شؤون آسيوية – بقلم د. هيثم مزاحم*
منذ أسابيع، يصعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته ضد إيران متوعداً بوجود أسطول أميركي ضخم قرب إيران، لكنه يترك مجالاً لدبلوماسية القوة، متأملاً ألا تضطر واشنطن لاستخدام القوة. وبذلك يضع ترمب طهران بين المطرقة والسندان، فإما الجلوس على طاولة المفاوضات والقبول بالمطالب الأميركية حول برنامجها النووي وفرض قيود على مدى الصواريخ الباليستية، وتحالفاتها مع حركات المقاومة في المنطقة أو التعرّض لضربة عسكرية لإضعاف النظام ومحاولة إسقاطه.
مصادر أميركية قالت إن ترمب درس حزمة من السيناريوهات العسكرية، من بينها توجيه ضربة كبرى وحاسمة، وتشمل الخيارات المطروحة، تنفيذ ضربات جوية أميركية تستهدف قيادات إيرانية ومسؤولين أمنيين يُعتقد أنهم مسؤولون عن قمع الاحتجاجات، ما يمنح المحتجين ثقة بالقدرة على السيطرة على المباني الحكومية والأمنية.
كما تشمل خيارات ترامب ضرب منشآت نووية وبرامج تخصيب اليورانيوم وبُنى حكومية حساسة، وقد تطال الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى إسرائيل او القواعد الأميركية في دول الخليج العربية أو حتى منشآت نفط وغاز في هذه الدول.
تقول مصادر البيت الأبيض إن ترامب لم يحسم قراره بعد، إلا أنه يرى أن هامش تحركه العسكري اتسع مع وصول مجموعة حاملة الطائرات الأميركية يو إس إس أبراهام لينكولن إلى المنطقة، في خطوة تتيح للولايات المتحدة دعماً عملياتياً لأي تحرك محتمل، سواء من حيث تنفيذ الضربات أو حماية المصالح الأميركية في الإقليم من ردود إيرانية.
وتعزز الولايات المتحدة وجودها الدفاعي في المنطقة، عبر نشر بطاريات باتريوت وأنظمة دفاع جوي إضافية، مع خطط لنقل منظومات “ثاد” تحسباً لأي رد إيراني محتمل.
أما القوة التي أرسلها ترمب إلى المنطقة، فمركزها يتمثل في مجموعة تقودها حاملة طائرات “أبراهام لينكولن” ومعها ثلاث مدمرات مرافقة هي: المدمرة “يو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور”، والمدمرة “يو إس إس سبروانس”، والمدمرة “يو إس إس مايكل مورفي”. وعلى متن الحاملة ” لينكولن” تتواجد أسراب من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من الجيل 4.5 “إف/إيه-18إي/إف سوبر هورنت”، وطائرات التشويش من بوينغ طراز “إي إيه-18 جي غرولير”، وطائرات “إف-35 سي” المقاتلة، ومروحيات “إم إتش-60 آر/إس”، وغيرها من المعدات القتالية.
يشار إلى أن حاملة الطائرات ليست مجرد منصة قتال عائمة، فهي توفر إمكانية حشد وإطلاق قدرة جوية مستمرة تبدأ من دوريات استطلاع وتوجيه الضربات متفاوتة الشدة. وحتى إذا لم تستخدم الحاملة قدراتها العسكرية فإن تحركها يرسل رسائل قوية تمكن الولايات المتحدة من انتزاع التنازلات من خصومها من دون الإقدام على فعل عسكري حقيقي.
ضمن مجموعة حاملة الطائرات، تقوم المدمّرة بدور الحارس متعدد المهام الذي يجعل الحاملة قادرة على العمل بأمان، فالمدمرة تشكل أولا مظلة دفاع جوي وصاروخي حول الحاملة بفضل رادارات بعيدة المدى وأنظمة اعتراض دقيقة، تمكنها من مواجهة الطائرات والصواريخ والطائرات المسيرة قبل أن تقترب من الحاملة.
بجانب ذلك، تمنح المدمرات قدرة ضرب بعيدة المدى عبر صواريخ كروز مثل توماهوك والتي استخدمت بالفعل في عملية استهداف المنشآت النووية الإيرانية في العام الماضي. وأخيرا تؤدي المدمرات دورًا أساسيًا في الحرب المضادة للغواصات، إضافة إلى مهام الاستطلاع وإدارة الاشتباك ضمن شبكة قيادة وتحكم تربط سفن المجموعة وطائراتها.
على الجهة المقابلة، طورت إيران إستراتيجية تعرف بـ”منع الوصول والمناطق المحرمة” (A2/AD)، وهو مفهوم عسكري يعني أن تقيم قوة أو دولة ما منطقة محظورة عسكريا على قوات الخصم (حاملة الطائرات ومجموعتها في هذه الحالة)، وبمجرد اختراقها تبدأ عملية إطلاق النار. هذه الإستراتيجية تجعل مسرح المعركة صعبا ومكلفا على الخصوم.
