شؤون آسيوية – القاهرة –
يثير تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية التدخل البري في إيران، في ظل استمرار العمليات الجوية واتساع نطاق المواجهة، مخاوف متزايدة من انتقال الصراع إلى مرحلة عسكرية أكثر تعقيدا قد تحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة، بحسب مراقبين ومحللين عرب.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الحرب الحالية إلى مواجهة طويلة الأمد، تتخللها عمليات استنزاف متكررة قد تؤثر على استقرار أسواق الطاقة، وتعيد رسم خطوط التوتر السياسي في المنطقة.
ومن وجهة نظر خبراء فأن تلويح واشنطن بالخيار البري لا يقتصر على حسابات عسكرية فحسب، بل يمثل أداة ضغط دبلوماسية تهدف إلى اختبار ردود فعل طهران وتحديد مدى استعدادها لتقديم تنازلات، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية عليها.
ويرى مراقبون وخبراء عرب، تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن الحديث عن تدخل بري لا يمكن فصله عن مسار الحرب الجارية، لكنه يبقى – في هذه المرحلة – أقرب إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية منه إلى قرار عملياتي نهائي، في ظل تعقيدات ميدانية ولوجستية هائلة تحيط بأي تحرك من هذا النوع.
— تلويح محسوب أم تمهيد لتصعيد؟
قال الدكتور أحمد خليل، أستاذ الإعلام في جامعة الإمارات، إن الإشارات الأمريكية إلى خيار التدخل البري تعكس “تصعيداً محسوبا”، يهدف إلى رفع سقف الردع، موضحا أن هذا الخيار يظل مرهونا بتطورات الميدان ومدى قدرة الضربات الجوية والعقوبات على تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة.
وأضاف أن الدوافع المحتملة لأي تدخل بري قد تتراوح بين السعي إلى إنهاء القدرات العسكرية الإيرانية بشكل حاسم، ومنع إعادة بناء المنظومات الصاروخية أو النووية، وصولا إلى فرض واقع أمني جديد إذا أخفقت الأدوات الأخرى في تحقيق نتائج ملموسة.
وأشار إلى أن السيناريوهات قد تبدأ بعمليات محدودة تستهدف منشآت أو مناطق استراتيجية، وربما تعتمد على قوات خاصة أو تحالف دولي، لكنه استبعد في الوقت ذاته تكرار نموذج الغزو الشامل على غرار ما حدث في العراق العام 2003، نظراً لتعقيدات الجغرافيا الإيرانية واتساع مساحتها وحجم قدراتها العسكرية والبشرية.
من جهته، يرى الأكاديمي والباحث اللبناني الدكتور أيمن عمر، أن أي تدخل بري أمريكي “لن يكون مجرد رد فعل تكتيكي، بل قراراً استراتيجياً كبيراً يرتبط بهدف يتجاوز الردع إلى تغيير النظام”.
وأوضح أن الضربات الجوية قد تدمر منشآت، لكنها لا تملأ فراغ السلطة ولا تسيطر على المدن، مشيراً إلى أن تجربة العراق بعد 2003 أظهرت أن المرحلة الأصعب تبدأ بعد سقوط النظام، لا قبله.
ولفت إلى أن إيران دولة مترامية الأطراف ذات تضاريس جبلية معقدة، ويتجاوز عدد سكانها 80 مليون نسمة، إضافة إلى عقيدة دفاعية تقوم على الحرب غير المتماثلة وتوسيع ساحة المواجهة عبر حلفاء إقليميين.
واعتبر أن واشنطن قد تراهن، بدلا من التدخل المباشر، على دعم قوى داخلية معارضة لإحداث تحولات من الداخل، موضحا أن هذا المسار أقل كلفة سياسيا وعسكريا من نشر عشرات الآلاف من الجنود في مسرح عمليات واسع ومعقد.
— تهديد أكثر منه خطة
من جانبه ، يري الدكتور ثائر أبو راس الباحث في “منتدى التفكير الإقليمي” في معهد “فان لير” الإسرائيلي، أن الحديث عن إدخال قوة برية أمريكية إلى إيران يبدو في الظروف الراهنة غير واقعي، في ظل غياب حشود عسكرية برية كبيرة في المنطقة.
وأوضح أن الحرب أُديرت منذ بدايتها كحرب جوية – بحرية، وأن أي تحول إلى مسار بري يتطلب استعدادات عسكرية ولوجستية وسياسية واسعة، فضلاً عن تهيئة الرأي العام الأمريكي، وهو ما لم تظهر مؤشراته حتى الآن.
وأضاف أن التصريحات الأمريكية يمكن فهمها في سياق الضغط السياسي على طهران لدفعها إلى تقديم تنازلات، لا باعتبارها إعلاناً عن خطة وشيكة للغزو.
فيما اعتبر السياسي اليمني رياض مقبل الدبعي أن أي تدخل بري أمريكي محتمل سيكون مدفوعا بمحاولة منع تهديدات مباشرة تستهدف القوات الأمريكية وحلفاءها، إضافة إلى الرغبة في إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، مع تنسيق محتمل مع إسرائيل على صعيد العمليات الجوية.
