شؤون آسيوية – بقلم: المستشار د. أحمد يوسف –
في زمنٍ تُدار فيه الصراعات بمنطق القوة العارية، وتتراجع فيه السياسة عن معناها الأخلاقي، جاءت كلمة الأستاذ خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، خلال مشاركته في منتدى الدوحة، محاولة واعية لإعادة الاعتبار للعقل والمنطق والقانون الدولي، ولو من باب الشهادة أمام التاريخ، في عالمٍ بات أقلّ اكتراثًا بالقيم وأكثر خضوعًا لموازين القوة.
ركّز مشعل في كلمته على أن ما يجري في قطاع غزة ليس حربًا تقليدية، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تُمارس بحق شعب أعزل، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. وأشار بوضوح إلى أن صمت المجتمع الدولي، أو عجزه عن فرض وقف فوري للعدوان، منح إسرائيل غطاءً للاستمرار في القتل والتدمير دون رادع، محولًا القيم التي طالما تباهى بها العالم إلى شعارات فارغة.
كما شدد على أن إسرائيل لم تكتفِ بالقصف والتدمير، بل استخدمت التجويع والحصار ومنع الدواء كسلاح حرب، معتبرًا أن تجويع المدنيين ومنع الغذاء والدواء جريمة لا تقل بشاعة عن القتل المباشر. وفي هذا السياق، سعى مشعل إلى كسر حالة التطبيع الأخلاقي مع الجريمة، التي باتت تُسوَّق في بعض الخطابات الغربية تحت عناوين زائفة مثل “الدفاع عن النفس”.
وفي معرض دفاعه عن الموقف الفلسطيني، أكد مشعل أن المقاومة ليست خيارًا عبثيًا ولا نزوة عسكرية، بل حقٌّ مشروع كفلته القوانين الدولية لكل شعب واقع تحت الاحتلال. وحذّر من محاولات خلط المفاهيم التي تسعى إلى تجريم الضحية وتبرئة الجلاد، مشددًا على أن استهداف المقاومة سياسيًا وإعلاميًا يهدف إلى نزع أي قدرة للفلسطينيين على الدفاع عن وجودهم وحقوقهم.
ومن النقاط اللافتة في كلمته تأكيده أن الصراع ليس دينيًا، وأن حماس لا تخوض حربًا مع اليهود كديانة، بل مع المشروع الصهيوني الاستعماري، في محاولة واعية لتفكيك السردية الإسرائيلية التي توظف الدين لتبرير الاحتلال والعدوان، وتقديم الصراع على أنه صراع ديني لا سياسي استعماري.
كما دعا مشعل إلى وقف فوري لإطلاق النار، وفتح المعابر دون شروط، وإدخال المساعدات الإنسانية، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني، رغم الجراح والدمار، لا يزال منفتحًا على أي مسار سياسي عادل يفضي إلى إنهاء الاحتلال وضمان حقوقه الوطنية المشروعة. لكنه في الوقت ذاته عبّر عن فقدان الثقة في المنظومة الدولية، حين أشار إلى أن المعايير التي يتحدث عنها العالم “انهارت عمليًا” أمام ما ارتكبته إسرائيل في غزة.
غير أن هذا الخطاب العقلاني، على تماسكه وأخلاقيته، يصطدم بواقع سياسي مختلف تمامًا. فمجرم الحرب نتنياهو لا يُخفي هدفه بالقضاء الكامل على حركة حماس، ولا يرى في التهدئة سوى محطة مؤقتة لإعادة ترتيب أدوات القتل، بل يسعى إلى إطالة أمد الحرب باعتبارها وسيلة للإخضاع والاقتلاع. وهو نهج يجد غطاءً دوليًا في بيئة سياسية تتقدّم فيها القوة وتطلعات الهيمنة على القانون، وتُدار فيها السياسة بمنطق الصفقات، كما في نماذج سياسية من طراز دونالد ترامب.
وفي المحصلة، لا يمكن فصل الحكمة التي حملتها كلمة خالد مشعل عن قسوة الواقع الفلسطيني الداخلي. فالسابع من أكتوبر، بصرف النظر عن دوافعه وسياقه، بات لدى شريحة واسعة من الفلسطينيين خطوة غير محسوبة العواقب، كشفت حجم الاختلال الفادح في موازين القوة، وفتحت الباب أمام واحدة من أبشع جرائم الإبادة في التاريخ المعاصر. غير أن الفاجعة الأكبر لا تكمن في هول العدوان وحده، بل في عجز الفلسطينيين، حتى الآن، عن تحويل هذه المأساة إلى لحظة إنقاذ وطني جامعة.
فبرغم ما ارتقى إلى مستوى نكبة ثانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فشلنا في جمع الشمل الوطني، وفي التوافق على أجندة موحّدة لإدارة تداعيات الكارثة ومواجهة مشاريع التصفية. ظلّ الانقسام حاضرًا، وتقدّمت الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية العليا، في وقت يدفع فيه الشعب الثمن وحده: دمًا، وتهجيرًا، وانكسارًا. وبين خطابٍ عقلاني يحاول إعادة السياسة إلى معناها الأخلاقي، وواقعٍ فلسطيني مأزوم لم ينجح بعد في ترميم ذاته، يبقى السؤال معلقًا: هل نملك الشجاعة لتحويل هذه الفاجعة إلى مراجعة وطنية صادقة، أم نتركها تتحول إلى فصلٍ آخر في سجل النكبات المفتوح؟