في الحقيقة يركز مفهوم “منع الوصول” (Anti-Access) على إبعاد الخصم ومنعه أصلا من الاقتراب أو التعزيز ضمن مناطق معينة عبر تهديد القواعد والموانئ والسفن الكبيرة بصواريخ بعيدة المدى، بينما “المناطق المحرمة” (Area Denial) تهدف إلى جعل القتال داخل المنطقة نفسها خطرا وبطيئا، عن طريق استخدام ألغام وزوارق سريعة ومسيرات وتشويش ودفاعات جوية.
وتشير تقارير استخباراتية أميركية إلى أن النظام الإيراني يمر بمرحلة ضعف غير مسبوقة، على خلفية الضربات الأميركية والإسرائيلية والاحتجاجات الداخلية، فيما لمح ترمب علنا إلى رغبته في تغيير القيادة في طهران، وإزاحة المرشد الأعلى علي خامنئي عن السلطة. غير أن مصادر أميركية تحذّر من المبالغة في تقدير أثر ذلك، مؤكدة أن إزاحة المرشد لا تعني تلقائياً انهيار النظام، في ظل غياب مؤشرات على انشقاق داخل الأجهزة الأمنية في إيران.
وتواجه فرضية استهداف خامنئي تحديات معقّدة، فبعد المواجهة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو، أقرّ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن بلاده لم تتمكن من الوصول إلى خامنئي، رغم اعتباره “هدفا للتصفية”. وأوضح أن إسرائيل، رغم نجاحها في الضربة الافتتاحية للهجمات باغتيال أعلى مسؤول عسكري إيراني وقائد الحرس الثوري ومسؤولين آخرين، لم تنجح في تحديد مكان المرشد الأعلى. وأضاف أن خامنئي اختفى عن الأنظار، وانتقل إلى أعماق كبيرة تحت الأرض، وقطع قنوات الاتصال حتى مع قياداته العسكرية، ما جعل استهدافه أمرا غير واقعي في تلك المرحلة.
قنوات اتصال محدودة وشروط أميركية تعجيزية
كشفت المصادر الأميركية أن الطرفين قد تبادلا سابقاً رسائل عبر وسطاء، من بينهم دبلوماسيون عُمانيون، إضافة إلى اتصالات غير مباشرة بين مبعوث ترامب ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لمنع ضربة أميركية كانت واشنطن تلوّح بها. وجرى الاتفاق أخيراً نتيجة وساطات تركية وعربية على عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات غداً في مسقط.
بالتوازي مع التهديدات، وضعت واشنطن شروطا مسبقة، تتضمن إنهاء دائما لتخصيب اليورانيوم، وقيودا مشددة على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة.
ويُعد الخلاف حول الصواريخ الباليستية العقبة الأبرز، إذ تطالب الولايات المتحدة بفرض سقف لمدى هذه الصواريخ، وهو مطلب تراه إسرائيل مسألة أمنية ملحة بعد استنزاف مخزونها من صواريخ الاعتراض خلال المواجهة التي استمرت 12 يوما في يونيو الماضي.
في المقابل، ترفض إيران هذا الشرط، وتؤكد استعدادها لمناقشة الملف النووي فقط، وهو ما أبقى الاتصالات في حالة جمود.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أميركيون أن إدارة ترامب لا تزال منفتحة على الحوار “إذا كانت طهران تدرك طبيعة الشروط”، رغم الامتناع عن كشف تفاصيل إضافية.
ورغم بقاء جميع الخيارات على الطاولة، تسود قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن أي عمل عسكري ضد إيران سيكون أكثر تعقيدا من عمليات سابقة، نظرا لما تمتلكه طهران من منظومات دفاع جوي وصواريخ وطائرات مسيرة، إضافة إلى موقعها الجغرافي المعقد.
التنسيق الأميركي الإسرائيلي
في غضون ذلك، زار رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) اللواء شلومي بيندر واشنطن خلال الأيام الماضية لبحث هجوم أميركي محتمل على إيران. وذكرت القناة الـ12 نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن بيندر قام بزيارة غير معلنة إلى العاصمة الأميركية لبحث “قضايا حساسة” تتعلّق بهجوم أميركي محتمل على إيران. وأضافت المصادر الإسرائيلية أن بيندر عقد لقاءات مع كبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) والبيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، قدّم خلالها معلومات استخباراتية محدّثة حول أهداف محتملة داخل الأراضي الإيرانية. وأشارت إلى أن إسرائيل تسعى إلى تنسيق تفاصيل أي هجوم عسكري محتمل مع الولايات المتحدة.
كما زار بعده بأيام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، واشنطن لإجراء محادثات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، حول احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران. ويقول مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إن الزيارة، هدفت إلى تبادل الجانبين المعلومات حول الخطط الدفاعية والهجومية في حال نشوب حرب مع إيران.
