شؤون آسيوية – بقلم: هبة عباس محمد عباس –
في حقبةٍ تتسم بإعادة تشكّل التوازنات الجيوسياسية، وتسارع التحول التكنولوجي، والتحولات الهيكلية في سلاسل الإمداد العالمية، لم يعد السؤال المطروح أمام الدول هو كيفية تحقيق نمو سريع فحسب، بل كيف يمكن تحقيق نمو مستدام، واستراتيجي، وقادر على الصمود.
وفي هذا السياق المتحول، يقدّم التزام الصين بالتنمية عالية الجودة نموذجاً منضبطاً للتحديث، يرتكز على الابتكار، والحوكمة البيئية الرشيدة، والتخطيط طويل الأمد. وهو ما يعكس انتقالاً من التوسع القائم على الكم إلى التقدم القائم على المتانة البنيوية والقوة الهيكلية للاقتصاد.
— القيادة والرؤية: “التنمية عالية الجودة” كنهج عالمي
وتحت القيادة الصينية، أضحت “التنمية عالية الجودة” مبدأً توجيهياً يحكم مسارات الحوكمة الاقتصادية في الصين، وتطورها الصناعي، وتحولها الأخضر، فهي تدمج التقدم التكنولوجي مع الاستقرار الاجتماعي والإدارة البيئية ضمن إطار وطني متكامل ومتوازن.
وتجسّد مكانة الصين كأكبر مستثمر عالمي في قدرات الطاقة المتجددة أن التزاماتها البيئية ليست مجرد طموحات خطابية، بل هي سياسات صناعية وآليات تعبئة مالية مؤسسية، كما يمضي مسار “بلوغ ذروة الانبعاثات الكربونية” وتحقيق “الحياد الكربوني” من خلال تكامل منهجي يشمل التصنيع، والبنية التحتية، ومنظومات الابتكار، حيث يتلازم التحديث والاستدامة بوصفهما ركيزتين متعاضدتين.
— مبادرة الحزام والطريق: آفاق التكامل الخليجي
ولا يقل أهمية عن ذلك رؤية الصين لبناء “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”، فمن خلال مبادرة “الحزام والطريق”، تطور مفهوم الترابط من مجرد تسهيل التجارة إلى منصة متعددة الأبعاد تشمل الممرات اللوجستية، وأنظمة الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، والتعاون الصناعي. ويتقاطع هذا الإطار بصورة وثيقة مع مسار العلاقات الصينية الخليجية، ومن المتوقع أن يكتسب زخماً استراتيجياً متجدداً في عام 2026.
— منظور كويتي: تناغم مع الأولويات الوطنية
ومن منظور كويتي، يتناغم هذا التوجه بعمق مع أولوياتنا الوطنية، فالاستراتيجية الوطنية للتنمية في دولة الكويت تضع تنويع الاقتصاد، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز المرونة المؤسسية في صدارة الأولويات. وبحكم موقعها الاستراتيجي عند ملتقى طرق آسيا، تدرك الكويت أن الازدهار طويل الأمد يرتكز على شبكات لوجستية متكاملة، ومنظومات مرافق متقدمة، ونمو قائم على المعرفة.
وتؤكد تجربتنا التاريخية هذه القناعة؛ ففي أعقاب الغزو العراقي الغاشم عام 1990، واجهت الكويت دماراً بيئياً واسع النطاق حين حجبت أدخنة الآبار المشتعلة السماء، واليوم، استعادت السماء صفاءها بفضل إرادة التغيير. ولم تكن عملية إعادة الإعمار التي تلت ذلك مادية فحسب، بل كانت نهضة مؤسسية شاملة، إذ يدير اليوم جيل جديد من الكوادر الوطنية مرافق متقدمة لتحلية المياه، وشبكات كهرباء ذكية، ومنصات رقمية متطورة تشكل الركائز الأساسية للاستقرار والنمو الوطني.
— ميناء مبارك الكبير: تجسيد عملي للشراكة الاستراتيجية
ويجسد الانتقال من مواجهة الكوارث البيئية إلى التخطيط التنموي المستدام نموذجاً لإعادة الإعمار القائمة على رؤية استراتيجية طويلة الأمد وإدارة مؤسسية رشيدة. وفي هذا السياق، يبرز ميناء مبارك الكبير كنموذج عملي للتكامل الاستراتيجي، فبعد توقيع عقد الهندسة والتوريد والإنشاء (EPC) بقيمة 4.1 مليار دولار في ديسمبر 2025، دخل المشروع مرحلته التنفيذية الفعلية، بما يعكس تعاوناً يتجاوز الأبعاد الهندسية إلى تطبيق منظّم يستند إلى معايير تقنية مشتركة وآليات إشراف وتنسيق رفيعة المستوى.
ومع مضي الكويت قدماً في طموحها للتحول إلى مركز لوجستي حيوي في شمال الخليج، فإن التعاون في تطوير الموانئ، وتعزيز الربط البحري، والتكامل التقني، يعزز موقعها ضمن شبكات التجارة الإقليمية والعالمية، وهنا يلتقي التفوق الصناعي الصيني مع الموقع الجيوستراتيجي للكويت في إطار “تكامل وظيفي” بعيداً عن التنافسية التقليدية.
— تكامل النماذج والتبادل الإنساني
ومن المهم التأكيد على أن التقارب بين الصين والكويت لا يقوم على تطابق نماذج التنمية، بل على تكاملها، فبينما تركز الصين في مسار تحديثها على العمق الصناعي، تركز الكويت على الربط اللوجستي وتطوير منظومات الطاقة. وهذه الاختلافات تشكل معاً بنية تعاون مرنة تستند إلى توافق بنيوي راسخ.
كما يعزز التبادل الإنساني هذا الأساس الاستراتيجي، فمنذ أكثر من خمسة عقود، تُسهم الفرق الطبية الصينية العاملة في الكويت في ترسيخ جسور الثقة على المستوى الشعبي. ويصادف عام 2026 الذكرى الخامسة والخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلادين.
— خاتمة: نحو نظام عالمي أكثر استقراراً
وفي عالم يتسم بتقلبات متسارعة، يُبنى الاستقرار عبر التخطيط المنضبط والرؤية المشتركة. ومن منظور كويتي، فإن التعاون مع الصين يتمحور حول بناء هيكل تنموي مستدام يخدم الأجيال القادمة. ومن خلال الانخراط المؤسسي المنظم والاحترام المتبادل، تواصل الكويت والصين المضي قدماً نحو نظام عالمي أكثر استقراراً وترابطاً واستدامة.
** المهندسة هبة عباس محمد عباس، هي رئيسة لجنة الاستدامة في جمعية المياه الكويتية ومستشارة فنية لدى الجمعية، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر العالمي للمرافق 2026.
المصدر: شينخوا

