شؤون آسيوية – غزة –
مع بدء اليوم الأول من شهر رمضان، يحاول فلسطينيون في قطاع غزة التمسك بالأمل واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، والتي قضت على معظم أشكال الحياة في القطاع الساحلي.
وعلى مدخل خيمتها المؤقتة بين ركام المنازل في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، تعمل الفلسطينية ريحان شراب (33 عاماً) على تحويل الكراتين الفارغة التي كانت تحتوي على مساعدات إنسانية إلى فوانيس رمضان، في محاولة لإدخال البهجة إلى قلوب الأطفال في المخيمات.
وتقول ريحان لوكالة أنباء ((شينخوا)) بينما كانت تقطع الكرتون وتشكله “فقدت منزلي وعدداً من أفراد عائلتي، لكن ذلك لم يمنعني من إدخال الفرح والسرور على وجوه الأطفال الذين عانوا بسبب الحرب… رغم الدمار والحصار، أردت أن يشعر الأطفال بأن رمضان لا يزال يحمل البهجة والدفء في قلوبهم”.
وتضيف “أستخدم الكرتون لأنه متين ويمكن تشكيله، والأقمشة التي أجمعها تمنح الفانوس مظهراً جذاباً، أحياناً يكون مجرد شكل صغير من الفانوس كافياً لرسم ابتسامة على وجه طفل”.
وخلال الحرب، أرسلت المؤسسات الدولية كراتين تحتوي على مواد غذائية إلى سكان قطاع غزة، واستغلت ريحان هذه الكراتين، التي عادة ما يتم إلقاؤها في النفايات، في صنع فوانيس رمضان، محاولة إعادة بعض أجواء الشهر الكريم للأطفال الذين حُرموا من الطقوس المعتادة خلال سنوات الحرب.
وتشرح “لقد تعلمت إعادة تدوير النفايات قبل الحرب لاستغلال الكراتين والقصاصات الورقية في صناعة المزهريات والفوانيس، كما كنت أعلّم أطفالي ذلك كنوع من الحفاظ على البيئة… لكن اليوم كل هدفي هو إدخال البهجة على الأطفال”.
وما أن تنتهي ريحان من صناعة بعض الفوانيس، حتى تعرضها أمام خيمتها، لتقدم جزءاً منها كهدايا مجانية للأطفال المحتاجين، فيما تبيع جزءاً آخر لدعم نفسها وعائلتها اقتصادياً.
وتقول “السعادة التي أراها في عيون الأطفال وهم يحملون الفوانيس ويجرون بين الخيام تمنحني شعوراً بالفرح والارتياح لا يوصف، أحياناً يكفي أن أسمع ضحكة طفل واحد لأشعر بأن كل ما فعلته يستحق العناء”.
وكان ياسر بشير، وهو طفل من خانيونس، من بين المحظوظين الذين حصلوا على فانوس مجاني، ويقول لـ((شينخوا)): “لو جاء رمضان دون أن أحصل على فانوس، كنت سأشعر بحزن كبير، الفانوس يجعلنا نشعر بأننا جزء من الاحتفال، حتى وسط كل هذه الصعوبات”.
وفي منطقة خزاعة في خانيونس أيضاً، يجلس مهند النجار أمام طاولة خشبية على باب خيمته، ليصنع فوانيس من علب المشروبات الغازية الفارغة.
ويقول النجار لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن الفكرة جاءت عندما طلب منه طفله الحصول على فانوس رمضان، حيث أن”أسعار الفوانيس في غزة مرتفعة للغاية بسبب استمرار منع إسرائيل استيراد مثل هذه البضائع، ففكرت في صناعة فانوس بطريقة بسيطة لطفلي”.
ويضيف “عندما صنعت الفانوس الأول، جاء الأطفال من المخيم وهم يجلبون العلب الفارغة ويطلبون مني أن أصنع لهم فوانيس أيضاً، هذا الأمر جعلني أشعر بالمسؤولية تجاه جميع الأطفال هنا، وليس فقط طفلي”.
ويشير النجار إلى أنه بعد إعداد كمية كبيرة من الفوانيس، يعلقها على حبال أمام خيمته، قائلاً “أترك الفوانيس هنا ليأخذها الأطفال مجاناً، رؤية الأطفال وهم يبتسمون ويختارون الفانوس الذي يعجبهم تمنحني شعوراً بالرضا العميق، وكأنني أساهم في إعادة جزء من حياتهم الطبيعية”.
وانتقلت فكرة المبادرة إلى مدينة غزة، حيث بدأ حسام علي مشروعاً لصناعة الفوانيس من الخردة والخشب، نظراً لندرة الفوانيس في الأسواق.
ويقول الرجل الثلاثيني لوكالة أنباء ((شينخوا)) “بدأت في صناعة الفوانيس من بقايا الخردة والخشب كحل بديل لتلبية احتياجات الأطفال، لا يمكنني وصف السعادة التي أشعر بها عند رؤية الابتسامة على وجوه الأطفال وهم يغادرون ورشتي وهم يحملون فانوسهم الجديد”.
ولا يقتصر دوره على صناعة الفوانيس، بل يشجع الأطفال على مشاركته في تزيينها، ويشرح “عندما يشارك كل طفل في تزيين فانوسه، يصبح له قصة وذكريات خاصة”.
ولا تقتصر المبادرات على الجهود الفردية، إذ أطلق مجموعة من الرسامين الفلسطينيين في حي السعافين بخانيونس مبادرة فنية لرسم الفوانيس الملونة على بقايا جدران المنازل المقصوفة، في محاولة لإدخال البهجة والألوان إلى مشاهد الدمار وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.
وكان من بين المشاركين في المبادرة الرسام محمد النجار من خانيونس، الذي يقول لـ ((شينخوا)) “رسم الفوانيس على الجدران ليس مجرد نشاط فني، بل رسالة أمل للأطفال بأن الحياة لا تزال مستمرة”.
ويضيف “أردنا أن يرى الأطفال أن رمضان يظل شهراً للفرح والابتسامة رغم كل ما عانوه، عندما يقف طفل أمام جدار ملون بالفوانيس ويبتسم، أشعر بأن كل تعبنا لم يذهب هباء”.
ويتابع “في بعض الأحيان يأتي الأطفال ليختاروا إحدى الرسومات ويخبروننا أنهم يريدون الرسم أيضاً، هذه المشاركة تمنحهم شعوراً بالسيطرة على بيئتهم وتهيئ لهم لحظات فرح وسط الدمار”.
وتأتي هذه المبادرات وسط الأوضاع المعيشية الصعبة في غزة، حيث يسعى الفلسطينيون للتغلب على الواقع المرير والتمسك بالحياة رغم الحصار والدمار الذي خلفته الحرب.
ويؤكد القائمون على هذه الجهود أن الهدف الأساسي هو إدخال الفرح على الأطفال الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين فقدوا جزءاً من طفولتهم بسبب الحرب.
وتقول رنا الحداد، أخصائية نفسية من غزة، لـ ((شينخوا)) “صحيح أن الحرب لم تنته بشكل كامل، وما زال الدمار والركام وانعدام أفق المستقبل يسيطر على قطاع غزة، لكن مثل هذه المبادرات تمنح الأطفال بصيصاً من الأمل بالحياة وتجعلهم يتمسكون بالفرح والتفاؤل حتى من أبسط الأشياء”.
المصدر: شينخوا