وظيفة الحشد الأميركي
تنقسم تقديرات الخبراء في واشنطن في اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول هو “مدرسة الردع” ويرى أنصارها أن التحركات العسكرية الأميركية ذات مغزى سياسي في المقام الأول، فالكثير من الأصول التي تتحرك إلى المنطقة تبدو موجهة أساسًا للدفاع، والمقصد هو حماية القواعد والقوات الأميركية، ومساعدة الحلفاء على مواجهة ردود الفعل وليست لتنفيذ عملية هجومية واسعة.
ويستشهد هؤلاء بما حدث في صيف العام الماضي، فالضربات على منشآت نووية إيرانية اعتمدت بدرجة أكبر على قاذفات بعيدة المدى ووسائط قادمة من خارج “مسرح المعركة الإقليمي”. وفي هذا السياق، استخدمت الأصول العسكرية المتوفرة في المنطقة بكثافة للدفاع ضد الرد الإيراني، لا الهجوم على إيران. وتظل الثغرة الرئيسية في هذا الرأي أن تحريك هذه الأصول عملية صعبة ومكلفة تتطلب نوايا عسكرية، كما أن تعزيز الدفاعات يعني أن هناك نية لشن هجوم محتمل قد يثير رد فعل إيرانيًّا مضادًّا.
على الجانب الآخر، يرجح محللون أن التحركات الأميركية تفتح الأبواب لخيارات أكثر هجومية، تبدأ من “ضربات ضد أهداف محددة” أو ربما “حملة أوسع”. ومن منظور عسكري بحت، فإن الانتقال من استعراض القوة إلى حرب واسعة لا يكون بقرار واحد فقط، أو بـ”قفزة مفاجئة”، بل عبر مسارات تدريجية. ونعني هنا أن الولايات المتحدة نفسها ربما لم تتخذ قرارات حاسمة حول شكل ومدى الحملة العسكرية المنتظرة أو حتى أهدافها الكاملة، وأن الأمور ستتشكل وفق متسلسلة الأفعال وردود الأفعال المنتظرة خلال الأيام المقبلة.
ففي حال اتخذت واشنطن قرارًا بتوجيه ضربة عسكرية فإنها ستكون غالبًا ضربة محدودة ومركزة في البداية، والمقصد هنا هجوم جوي أو بحري محدود على أهداف منتقاة، مثل الدفاعات الجوية، والمواقع الصاروخية، ومراكز القيادة. عادةً سيعقب ذلك ردٌّ إيرانيٌّ، عبر الصواريخ والمسيرات، على أن يتحدد الشكل النهائي من خلال النتائج الفعلية للعمليات.
في سيناريو آخر محتمل، قد تقرر الولايات المتحدة توجيه ضربة كبرى، لكنها موزعة على إطار زمني أوسع، أي حملة تمتد أيامًا أو أسابيع لضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية، مع إبقاء حاملة الطائرات وفرقتها كمنصة ضغط سياسي. لكن المشكلة أن هذا الضغط المستمر يهدد بإثارة ردود أفعال أكبر من قبل الإيرانيين وينذر بخروج المواجهات عن السيطرة.
في تقرير بعنوان “10 صراعات مرشَّحة للاشتعال” في 2026، ترسم مجموعة الأزمات الدولية ما يمكن تسميته “سلسلة اشتعال” في المنطقة لا تحتاج إلى قرار حرب شامل منذ البداية، بل يمكن أن تتطور مثل قطع الدومينو لتصل إلى نقطة الصراع الموسَّع.
يرى المركز أن الوقود اللازم لإشعال الأمور متوفر بالفعل، فهناك تعطُّل لمسار التفاوض بين طهران وواشنطن ووجود خطط لضربات إسرائيلية جديدة، في سياق “إشارات” أميركية إلى أن نشاط إيران الصاروخي والنووي قد يجرّ إلى هجمات متجددة. وسواء كانت تلك “الإشارات” مقصودة أم لا، فإن ذلك يرفع احتمال أن تبدأ الجولة التالية بضربة محدودة تتبعها ردود تتسع بسرعة.
عملية محدودة أم حرب واسعة؟
في المقابل، توعدت طهران بالرد السريع والحاسم. وأكد مصدر إيراني قريب من وزارة الخارجية الإيرانية أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة جاهزية كاملة للرد على أي اعتداء يستهدف الأراضي الإيرانية أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية، معتبرا التصريحات الأميركية تهديدا مباشرا.
وتوعد المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي نيا بـ”رد حاسم وفوري”، محذراً من أن الضربة الأميركية لن تسير بالطريقة التي يتخيلها ترمب، “أي تنفيذ عملية سريعة ثم إعلان انتهائها بعد ساعات”.
