شؤون آسيوية – مسقط –
اختتمت مؤخراً جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان. وتأتي هذه الجولة، التي وصفها مراقبون بـ”الطارئة”، في أعقاب تصاعد التوترات العسكرية والتهديدات الأمريكية بشن ضربات ضد طهران، لتمثل أول تواصل منذ “حرب الـ12 يوماً” التي اندلعت العام الماضي بين إيران وإسرائيل.
وعلى الرغم من أن هذه المحادثات لم تكن متكافئة أو متناظرة إلى حد كبير، إلا أنه لا يمكن إنكار أن هذه الجولة أسهمت في وضع أساس معين لإعادة بناء الثقة بين البلدين.
– ابتعاد المخاطر العسكرية نوعا ما على المدى القريب
قبل انطلاق المحادثات، واصلت الولايات المتحدة حشد قواتها العسكرية في الشرق الأوسط، فيما تصاعدت حدة التوتر في المنطقة مع تراشق التصريحات بين واشنطن وطهران. وفي هذا الصدد، قال نيو تشون شين، الرئيس التنفيذي لمعهد الصين لدراسات الدول العربية بجامعة نينغشيا، في حديثه للإعلام الصيني، أن هذه المحادثات كانت طارئة واستثنائية، وجاءت في ظل التهديدات العسكرية الأمريكية التي تصاعدت خلال الشهر الماضي، ما جعلها غير متكافئة.
من وجهة النظر الأمريكية، تغيرت موازين القوى لصالح واشنطن بعد “حرب الـ12 يوماً” في يونيو الماضي، حيث اكتسبت ميزة واضحة نسبياً، بينما أُضعفت القوة الإجمالية لإيران، وتقلصت أوراقها التفاوضية. وفي هذا السياق، رفعت واشنطن سقف مطالبها في المفاوضات، فلم تعد تقتصر على الملف النووي، بل شملت أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعم إيران لما تسميه بـ”الوكلاء الإقليميين”. وهكذا، تجد إيران نفسها في أضعف موقف تفاوضي منذ بدء المحادثات مع الولايات المتحدة.
من جانبه، أوضح تشين تيان، نائب مدير معهد دراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، في تعليق له أن عقد المحادثات بحد ذاته له تأثير إيجابي. وقال إنه بعد المواجهة التي شابها توتر شديد بين الطرفين منذ مطلع عام 2026، كان الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج على حافة الحرب، كما أن مجرد انعقاد المحادثات يخفف من حدة التوتر الإقليمي ويجنب المنطقة على الأقل احتمال اندلاع الحرب لفترة قصيرة.
– وجود خلافات هيكلية في المطالب
تتضمن مطالب الولايات المتحدة من إيران فيما يتعلق بالملف النووي: عدم صنع أسلحة نووية، وعدم تخصيب اليورانيوم، وعدم امتلاك يورانيوم مخصب. بينما تلتزم إيران دائماً بأنها لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، ولكنها تؤكد أن حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية غير قابل للمصادرة. ولطالما شكلت المطالب الأمريكية العالية عائقاً أمام التوصل لاتفاق بين الطرفين.
وفي إطار التطورات الأخيرة، سلط تشو يونغ بياو، الباحث بجامعة لانتشو بشمال الصين، الضوء في حديثه للإعلام الصيني على أن آفاق هذه المحادثات ما زالت لا تبعث على الكثير من التفاؤل، وهو أمر يعكس وجود فجوة كبيرة في تصور كل طرف لمصالحه الأساسية وتصوره لمصالح الطرف الآخر.
في هذه اللعبة، ستحاول الولايات المتحدة الموازنة بين مصالحها الوطنية ومصالح حلفائها الإقليميين. وهذا النهج، الذي يبدو ظاهرياً أنه يترك مجالاً للتفاوض، يُضيّق في الواقع هامش التنازلات أمام إيران، مما يزيد من مخاطر اختلال التوازن في مفاوضات غير متكافئة أصلاً.
ولفت نيو تشون شين إلى أن الولايات المتحدة ترى نفسها في موقع قوة، أقوى حتى مما كانت عليه في يونيو الماضي، وبالتالي فهي غير راغبة في تقديم تنازلات. أما إيران، التي تواجه تهديداً عسكرياً، فإذا قدمت تنازلات جديدة في ظل هذه الظروف، فلن تتمكن من تبرير ذلك داخلياً أو خارجياً. ومن ثم، فإن التهديد العسكري الحالي زاد من صعوبة المفاوضات، وخفض من احتمالات التوصل إلى اتفاق.
– صعوبات أمام تحقيق اختراق حقيقي
أشار خبراء إلى أن احتمالات تحقيق اختراق جوهري على المدى القصير منخفضة للغاية. فالولايات المتحدة، وإن كانت تنظر إلى هذه المحادثات باعتبارها فرصة “لاختبار إمكانية التوصل إلى اتفاق”، لم تتخل عن الخيار العسكري، ولا تزال تستخدم “الضغوط القصوى” كورقة ضغط. أما طهران، فهي متمسكة بثبات بالقضايا المتعلقة بالسيادة والأمن القومي، ولا ترى فيها مجالا للتراجع.
غير أنه وسط هذه المشهد المعقد، أعرب تشو يونغ بياو عن اعتقاده بأن لجوء الطرفين إلى تقديم تنازلات متبادلة تحت رعاية وضمان أطراف وسيطة يُعد نهجاً واقعياً نسبياً أو طريقاً ممكناً.
ويبقى السؤال المحوري: هل تستطيع محادثات عُمان، التي جرت بوساطة طرف ثالث محايد، استكشاف مسارات جديدة مثل “الإجراءات المتزامنة” أو “الضمانات من طرف ثالث”، بما قد يتيح كسر حالة الجمود القائمة؟ وهل توجد آلية لضمان الالتزام بالبروتوكول الذي قد يتم وضعه والتمسك باستمراريته؟
لقد كانت الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إيجابية نسبياً، لكن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن يظل عاملاً مهماً يمكن أن يؤثر على المفاوضات المستقبلية.
وفي حال فشل هذه المفاوضات، ستواصل الولايات المتحدة توجهها نحو العمل العسكري. فمن خلال تعزيز حشودها العسكرية مؤخراً في الشرق الأوسط، باتت جاهزة لشن هجوم محتمل على إيران في أي لحظة. ولذلك، تتجاوز المفاوضات الأمريكية-الإيرانية المقبلة نطاق المفاوضات التقليدية بشأن الملف النووي الإيراني، لتصبح ذات تأثير مباشر على مسار الحرب والسلام في الشرق الأوسط.
المصدر: شينخوا

