شؤون آسيوية – خاص –
اختُتمت في العاصمة العُمانية مسقط، يوم أمس الجمعة، جولة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة عُمانية، في محاولة لإحياء مسار دبلوماسي متوقف منذ أشهر حول الملف النووي الإيراني.
جاءت هذه الجولة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، مع استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، وتزايد الضغوط الدولية المرتبطة ببرنامجها النووي.
وقد شارك في هذه الجولة وفدان رفيعا المستوى، قاد الجانب الأميركي المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما ترأس الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، وجرت اللقاءات بوساطة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي الذي تولّى نقل الرسائل بين الطرفين، في إطار صيغة غير مباشرة تهدف إلى تجنّب الاحتكاك المباشر مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
طبيعة المفاوضات وآليتها
أفادت التقارير الواردة من مسقط أن المحادثات جرت في معظمها عبر الوسيط العُماني، حيث انتقلت الرسائل والمواقف بين الوفدين من دون اجتماعات رسمية مشتركة مطوّلة.
ومع ذلك، نقلت وسائل إعلام أميركية عن مصادر مطلعة أن لقاءً مباشراً قصيراً جمع المبعوثين الأميركيين مع وزير الخارجية الإيراني على هامش الاجتماعات، وُصف بأنه تحية دبلوماسية اعتيادية.
وأشارت وكالة إيسنا الإيرانية إلى أن هذا التواصل لا يخرج عن الأعراف الدبلوماسية المعروفة، وأنه سبق أن حدث في جولات تفاوضية سابقة، مؤكدة أن المفاوضات الأساسية بقيت غير مباشرة.
هذا واستغرقت الجولة نحو ثماني ساعات، تخللتها جلسات متعددة نقل خلالها البوسعيدي وجهات النظر والمقترحات بين الطرفين.
وأكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن المباحثات التي جرت في مسقط كانت “جادة للغاية”، وأنها كانت مفيدة لتوضيح وجهات النظر الإيرانية والأميركية وتحديد مجالات التقدم المحتمل.
وأوضح البوسعيدي أنه أجرى مشاورات منفصلة مع كل من الوفدين، وأن مسقط تهدف إلى استضافة اجتماع آخر في الوقت المناسب بعد أن تُدرس نتائج الجولة بعناية في طهران وواشنطن.
مواقف طهران
عقب انتهاء الجولة، أدلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريحات للتلفزيون الإيراني وصف فيها أجواء المفاوضات بأنها إيجابية، واعتبرها بداية يمكن البناء عليها، مؤكداً أن هناك اتفاقاً على استمرار هذا المسار التفاوضي، وأن موعد الجولة المقبلة سيُحدَّد بعد مشاورات مع الجانب العُماني ومع العواصم المعنية.
وشدّد الوزير الإيراني على أن موضوع المحادثات اقتصر حصراً على الملف النووي، وأن طهران لا تجري أي حوار مع الولايات المتحدة حول قضايا أخرى في هذه المرحلة، كما أشار إلى وجود حالة انعدام ثقة كبيرة بين الطرفين بسبب تجارب سابقة، إلا أن الجلسات جرت في أجواء هادئة نسبياً، مع تبادل لوجهات النظر بصورة وصفها بالبناءة.
رؤية إيران لمضمون التفاوض
بحسب ما نقلته وكالات أنباء إيرانية ومصادر دبلوماسية، دخلت طهران هذه الجولة بأجندة محددة تتمحور حول رفع العقوبات الاقتصادية مقابل معالجة الجوانب التقنية للبرنامج النووي، حيث أكدت إيران حقها القانوني في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ورفضت دعوات أميركية لوقف التخصيب بالكامل.
وفي الوقت نفسه أبدت استعداداً لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب، أو الدخول في ترتيبات إقليمية لإدارة هذا الملف.
وشددت طهران على أن أي تدابير فنية يجب أن تأتي في إطار الاعتراف بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وأن توسيع جدول الأعمال ليشمل الصواريخ الباليستية أو القضايا الإقليمية ليس مطروحاً في هذه الجولة.
الموقف الأميركي وتوصيف الجولة
من الجانب الأميركي، لم يصدر بيان رسمي مفصل عن الوفد المفاوض، غير أن الرئيس دونالد ترامب وصف الجولة بأنها “جيدة جداً”، وقال إن إيران أظهرت رغبة قوية في التوصل إلى اتفاق جديد.