السيناريو المرجح
يميل الخبراء إلى أنه في حال فشلت المفاوضات، فإن أميركا قد تنفذ ضربة محدودة في إيران، وليس حربًا موسعة، وهو ما ينسجم مع النهج العملي للرئيس ترمب في الحروب السريعة والخاطفة وتجنّب الخوض في عمليات طويلة ومكلفة. هناك عوامل سياسية أخرى تدعم هذا الترجيح، فحتى مع وجود أسطول أميركي ضخم، هناك كوابح جدية تجعل الحرب الكاملة خيارًا صعبًا، تأتي على رأسها القيود السياسية الإقليمية، فمعظم دول المنطقة (وأغلبهم من حلفاء الولايات المتحدة) أعربوا عن معارضتهم لاستخدام أراضيهم وأجوائهم كمنصة محتملة للهجوم على طهران، وذلك خشية من رد الفعل الإيراني. فمنذ توقف الحرب في يونيو 2025، تعمل إيران على ترميم ما تضرر من دفاعاتها الجوية، وتقييم نقاط القوة والضعف بهدف جعل ضرباتها القادمة أكثر حدة، وبالتحديد الضربات ضد إسرائيل.
ومن المرجح أن إيران لن تخوض المعركة وحيدة، حيث يُنتظر أن يستأنف الحوثيون هجومهم على الملاحة في البحر الأحمر، وهو تحرك يرفع الكلفة سريعًا لأنه يمس التجارة الدولية ويخلق ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا متزامنًا مع التوتر العسكري. كما أعلن حزب الله في لبنان أنه لن يكون محايداً في حال شن حرب أميركية إسرائيلية على إيران، وفي حال تم استهداف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. وفي العراق، أصدرت جماعة كتائب حزب الله تحذيرًا مباشرًا مفاده أن أي هجوم على إيران قد يفضي إلى حرب شاملة في المنطقة، وهذه صيغة تهديد تهدف عمليًا إلى خلق ردع مقابل، أي أن ضرب إيران قد يفتح الباب لهجمات على قوات ومصالح أميركية.
يعني ذلك أنه ستكون هناك عشرات السيناريوهات التصعيدية مع كل يوم إضافي للحرب، وأن كل هجوم أميركي وكل رد فعل إيراني يمكن أن يوسع الاشتباك. يخلق هذا التعقيد دوافع أقل للحرب الموسعة، خاصة أن واشنطن لا تستطيع التأكيد أن أي ضربة مهما بلغت شدتها أو نطاقها يمكن أن تُلحق ضررًا حقيقيًا بالنظام.
مجلة تايم الأميركية رجّحت أن الولايات المتحدة لا تتجه حاليًا نحو حرب شاملة مع إيران، نظرًا لوجود قلق من “عدم يقين كبير” في المنطقة، قد يكون السبب في فوضى كبيرة لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بها، رغم أن موجة الاحتجاجات الواسعة في إيران بسبب الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة والضغوط الاجتماعية، أسالت لعاب الولايات المتحدة لاستهداف النظام الإيراني.
يشير تقرير تايم إلى أن هناك حديثًا داخل الإدارة الأميركية عن إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية محدودة، مع خيارات غير مباشرة مطروحة مثل العمليات السيبرانية، والمزيد من العقوبات الاقتصادية، وغيرها من أدوات الضغط التي تُستخدم بديلًا عن الخيارات العسكرية لتقويض قدرة طهران.
محور الصين
هناك عامل إضافي خفي، يتعلق بالصين، والواقع أن كل نظرة لقرار أميركي عسكري حاليًا يجب أن تضع في الحسبان دور بكين. فالصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وترى واشنطن أن تلك الأموال تُمكِّن طهران موارد تتيح لها تحديث ترسانتها العسكرية بقدر المتاح في سياق العقوبات. ومن ثم فإذا شعرت واشنطن أن الأدوات الاقتصادية لا تُبطئ برنامج إيران العسكري كما ينبغي (بالنسبة لها)، فقد يزيد ذلك وزن الخيارات العسكرية لدى بعض دوائر صنع القرار.
وهناك حديث غربي عن “تقارب” بين الصين وإيران ضمن مدى أوسع يشمل روسيا وكوريا الشمالية في محاولة لتشكيل محور مناهض للهيمنة الأميركية. هذا “التقارب” المحتمل بين طهران وخصوم أمريكا يجعل واشنطن أكثر حساسية لأي تقدم إيراني عسكري، سواء نووي أو صاروخي، لأنه في هذه الحالة يُترجَم إلى نفوذ إقليمي يتفق تمامًا مع مصالح بكين، ومن ثم يؤثر على مصالح ونفوذ أميركا في الشرق الأوسط وآسيا.
خلاصة
يجمع خطاب ترمب بين التلويح بـ”قوة عسكرية قادمة” و”الدبلوماسية كخيار”، وهذا النمط يستهدف دفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات أو الدخول في قناة تفاوض تحت ضغط عسكري. لكن سجل إدارة ترمب مراوغ بشدة في هذا الشأن، وما تخبرنا به الوقائع السابقة في فنزويلا ونيجيريا وحتى مع إيران نفسها في يونيو 2025، فإن تحركات واشنطن غالبًا ما تليها عملية عسكرية فعلية. وإذا فشلت مفاوضات سلطنة عمان يوم الجمعة المقبل فإن السؤال سيكون عن توقيت الضربة الأميركية وحجمها وليس عن وقوعها من عدمه.
