شؤون آسيوية – إعداد: رغد خضور –
عيد الربيع الصيني، أو رأس السنة القمرية، ليس مجرد مناسبة احتفالية عابرة في تقويم دولة كبرى، بل هو حدث حضاري كثيف المعاني، تتقاطع فيه الأسطورة بالتاريخ، والطقس الاجتماعي بالسياسة الثقافية، والاقتصاد بالهوية.
إنه العيد الأهم لدى الصينيين منذ أكثر من أربعة آلاف عام، والمرآة التي تنعكس فيها روح الصين القديمة والحديثة معاً، ففي كل عام، مع نهاية يناير أو بداية فبراير، يدخل ما يقارب خُمس سكان العالم في إيقاع احتفالي واحد، تُعاد فيه كتابة الزمن بلغة القمر لا الشمس، وتُفتح فيه صفحة جديدة من الأمل والبركة والحظ السعيد.
في عام 2025 مثلًا، حلّ العيد في 29 يناير وكان عام “الأفعى” رمز الحكمة والذكاء والقدرة على التكيف، وفي 2026 تمتد العطلة الرسمية في الصين من منتصف فبراير تقريبًا حتى أواخره، مترافقة مع موجات سفر وتسوق وأنشطة ثقافية وتجارية هائلة.
كيف ولد عيد الربيع..
تاريخياً، يعود أول احتفال رسمي بعيد الربيع إلى عهد أسرة هان قبل أكثر من ألفي عام، عندما أُطلق على اليوم الأول من السنة القمرية اسم “رأس السنة”، لكن جذور العيد أقدم من ذلك بكثير، مرتبطة بالزراعة ومواسم البذر والحصاد.
الصين القديمة، باعتبارها حضارة فلاحية بالأساس، ربطت بين الربيع وبداية دورة الحياة، فصار الربيع رمزاً للانطلاقة الجديدة، حتى وإن جاء العيد فلكياً في قلب الشتاء، وتسمية “عيد الربيع” ليست وصفاً للمناخ، بل إعلان نوايا: نزرع اليوم كي نحصد غداً.
ومع تعاقب السلالات، من سوي وتانغ إلى سونغ وتشينغ، تطورت الطقوس، من مجرد يوم ديني إلى مهرجان شعبي شامل، دخلت فيه الزلابية، ورقصات التنين والأسد، ثم في العصر الحديث سهرة التلفزيون العملاقة التي أطلقتها CCTV عام 1983، وصارت طقساً معاصراً لا يقل أهمية عن عشاء العائلة.
هجرة الربيع..
في قلب العيد تقف الأسرة، حيث يشكل لمّ الشمل المعنى الجوهري لعيد الربيع، إذ يعود ملايين العمال والطلاب الذين يعيشون طوال العام في مدن صناعية ضخمة إلى قراهم وبلداتهم الأصلية ليجلسوا حول طاولة واحدة مع الآباء والأجداد، هذه الظاهرة تُعرف باسم “تشونيون” أو هجرة الربيع، وهي أكبر حركة تنقل بشرية موسمية في العالم.
وفي بعض الأعوام، يتجاوز عدد الرحلات ثلاثة مليارات، وتباع آلاف التذاكر في الثانية الواحدة، إذ تتحول القطارات، الحافلات، الطائرات، وحتى السيارات الخاصة إلى شرايين تنقل عاطفية أكثر منها لوجستية.
إنها رحلة إلى الجذور، تدخل الدولة بكاملها في حالة تعبئة نقل، وتُغلق متاجر، وتُشترى الحاجيات قبل أسابيع تحسبًا للزحام. في السنوات الأخيرة، ومع تحسن البنية التحتية والتقنيات الرقمية، صار شراء التذاكر معركة إلكترونية لا تقل شراسة عن الأسطورة التي بدأت بها الحكاية.
نيان واللون الأحمر..
