شؤون آسيوية – د. كلثوم لغدايش **-
أحدثَ العدوان الإسرائيلي على إيران فجر يوم الجمعة الموافق 13 يونيو 2025، صدمةً جيوسياسيةً هزَّت أركان المنطقة والعالم. جاءت الضربة في توقيتٍ مُفاجئٍ، لا سيما في ظل انتظار دولي حذرٍ لجولةٍ جديدة من المفاوضات المرتقبة بين طهران وواشنطن حول الملف النووي الإيراني، والمقرَّر انعقادها يوم الأحد 15 مايو 2026.
هذه الضربة الاستباقية اعتُبرت ناجحة، تلاها رد إيراني واسع النطاق اتسم بالقوة والتصعيد، مما دفع بالأزمة إلى مستويات جديدة من التوتر الإقليمي والدولي. لم تكن هذه الضربة مجرد عملية عسكرية، بل بدايةً لموجة كبيرة من التفاعلات على الإنترنت، خاصة في العالم العربي، في ظل واقع إقليمي معقّد، تُشارك فيه أطراف متعارضة ذات تاريخ طويل من التوترات.
في هذا السياق، تحولت منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحة عامة معاصرة ومرآة فورية تعكس مشاعر الشعوب وتوجّهاتها، لا سيما في بيئات ذات حرية تعبير محدودة. تعتبر هذه المنصات أرشيفًا رقميًا حيًّا يمكن من خلاله دراسة الاتجاهات والتصورات الجمعية تجاه أي قضية، من خلال تحليل الخطاب والمفردات وأنماط التفاعل، مما يتيح فهم دينامية الرأي العام.
الرأي العام العربي ومواقف متباينة
تبلورت مواقف الرأي العام العربي إزاء الحرب الإسرائيلية الإيرانية كمرآة لتعقيدات الوعي الجمعي العربي تجاه التحالفات والصراعات الإقليمية. أبدى عدد من المستخدمين العرب دعمًا صريحًا أو تعاطفًا ضمنيًا مع الموقف الإيراني، باعتباره في مواجهة مباشرة مع العدو الإسرائيلي، الذي لا يزال يُنظر إليه على أنه “العدو المركزي” في الوجدان العربي.
رغم التناقضات المذهبية والعرقية والسياسية بين العرب وإيران، فإن خلفية تاريخية أعمق تُعيد تفسير هذا التعاطف. فإيران تُستحضر في المخيال الجمعي العربي بوصفها امتدادًا لحضارة ساهمت في العصر الذهبي الإسلامي، لاسيما في العهد العباسي، حين اندمج الفرس والعرب في مشروع حضاري مشترك لا تزال أصداؤه حاضرة.
إرث مشترك وذاكرة متراكمة
التعاون التاريخي العربي-الفارسي، وخاصة في الترجمة والعلوم والإدارة، ترك أثرًا في الهوية الثقافية العربية، يظهر في شكل تعاطف مع إيران رغم الخلافات الحديثة. كما أشار عدد من المغردين إلى أن دعم إيران لغزة في الصراع مع إسرائيل كان سببًا رئيسًا للتعاطف العربي معها، حيث رأوا أن استهدافها هو عقاب على هذا الدعم.
خطاب شماتة تجاه إسرائيل
في المقابل، ظهرت تفاعلات تُبدي شماتة تجاه إسرائيل، نابعة من ذاكرة عربية مثقلة بالتجارب المؤلمة والانكسارات المتكررة. لا تزال إسرائيل تُنظر إليها كقوة احتلال تمارس انتهاكات في فلسطين ولبنان وسوريا، في ظل غياب تطورات سياسية أو إنسانية حقيقية.
أمثلة من التفاعل الرقمي
كتب سعيد العنزي من السعودية:
> “رغم خلافاتنا مع إيران، إلا أنها اليوم تتعرض للهجوم بسبب موقفها الداعم لأهلنا في غزة، ونسأل الله أن ينصرها على أعداء الأمة.”
وأدانت الرياض الاعتداءات، إذ صرّح ولي العهد السعودي بأن “جميع شعوب العالم الإسلامي اليوم موحدة ومتضامنة في دعمها لإيران”، مشيرًا إلى مساعيه الدبلوماسية لوقف عدوان “الكيان الصهيوني”. ورغم أن هذا الموقف يبدو متناقضًا مع تاريخ التوترات العربية-الإيرانية، إلا أنه يعكس تحوّلًا في الموقف الإقليمي.
خلاصة
رغم تصوير إيران لسنوات طويلة على أنها تهديد وجودي وخطر طائفي، فإن التفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي كشفت عن تحوّل ملحوظ في المزاج العام العربي. ظهر دعم لإيران بوصفها خصمًا لإسرائيل، مما يُشير إلى انتصار سردية العداء لإسرائيل على الخوف من النفوذ الإيراني.
هذا التحوّل لا يبدو مؤقتًا، بل قد يُمثّل تغيرًا عميقًا في البنية الفكرية والسياسية للوعي العربي. وربما تكون هذه الحرب نقطة انعطاف تاريخية تُعيد تشكيل علاقات العرب بإيران، وتتجاوز الانقسامات الطائفية التي طبعت هذه العلاقة لعقود.
** باحثة ومترجمة مغربية مختصة بالدراسات الصينية