منذ أسابيع، يصعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته ضد إيران متوعداً بوجود أسطول أميركي ضخم قرب إيران، لكنه يترك مجالاً لدبلوماسية القوة، متأملاً ألا تضطر واشنطن لاستخدام القوة. وبذلك يضع ترمب طهران بين المطرقة والسندان، فإما الجلوس على طاولة المفاوضات والقبول بالمطالب الأميركية حول برنامجها النووي وفرض قيود على مدى الصواريخ الباليستية، وتحالفاتها مع حركات المقاومة في المنطقة أو التعرّض لضربة عسكرية لإضعاف النظام ومحاولة إسقاطه.
مصادر أميركية قالت إن ترمب درس حزمة من السيناريوهات العسكرية، من بينها توجيه ضربة كبرى وحاسمة، وتشمل الخيارات المطروحة، تنفيذ ضربات جوية أميركية تستهدف قيادات إيرانية ومسؤولين أمنيين يُعتقد أنهم مسؤولون عن قمع الاحتجاجات، ما يمنح المحتجين ثقة بالقدرة على السيطرة على المباني الحكومية والأمنية.
كما تشمل خيارات ترامب ضرب منشآت نووية وبرامج تخصيب اليورانيوم وبُنى حكومية حساسة، وقد تطال الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى إسرائيل او القواعد الأميركية في دول الخليج العربية أو حتى منشآت نفط وغاز في هذه الدول.
تقول مصادر البيت الأبيض إن ترامب لم يحسم قراره بعد، إلا أنه يرى أن هامش تحركه العسكري اتسع مع وصول مجموعة حاملة الطائرات الأميركية يو إس إس أبراهام لينكولن إلى المنطقة، في خطوة تتيح للولايات المتحدة دعماً عملياتياً لأي تحرك محتمل، سواء من حيث تنفيذ الضربات أو حماية المصالح الأميركية في الإقليم من ردود إيرانية.
وتعزز الولايات المتحدة وجودها الدفاعي في المنطقة، عبر نشر بطاريات باتريوت وأنظمة دفاع جوي إضافية، مع خطط لنقل منظومات “ثاد” تحسباً لأي رد إيراني محتمل.
أما القوة التي أرسلها ترمب إلى المنطقة، فمركزها يتمثل في مجموعة تقودها حاملة طائرات “أبراهام لينكولن” ومعها ثلاث مدمرات مرافقة هي: المدمرة “يو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور”، والمدمرة “يو إس إس سبروانس”، والمدمرة “يو إس إس مايكل مورفي”. وعلى متن الحاملة ” لينكولن” تتواجد أسراب من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من الجيل 4.5 “إف/إيه-18إي/إف سوبر هورنت”، وطائرات التشويش من بوينغ طراز “إي إيه-18 جي غرولير”، وطائرات “إف-35 سي” المقاتلة، ومروحيات “إم إتش-60 آر/إس”، وغيرها من المعدات القتالية.
يشار إلى أن حاملة الطائرات ليست مجرد منصة قتال عائمة، فهي توفر إمكانية حشد وإطلاق قدرة جوية مستمرة تبدأ من دوريات استطلاع وتوجيه الضربات متفاوتة الشدة. وحتى إذا لم تستخدم الحاملة قدراتها العسكرية فإن تحركها يرسل رسائل قوية تمكن الولايات المتحدة من انتزاع التنازلات من خصومها من دون الإقدام على فعل عسكري حقيقي.
ضمن مجموعة حاملة الطائرات، تقوم المدمّرة بدور الحارس متعدد المهام الذي يجعل الحاملة قادرة على العمل بأمان، فالمدمرة تشكل أولا مظلة دفاع جوي وصاروخي حول الحاملة بفضل رادارات بعيدة المدى وأنظمة اعتراض دقيقة، تمكنها من مواجهة الطائرات والصواريخ والطائرات المسيرة قبل أن تقترب من الحاملة.
بجانب ذلك، تمنح المدمرات قدرة ضرب بعيدة المدى عبر صواريخ كروز مثل توماهوك والتي استخدمت بالفعل في عملية استهداف المنشآت النووية الإيرانية في العام الماضي. وأخيرا تؤدي المدمرات دورًا أساسيًا في الحرب المضادة للغواصات، إضافة إلى مهام الاستطلاع وإدارة الاشتباك ضمن شبكة قيادة وتحكم تربط سفن المجموعة وطائراتها.
على الجهة المقابلة، طورت إيران إستراتيجية تعرف بـ”منع الوصول والمناطق المحرمة” (A2/AD)، وهو مفهوم عسكري يعني أن تقيم قوة أو دولة ما منطقة محظورة عسكريا على قوات الخصم (حاملة الطائرات ومجموعتها في هذه الحالة)، وبمجرد اختراقها تبدأ عملية إطلاق النار. هذه الإستراتيجية تجعل مسرح المعركة صعبا ومكلفا على الخصوم.