الأسطورة تقول إن وحشاً اسمه “نيان” كان يخرج كل عام ليهاجم القرى، فيختبئ الناس في بيوتهم رعباً، حتى جاء صبي شجاع، واجهه بالألعاب النارية والنار والضجيج، فهزمه، ومنذ ذلك الحين، صار الصوت والنار واللون الأحمر أدوات رمزية لطرد الشر والحظ السيئ. هنا نفهم لماذا يملأ الأحمر كل شيء في عيد الربيع: الملابس، الفوانيس، اللافتات، المظاريف، الملصقات على الأبواب، فاللون الأحمر أصبح درعاً نفسياً وثقافياً ضد الفوضى.
حتى اليوم، تُطلق الألعاب النارية عند منتصف الليل إيذاناً بموت العام القديم وولادة الجديد، ورغم القيود البيئية والأمنية في المدن الكبرى، لا يزال الناس يجدون طرقاً للاحتفال، لأن الطقس أقوى من القرار الإداري، والنار هنا ليست تخريباً، بل تطهيراً رمزياً.
عشاء الحظ والبركة..
في ليلة رأس السنة القمرية، تُقام أهم وجبة في السنة: عشاء لمّ الشمل، إنها وليمة لها تاريخ يمتد أربعة آلاف عام، وكل طبق فيها يحمل معنى.
السمك لا يغيب أبداً، لأن لفظه في الصينية يشبه لفظ “الفائض”، أي التمني بأن يكون في السنة القادمة فائض من الخير والرزق، وتُحضّر الزلابية بشكل جماعي، خصوصاً في شمال الصين، حيث يجلس أفراد العائلة يلفّون العجين ويحشونه باللحم أو الخضار.
الشكل يشبه سبائك الفضة القديمة، رمز الثراء، وتقوم بعض العائلات بإخفاء قطعة نقدية داخل إحدى الزلابيات، ومن يجدها يُعد محظوظ العام.
في الماضي كان الجميع يطبخ في البيت، أما اليوم فكثيرون يتناولون العشاء في المطاعم أو يطلبون الطعام عبر التطبيقات، أو حتى يستعينون بطاهٍ يأتي إلى المنزل.
التنظيف ممنوع..
التحضيرات للعيد تبدأ قبل ذلك بأيام وربما أسابيع، حيث يعد تنظيف البيوت هو طقس أساسي، ليس فقط لأسباب صحية بل رمزية،ويُعتقد أن الغبار يحمل حظ العام القديم السيئ، لذا يجب التخلص منه قبل دخول السنة الجديدة، لكن بعد بدء العيد، يُمنع الكنس في الأيام الأولى، لأنك قد تكنس الحظ الجيد خارج البيت.
قائمة المحظورات طويلة: لا قص شعر، لا تقليم أظافر، لا استخدام سكاكين أو مقصات، لا شتائم ولا كلمات تشاؤمية مثل المرض والموت، ولا كسر للأشياء.
الهونغ باو..
في المقابل، الأطفال هم ملوك العيد: يحصلون على “الهونغ باو”، مظاريف حمراء مليئة بالنقود، تشبه “العيدية” في ثقافتنا، واليوم، هذه المظاريف أصبحت رقمية أيضاً، تُرسل عبر تطبيقات مثل ويتشات، بمليارات العمليات في أيام قليلة.
كما وتعد الملابس الجديدة جزء لا يتجزأ من الطقس، فمنذ العصور القديمة، كان الناس ينتظرون عيد الربيع ليحصلوا على ثوب جديد، الأغنياء يرتدون الحرير، والفقراء يخيطون من القماش الخشن، لكن الجميع يشترك في الرغبة في بداية نظيفة.
اللون الأحمر هو المفضل، وللأطفال قبعات وأحذية مزينة بنقوش النمر لحمايتهم من الأرواح الشريرة، وعلى الرغم من أن الناس يستطيعون شراء ملابس جديدة متى شاءوا، إلا أن ارتداء شيء جديد في أول يوم من السنة القمرية يحمل قيمة رمزية: أنت تعلن للعالم أنك تبدأ من جديد.