جاءت تصريحات ترامب خلال حديثه للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية أثناء توجهه من واشنطن إلى فلوريدا، حيث رحّب بانعقاد الجولة الأولى من المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط، واعتبر أن الطرفين أرسلا ممثلين رفيعي المستوى.
وشدد ترامب على أن بلاده لن تسمح بامتلاك إيران سلاحاً نووياً، مؤكداً في الوقت نفسه رغبته في التوصل إلى اتفاق بشروط مقبولة.
تهديدات موازية وخيارات غير دبلوماسية
في سياق متصل، كانت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قد قالت قبل انعقاد الجولة إن الوفد الأميركي يبحث مع إيران مبدأ “صفر قدرات نووية”، محذّرة من أن لدى ترامب خيارات عديدة غير دبلوماسية في متناوله.
كما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة أرسلت أسطولاً بحرياً كبيراً إلى المنطقة، وأن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ومجموعتها الضاربة ستصل قريباً إلى الشرق الأوسط.
أوضح الرئيس الأميركي أن بلاده لن تتسرع، لكنها ستتخذ الخطوة اللازمة عند الحاجة، في إشارة إلى بقاء الخيار العسكري مطروحاً بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
الملف النووي كنقطة ارتكاز أساسية
تؤكد الروايات الصادرة عن الطرفين أن جوهر المفاوضات في مسقط انحصر في البرنامج النووي الإيراني، إذ تشدد إيران على أن الرفع الفعلي والقابل للتحقق للعقوبات الاقتصادية والمالية هو المطلب الأهم في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وتؤكد أن أي اتفاق لا يُسفر عن آثار اقتصادية ملموسة لن يكون ذا قيمة عملية لها، ولهذا تولي أهمية كبيرة لتوقيت المفاوضات واختتامها.
في المقابل، تصر الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول المفاوضات أيضاً برنامج إيران الصاروخي ودعمها لتنظيمات مسلحة في المنطقة، كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلا أن طهران لن تناقش أي قضايا أخرى غير الملف النووي في هذه المرحلة.
هذا التباين ظل حاضراً بقوة في المحادثات، رغم الإشارات الإيجابية التي صدرت عن أجوائها العامة.
وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصدر دبلوماسي إقليمي أن إيران رفضت خلال محادثات مسقط دعوات الولايات المتحدة لوقف تخصيب اليورانيوم على أراضيها، لكنها أبدت استعداداً لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو تشكيل تحالف إقليمي لإدارة هذا الملف.
وأضاف المصدر أن المفاوضين الأميركيين “بدوا أنهم يتفهمون موقف إيران من التخصيب وأبدوا مرونة تجاه مطالب طهران”، مشيراً إلى أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تُناقش خلال هذه الجولة.
التغطية الإعلامية الأميركية
ذكرت صحيفة واشنطن بوست نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن من غير المرجح أن توافق إيران على تنازلات تتجاوز برنامجها النووي خشية أن يُنظر إليها على أنها ضعف، لكنها تبدو أكثر استعداداً لإبداء مرونة بشأن مسألة تخصيب اليورانيوم.
وأضافت الصحيفة أن طهران قد تكون مستعدة للموافقة على وقف تخصيب اليورانيوم لعدة سنوات، لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيرضي إدارة ترامب.
من جهتها، قالت شبكة “سي إن إن” إن الاتفاق على عقد جولة جديدة من المحادثات يُعد نتيجة إيجابية من قبل الجانبين، مرجّحة أن يكون مكان الجولة المقبلة في سلطنة عُمان.
ولفتت “سي إن إن” إلى أن انضمام جاريد كوشنر إلى المحادثات كان متوقعاً، لكن انضمام قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر لم يكن متوقعاً.
وأوضحت القناة أن هذه هي المرة الأولى التي ينضم فيها مسؤول عسكري أميركي رفيع المستوى إلى محادثات مع إيران خلال ولاية ترامب الثانية، ما أضفى بعداً أمنياً على الوفد الأميركي المفاوض.
التفاعل الإيراني الداخلي مع الجولة
في إيران، نقل التلفزيون الرسمي عن المتحدث باسم الخارجية قوله إن المحادثات انتهت “في الوقت الحالي”، ومن المرجح أن تعود الوفود إلى عواصمها للتشاور.