في الحقيقة يركز مفهوم “منع الوصول” (Anti-Access) على إبعاد الخصم ومنعه أصلا من الاقتراب أو التعزيز ضمن مناطق معينة عبر تهديد القواعد والموانئ والسفن الكبيرة بصواريخ بعيدة المدى، بينما “المناطق المحرمة” (Area Denial) تهدف إلى جعل القتال داخل المنطقة نفسها خطرا وبطيئا، عن طريق استخدام ألغام وزوارق سريعة ومسيرات وتشويش ودفاعات جوية.
وتشير تقارير استخباراتية أميركية إلى أن النظام الإيراني يمر بمرحلة ضعف غير مسبوقة، على خلفية الضربات الأميركية والإسرائيلية والاحتجاجات الداخلية، فيما لمح ترمب علنا إلى رغبته في تغيير القيادة في طهران، وإزاحة المرشد الأعلى علي خامنئي عن السلطة. غير أن مصادر أميركية تحذّر من المبالغة في تقدير أثر ذلك، مؤكدة أن إزاحة المرشد لا تعني تلقائياً انهيار النظام، في ظل غياب مؤشرات على انشقاق داخل الأجهزة الأمنية في إيران.
وتواجه فرضية استهداف خامنئي تحديات معقّدة، فبعد المواجهة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو، أقرّ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن بلاده لم تتمكن من الوصول إلى خامنئي، رغم اعتباره “هدفا للتصفية”. وأوضح أن إسرائيل، رغم نجاحها في الضربة الافتتاحية للهجمات باغتيال أعلى مسؤول عسكري إيراني وقائد الحرس الثوري ومسؤولين آخرين، لم تنجح في تحديد مكان المرشد الأعلى. وأضاف أن خامنئي اختفى عن الأنظار، وانتقل إلى أعماق كبيرة تحت الأرض، وقطع قنوات الاتصال حتى مع قياداته العسكرية، ما جعل استهدافه أمرا غير واقعي في تلك المرحلة.
قنوات اتصال محدودة وشروط أميركية تعجيزية
كشفت المصادر الأميركية أن الطرفين قد تبادلا سابقاً رسائل عبر وسطاء، من بينهم دبلوماسيون عُمانيون، إضافة إلى اتصالات غير مباشرة بين مبعوث ترامب ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لمنع ضربة أميركية كانت واشنطن تلوّح بها. وجرى الاتفاق أخيراً نتيجة وساطات تركية وعربية على عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات غداً في مسقط.
بالتوازي مع التهديدات، وضعت واشنطن شروطا مسبقة، تتضمن إنهاء دائما لتخصيب اليورانيوم، وقيودا مشددة على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة.
ويُعد الخلاف حول الصواريخ الباليستية العقبة الأبرز، إذ تطالب الولايات المتحدة بفرض سقف لمدى هذه الصواريخ، وهو مطلب تراه إسرائيل مسألة أمنية ملحة بعد استنزاف مخزونها من صواريخ الاعتراض خلال المواجهة التي استمرت 12 يوما في يونيو الماضي.
في المقابل، ترفض إيران هذا الشرط، وتؤكد استعدادها لمناقشة الملف النووي فقط، وهو ما أبقى الاتصالات في حالة جمود.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أميركيون أن إدارة ترامب لا تزال منفتحة على الحوار “إذا كانت طهران تدرك طبيعة الشروط”، رغم الامتناع عن كشف تفاصيل إضافية.
ورغم بقاء جميع الخيارات على الطاولة، تسود قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن أي عمل عسكري ضد إيران سيكون أكثر تعقيدا من عمليات سابقة، نظرا لما تمتلكه طهران من منظومات دفاع جوي وصواريخ وطائرات مسيرة، إضافة إلى موقعها الجغرافي المعقد.
التنسيق الأميركي الإسرائيلي
في غضون ذلك، زار رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) اللواء شلومي بيندر واشنطن خلال الأيام الماضية لبحث هجوم أميركي محتمل على إيران. وذكرت القناة الـ12 نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن بيندر قام بزيارة غير معلنة إلى العاصمة الأميركية لبحث “قضايا حساسة” تتعلّق بهجوم أميركي محتمل على إيران. وأضافت المصادر الإسرائيلية أن بيندر عقد لقاءات مع كبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) والبيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، قدّم خلالها معلومات استخباراتية محدّثة حول أهداف محتملة داخل الأراضي الإيرانية. وأشارت إلى أن إسرائيل تسعى إلى تنسيق تفاصيل أي هجوم عسكري محتمل مع الولايات المتحدة.
كما زار بعده بأيام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، واشنطن لإجراء محادثات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، حول احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران. ويقول مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إن الزيارة، هدفت إلى تبادل الجانبين المعلومات حول الخطط الدفاعية والهجومية في حال نشوب حرب مع إيران.