ولا يقتصر الاحتفال على البيت، إذ تمتلئ الشوارع بالفوانيس، والساحات تستضيف رقصات التنين والأسد، والعروض الغنائية والأكروباتية، وتنظم المؤسسات الثقافية مهرجانات، والمتاجر تطلق حملات تسويقية خاصة.
طقس وطني..
الأرقام تشير إلى أن استهلاك الصينيين خلال عيد الربيع يعادل نحو ثلث استهلاكهم السنوي. الاقتصاد يدخل في حالة “حمّى موسمية”، حيث يختلط الطقس الروحي بالشراء الكثيف.
حتى التكنولوجيا دخلت على الخط: ألعاب إلكترونية خاصة بالعيد، مسابقات لجمع المظاريف الحمراء الرقمية، وبث مباشر ضخم لسهرة رأس السنة التي يشاهدها أكثر من مليار إنسان.
وسهرة عيد الربيع التي تبثها CCTV أصبحت طقساً وطنياً، أربعة ساعات ونصف من الغناء والرقص والكوميديا والأوبرا والفنون القتالية، في عرض للهوية الصينية بكل تنوعها، من القرى إلى المدن، من الماضي إلى المستقبل.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت تُترجم وتُبث بلغات أخرى، منها العربية والإنجليزية، لتتحول من طقس محلي إلى أداة قوة ناعمة، حيث يجتمع الصينيون في الخارج أمام الشاشات ليشعروا أنهم في الوطن، وغير الصينيين يشاهدونها ليفهموا ثقافة شعب ضخم ومعقد.
الأبراج الصينية..
وراء كل هذا الطقس، هناك نظام رمزي أكبر: الأبراج الصينية، إذ تحمل كل سنة اسم حيوان من اثني عشر: الفأر، الثور، النمر، الأرنب، التنين، الأفعى، الحصان، الخروف، القرد، الديك، الكلب، والخنزير.
هذه الحيوانات ليست مجرد أسماء، بل منظومة تفسير للقدر والشخصية والمستقبل، ومن يولد في سنة معينة يُنسب إليه صفات هذا الحيوان، وهناك مفهوم “بين مينغ”، أي سنة ميلادك التي تعود كل اثني عشر عاماً، ويُعتقد أنها سنة حساسة يجلب فيها الحظ السيئ، لذا يجب التحصن باللون الأحمر طوال العام، حتى في الملابس الداخلية.
العيد خارج الصين؟؟
على المستوى الدولي، خرج عيد الربيع من حدود الصين، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ديسمبر 2023، إدراج رأس السنة القمرية ضمن قائمة الأعياد الرسمية للأمم المتحدة، في اعتراف صريح بثقل الثقافة الصينية عالمياً.
هذا القرار لم يكن ثقافياً فقط، بل سياسياً حضارياً، يعكس انتقال الصين من مجرد قوة اقتصادية إلى فاعل ثقافي يسعى إلى إعادة تشكيل الحوار بين الحضارات.
وفي هذا السياق، طرح الرئيس شي جين بينغ “مبادرة الحضارة العالمية”، الداعية إلى احترام التنوع الثقافي والتعايش السلمي والحوار بدل الصراع، ويُقدَّم عيد الربيع، بما يحمله من قيم الوئام ولمّ الشمل وتناغم الإنسان مع الطبيعة، كنموذج عملي لهذه الرؤية.
الطقس الذي لا يتغير..
في النهاية، عيد الربيع الصيني هو مختبر اجتماعي ضخم، ترى فيه كيف تتعايش الأسطورة مع التكنولوجيا، وكيف يستمر الطقس رغم تغيّر العالم.
وترى فيه كيف يمكن لوجبة عشاء عائلية أن تقف في مواجهة العزلة الحديثة، وكيف يمكن للون أحمر على باب خشبي قديم أن ينافس شاشات الهواتف الذكية في التأثير النفسي.