غير أنه شدد على أن حجم إيران الشاسع وتضاريسها المتنوعة، إلى جانب تعقيدات نقل القوات والمعدات الثقيلة، تجعل أي عملية برية تحدياً لوجستياً كبيراً يتطلب حشوداً ضخمة وخطوط إمداد طويلة ومعرّضة للاستهداف.
ولفت الدبعي إلى أن إيران قد تلجأ إلى ردود فعل عسكرية غير تقليدية عبر توسيع نطاق العمليات أو تحريك حلفائها الإقليميين، ما قد يحول التدخل إلى حرب استنزاف طويلة تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية.
وأشار إلى أن التداعيات الإقليمية قد تشمل ارتفاع التوتر العسكري والسياسي في دول الجوار، وزيادة نشاط العناصر المتحالفة مع طهران، الأمر الذي قد يوسع دائرة الصراع ويزيد من هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.
— التقدم في لبنان وفرضية التدخل
ومع إعلان إسرائيل المصادقة على تقدم جيشها في جنوب لبنان والسيطرة على مواقع استراتيجية إضافية، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت هذه التطورات تعزز احتمالية انتقال المواجهة إلى الداخل الإيراني.
ويرى الخبراء أن المقارنة بين الساحتين اللبنانية والإيرانية تظل محدودة الدلالة، فلبنان يمثل تماسا جغرافيا مباشرا مع إسرائيل، بينما تفصل مسافات شاسعة ومعوقات لوجستية معقدة بين إسرائيل وإيران.
وأشار الدكتور أيمن عمر إلى أن أي دور إسرائيلي محتمل داخل إيران سيظل – على الأرجح – في إطار العمليات الجوية أو الاستخباراتية أو السيبرانية، أو عبر دعم أطراف محلية، مستبعدا سيناريو تدخل بري إسرائيلي واسع داخل الأراضي الإيرانية.
بدوره، اعتبر أبو راس أن إسرائيل تعتمد بصورة عميقة على المظلة الأمريكية سياسيا وعسكريا، وأن أي تحول جذري في طبيعة الحرب سيبقى رهنا بقرار واشنطن أولا.
ويتفق الخبراء على أن التدخل البري في إيران يتطلب وجود قواعد انطلاق متقدمة، وتوافر جسور إمداد بحرية وجوية مستمرة، وضمان تفوق جوي كامل لتعطيل الدفاعات الصاروخية، مع نشر قوات كبيرة قادرة على التحكم في الأرض وإدارتها أمنياً بعد العمليات.
ويرى الدكتور أحمد خليل أن التحدي لا يكمن فقط في الدخول العسكري، بل في إدارة ما بعد العمليات، في ظل احتمال فتح جبهات متزامنة عبر حلفاء طهران في المنطقة، ما قد يحول التدخل إلى حرب استنزاف طويلة.
ويحذر الخبراء من أن أي تدخل بري لن يبقى محصورا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد يمتد إلى الخليج والعراق ومسارات الملاحة البحرية، بما يهدد إمدادات الطاقة العالمية ويرفع منسوب الاضطراب في الأسواق.
كما أن طول أمد الحرب قد يدفع أطرافا إقليمية غير مباشرة إلى الانخراط في المواجهة، ما يضاعف من تعقيد المشهد ويزيد احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع.
وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، يشير المحللون إلى أن إرث حربي أفغانستان والعراق ما زال حاضرا في الوعي العام، وأن الرأي العام الأمريكي بات أكثر تحفظا تجاه الحروب البرية طويلة الأمد.
ويرى المراقبون أن أي قرار بنشر قوات برية سيواجه نقاشا سياسيا حادا في الكونغرس، وقد يحمل كلفة انتخابية مرتفعة، ما يجعل خيار التصعيد البري الشامل محفوفا بمخاطر داخلية لا تقل عن مخاطره الميدانية.
وفي ضوء المعطيات وآراء الخبراء، تبدو فرضية التدخل البري الأمريكي في إيران مرتبطة بمدى استمرار الحرب واتساعها، وبحسابات الكلفة والعائد لدى صناع القرار في واشنطن وتل أبيب.
وإذا كان التلويح بالقوة البرية يهدف حاليا إلى تعزيز أوراق الضغط ودفع طهران إلى تقديم تنازلات، فإن تحوله إلى واقع ميداني سيعني انتقال المنطقة إلى مرحلة شديدة الحساسية، تتجاوز حدود الضربات المحدودة إلى معادلة إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها سريعا.
وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل يوم السبت الماضي هجوما مشتركا واسع النطاق على إيران، التي أطلقت بدورها هجوما مضادا بعنوان “الوعد الصادق 4” تضمن قصف مواقع في إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في دول الخليج.
وأعلنت إيران الأحد الماضي مقتل مرشدها الأعلى علي خامنئي في الغارات الأمريكية – الإسرائيلية التي شُنت السبت.
المصدر: شينخوا