وظيفة الحشد الأميركي
تنقسم تقديرات الخبراء في واشنطن في اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول هو “مدرسة الردع” ويرى أنصارها أن التحركات العسكرية الأميركية ذات مغزى سياسي في المقام الأول، فالكثير من الأصول التي تتحرك إلى المنطقة تبدو موجهة أساسًا للدفاع، والمقصد هو حماية القواعد والقوات الأميركية، ومساعدة الحلفاء على مواجهة ردود الفعل وليست لتنفيذ عملية هجومية واسعة.
ويستشهد هؤلاء بما حدث في صيف العام الماضي، فالضربات على منشآت نووية إيرانية اعتمدت بدرجة أكبر على قاذفات بعيدة المدى ووسائط قادمة من خارج “مسرح المعركة الإقليمي”. وفي هذا السياق، استخدمت الأصول العسكرية المتوفرة في المنطقة بكثافة للدفاع ضد الرد الإيراني، لا الهجوم على إيران. وتظل الثغرة الرئيسية في هذا الرأي أن تحريك هذه الأصول عملية صعبة ومكلفة تتطلب نوايا عسكرية، كما أن تعزيز الدفاعات يعني أن هناك نية لشن هجوم محتمل قد يثير رد فعل إيرانيًّا مضادًّا.
على الجانب الآخر، يرجح محللون أن التحركات الأميركية تفتح الأبواب لخيارات أكثر هجومية، تبدأ من “ضربات ضد أهداف محددة” أو ربما “حملة أوسع”. ومن منظور عسكري بحت، فإن الانتقال من استعراض القوة إلى حرب واسعة لا يكون بقرار واحد فقط، أو بـ”قفزة مفاجئة”، بل عبر مسارات تدريجية. ونعني هنا أن الولايات المتحدة نفسها ربما لم تتخذ قرارات حاسمة حول شكل ومدى الحملة العسكرية المنتظرة أو حتى أهدافها الكاملة، وأن الأمور ستتشكل وفق متسلسلة الأفعال وردود الأفعال المنتظرة خلال الأيام المقبلة.
ففي حال اتخذت واشنطن قرارًا بتوجيه ضربة عسكرية فإنها ستكون غالبًا ضربة محدودة ومركزة في البداية، والمقصد هنا هجوم جوي أو بحري محدود على أهداف منتقاة، مثل الدفاعات الجوية، والمواقع الصاروخية، ومراكز القيادة. عادةً سيعقب ذلك ردٌّ إيرانيٌّ، عبر الصواريخ والمسيرات، على أن يتحدد الشكل النهائي من خلال النتائج الفعلية للعمليات.
في سيناريو آخر محتمل، قد تقرر الولايات المتحدة توجيه ضربة كبرى، لكنها موزعة على إطار زمني أوسع، أي حملة تمتد أيامًا أو أسابيع لضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية، مع إبقاء حاملة الطائرات وفرقتها كمنصة ضغط سياسي. لكن المشكلة أن هذا الضغط المستمر يهدد بإثارة ردود أفعال أكبر من قبل الإيرانيين وينذر بخروج المواجهات عن السيطرة.
في تقرير بعنوان “10 صراعات مرشَّحة للاشتعال” في 2026، ترسم مجموعة الأزمات الدولية ما يمكن تسميته “سلسلة اشتعال” في المنطقة لا تحتاج إلى قرار حرب شامل منذ البداية، بل يمكن أن تتطور مثل قطع الدومينو لتصل إلى نقطة الصراع الموسَّع.
يرى المركز أن الوقود اللازم لإشعال الأمور متوفر بالفعل، فهناك تعطُّل لمسار التفاوض بين طهران وواشنطن ووجود خطط لضربات إسرائيلية جديدة، في سياق “إشارات” أميركية إلى أن نشاط إيران الصاروخي والنووي قد يجرّ إلى هجمات متجددة. وسواء كانت تلك “الإشارات” مقصودة أم لا، فإن ذلك يرفع احتمال أن تبدأ الجولة التالية بضربة محدودة تتبعها ردود تتسع بسرعة.
عملية محدودة أم حرب واسعة؟
في المقابل، توعدت طهران بالرد السريع والحاسم. وأكد مصدر إيراني قريب من وزارة الخارجية الإيرانية أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة جاهزية كاملة للرد على أي اعتداء يستهدف الأراضي الإيرانية أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية، معتبرا التصريحات الأميركية تهديدا مباشرا.
وتوعد المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي نيا بـ”رد حاسم وفوري”، محذراً من أن الضربة الأميركية لن تسير بالطريقة التي يتخيلها ترمب، “أي تنفيذ عملية سريعة ثم إعلان انتهائها بعد ساعات”.