وعاد عراقجي والوفد المرافق له إلى مقر إقامتهم في مسقط عقب انتهاء الاجتماعات تمهيداً للإعلان عن النتائج النهائية للجولة.
وقال عراقجي في تصريحاته إن الأطراف في مرحلة بناء الثقة، وإن استمرار المسار الحالي قد يفضي إلى إطار أوضح للمفاوضات في الجلسات المقبلة. وأضاف أن القرار بشأن كيفية استمرار التفاوض سيتخذ في العواصم المعنية بعد تقييم نتائج جولة مسقط.
وأكد مسؤولون إيرانيون أن هذه المفاوضات يجب أن تُجرى في أجواء هادئة وبعيدة عن التهديد، وأن طهران تتوقع التزاماً بذلك من الجانب الأميركي لضمان استمرار المسار الدبلوماسي.
وبعد انتهاء جولة مسقط، توجّه وزير الخارجية الإيراني إلى الدوحة في إطار جولة اتصالات إقليمية، حيث أفادت تقارير إعلامية بأن زيارته تأتي في توقيت حساس بعد انطلاق مسار تفاوضي تراقبه المنطقة والعالم.
ومن المقرر أن يلتقي عراقجي رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في إطار مساعٍ قطرية لنزع فتيل التصعيد، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع مختلف الأطراف، وكذلك شارك عراقجي كضيف خاص في منتدى الجزيرة، حيث ألقى كلمة افتتاحية تناول فيها مسار المفاوضات.
القراءة الإسرائيلية للمفاوضات
تابعت الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل جولة المحادثات في مسقط باهتمام وقلق، فعلى الرغم من وصف طهران للجولة بأنها إيجابية، اعتبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن المسار لا يزال محكوماً بسقف إدارة الأزمة وتجنب التصعيد، من دون تحقيق اختراق ملموس.
وذكرت قناة “كان” الرسمية أن المحادثات جرت في أجواء حذرة وحساسة ولم تسفر عن تقدم جوهري، رغم الاتفاق على مواصلة التفاوض. وأشارت إلى أن التركيز انصب على مستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة.
وبحسب صحيفة “جيروزاليم بوست”، نقلت إسرائيل خطوطها الحمراء مباشرة إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال اجتماع مطوّل مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقادة الأمن.
وتصر تل أبيب على أن أي اتفاق يجب أن يتجاوز الملف النووي ليشمل الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم وإزالة المخزون الحالي وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية وإنهاء دعم إيران لحلفائها الإقليميين.
وعبّرت صحف إسرائيلية أخرى مثل “هآرتس” و“يديعوت أحرونوت” عن خشية من أن يؤدي أي اتفاق يقتصر على الملف النووي إلى تخفيف العقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي لطهران، ما قد يُسهم في تعزيز النظام الإيراني بدل تقييده.
كما حذرت من احتمال أن يفقد ترامب اهتمامه بتنفيذ أي اتفاق يُبرم، وأن تكون الإدارات الأميركية اللاحقة أقل التزاماً به.
التوتر العسكري في الخلفية
تجري هذه المفاوضات في ظل حشد عسكري أميركي في المنطقة وتهديدات إسرائيلية بضرب إيران لدفعها إلى إنهاء برنامجيها النووي والصاروخي والتخلي عن حلفائها الإقليميين. تؤكد طهران من جهتها أن الإدارة الأميركية وإسرائيل تختلقان ذرائع للتدخل العسكري وتغيير النظام فيها، وتتوعد بالرد على أي هجوم حتى لو كان محدوداً.
التقديرات حول الجولة المقبلة
وعلى الرغم من كل التصريحات التي صدرت عُقب اللقاء، لم يصدر بيان سياسي مشترك مفصل عن الجولة الأولى، ما أضفى قدراً من الغموض على مستقبل المفاوضات، حيث اكتفى كل طرف بتوصيف الأجواء العامة والإشارة إلى الاتفاق على الاستمرار، من دون الخوض في تفاصيل ما طُرح أو ما تم التوصل إليه.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الطرفين يخططان للاجتماع مجدداً مطلع الأسبوع المقبل، لكن مكان الجولة التالية لم يُحسم بعد، مع ترجيحات بأن تكون في سلطنة عُمان أيضاً.
ويتوقف ذلك على نتائج المشاورات التي سيجريها الوفدان في واشنطن وطهران.

