعدو. وقد امتنعت وسائل الإعلام المركزية من تغطية ما يجري في غزة، وطبعاً، فإن الأغلبية الساحقة من الجمهور اليهودي أيدت معاقبة قاسية للفلسطينيين على “المجزرة” في محيط غزة.
- ومن الواضح أيضاً أن أي لجنة تحقيق إسرائيلية -أياً يكن أعضاؤها- لن تقنع باستنتاجاتها الفلسطينيين ومؤيديهم، وكل مَن يتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ومن المشكوك فيه كذلك ما إذا كان التحقيق في هذه المرحلة في القرارات التي اتُّخذت في أثناء الحرب من جانب جهة إسرائيلية مخوَّلة سيؤدي إلى إلغاء أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ضد نتنياهو ويوآف غالانت.
- ومع ذلك، وعلى الرغم من اللامبالاة الداخلية والشكوك الدولية، فإن هناك أهمية كبيرة للتحقيق في القرارات المتخَذة خلال الحرب، وذلك لأسباب أخلاقية، وكذلك لأن كل الجهد الذي بُذل، والقتل والدمار في غزة، بكل الثمن الداخلي والعزلة الدولية، لم يحقق الهدف المركزي للحرب؛ تفكيك حكم “حماس” وقوتها العسكرية. أمّا الهدف الثانوي، وإعادة المختطَفين، فقد تحقق عبر صفقات، لا بالقوة العسكرية، كما كان واضحاً منذ البداية.
- يستحق الجمهور أن يعرف كيف ولماذا تلاشت وعود نتنياهو بـ “النصر المطلق”، ولماذا تأخرت إعادة المختطَفين، وما إذا كانت قد ارتُكبت جرائم حرب جسيمة عن علم. والإجابات عن هذه الأسئلة، التي ستلقي بظلالها على إسرائيل لأجيال عديدة قادمة، لا تقل أهمية عن سؤال “مَن يتحمل مسؤولية أكبر عن إخفاق 7 تشرين الأول/أكتوبر؟ نتنياهو أم قادة الجيش والاستخبارات؟”، و”مَن الذي سيحقق فيها؟”
المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