السيناريو المرجح
يميل الخبراء إلى أنه في حال فشلت المفاوضات، فإن أميركا قد تنفذ ضربة محدودة في إيران، وليس حربًا موسعة، وهو ما ينسجم مع النهج العملي للرئيس ترمب في الحروب السريعة والخاطفة وتجنّب الخوض في عمليات طويلة ومكلفة. هناك عوامل سياسية أخرى تدعم هذا الترجيح، فحتى مع وجود أسطول أميركي ضخم، هناك كوابح جدية تجعل الحرب الكاملة خيارًا صعبًا، تأتي على رأسها القيود السياسية الإقليمية، فمعظم دول المنطقة (وأغلبهم من حلفاء الولايات المتحدة) أعربوا عن معارضتهم لاستخدام أراضيهم وأجوائهم كمنصة محتملة للهجوم على طهران، وذلك خشية من رد الفعل الإيراني. فمنذ توقف الحرب في يونيو 2025، تعمل إيران على ترميم ما تضرر من دفاعاتها الجوية، وتقييم نقاط القوة والضعف بهدف جعل ضرباتها القادمة أكثر حدة، وبالتحديد الضربات ضد إسرائيل.
ومن المرجح أن إيران لن تخوض المعركة وحيدة، حيث يُنتظر أن يستأنف الحوثيون هجومهم على الملاحة في البحر الأحمر، وهو تحرك يرفع الكلفة سريعًا لأنه يمس التجارة الدولية ويخلق ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا متزامنًا مع التوتر العسكري. كما أعلن حزب الله في لبنان أنه لن يكون محايداً في حال شن حرب أميركية إسرائيلية على إيران، وفي حال تم استهداف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. وفي العراق، أصدرت جماعة كتائب حزب الله تحذيرًا مباشرًا مفاده أن أي هجوم على إيران قد يفضي إلى حرب شاملة في المنطقة، وهذه صيغة تهديد تهدف عمليًا إلى خلق ردع مقابل، أي أن ضرب إيران قد يفتح الباب لهجمات على قوات ومصالح أميركية.
يعني ذلك أنه ستكون هناك عشرات السيناريوهات التصعيدية مع كل يوم إضافي للحرب، وأن كل هجوم أميركي وكل رد فعل إيراني يمكن أن يوسع الاشتباك. يخلق هذا التعقيد دوافع أقل للحرب الموسعة، خاصة أن واشنطن لا تستطيع التأكيد أن أي ضربة مهما بلغت شدتها أو نطاقها يمكن أن تُلحق ضررًا حقيقيًا بالنظام.
مجلة تايم الأميركية رجّحت أن الولايات المتحدة لا تتجه حاليًا نحو حرب شاملة مع إيران، نظرًا لوجود قلق من “عدم يقين كبير” في المنطقة، قد يكون السبب في فوضى كبيرة لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بها، رغم أن موجة الاحتجاجات الواسعة في إيران بسبب الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة والضغوط الاجتماعية، أسالت لعاب الولايات المتحدة لاستهداف النظام الإيراني.
يشير تقرير تايم إلى أن هناك حديثًا داخل الإدارة الأميركية عن إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية محدودة، مع خيارات غير مباشرة مطروحة مثل العمليات السيبرانية، والمزيد من العقوبات الاقتصادية، وغيرها من أدوات الضغط التي تُستخدم بديلًا عن الخيارات العسكرية لتقويض قدرة طهران.
محور الصين
هناك عامل إضافي خفي، يتعلق بالصين، والواقع أن كل نظرة لقرار أميركي عسكري حاليًا يجب أن تضع في الحسبان دور بكين. فالصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وترى واشنطن أن تلك الأموال تُمكِّن طهران موارد تتيح لها تحديث ترسانتها العسكرية بقدر المتاح في سياق العقوبات. ومن ثم فإذا شعرت واشنطن أن الأدوات الاقتصادية لا تُبطئ برنامج إيران العسكري كما ينبغي (بالنسبة لها)، فقد يزيد ذلك وزن الخيارات العسكرية لدى بعض دوائر صنع القرار.
وهناك حديث غربي عن “تقارب” بين الصين وإيران ضمن مدى أوسع يشمل روسيا وكوريا الشمالية في محاولة لتشكيل محور مناهض للهيمنة الأميركية. هذا “التقارب” المحتمل بين طهران وخصوم أمريكا يجعل واشنطن أكثر حساسية لأي تقدم إيراني عسكري، سواء نووي أو صاروخي، لأنه في هذه الحالة يُترجَم إلى نفوذ إقليمي يتفق تمامًا مع مصالح بكين، ومن ثم يؤثر على مصالح ونفوذ أميركا في الشرق الأوسط وآسيا.
خلاصة
يجمع خطاب ترمب بين التلويح بـ”قوة عسكرية قادمة” و”الدبلوماسية كخيار”، وهذا النمط يستهدف دفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات أو الدخول في قناة تفاوض تحت ضغط عسكري. لكن سجل إدارة ترمب مراوغ بشدة في هذا الشأن، وما تخبرنا به الوقائع السابقة في فنزويلا ونيجيريا وحتى مع إيران نفسها في يونيو 2025، فإن تحركات واشنطن غالبًا ما تليها عملية عسكرية فعلية. وإذا فشلت مفاوضات سلطنة عمان يوم الجمعة المقبل فإن السؤال سيكون عن توقيت الضربة الأميركية وحجمها وليس عن وقوعها من عدمه.
*رئيس مركز الدراسات الآسيوية والصينية – لبنان

