شؤون آسيوية – ديما دعبول –

تُعتبر العلاقات بين الصين وجزر القمر نموذجاً فريداً في إطار التعاون بين دولة عظمى صاعدة وأمة صغيرة ذات موارد محدودة.

هذه العلاقة تنبع من استراتيجية الصين الرامية إلى توسيع نفوذها في المحيط الهندي وأفريقيا، بالتوازي مع حاجة جزر القمر إلى شريك قوي لدعم تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

هنا نستعرض بشكل موسع أبعاد هذه العلاقات، ونكشف عن عمقها وتطوراتها وتأثيرها على كلا الطرفين.

خلفية تاريخية وتطور العلاقات

تأسست العلاقات الدبلوماسية بين الصين وجزر القمر في فترة مبكرة من استقلال جزر القمر عام 1975، حيث تبنت جزر القمر مبادرة التوافق مع الصين التي تدعم سياسة “الصين الواحدة”.

استمر التعاون في بداياته على شكل مساعدات تقنية وإنسانية بسيطة، إلا أن التطورات الاقتصادية الكبيرة في الصين خلال العقدين الماضيين حولت العلاقة إلى شراكة استراتيجية.

مع دخول الألفية الجديدة، بدأت الصين تضاعف جهودها لتعزيز وجودها في الدول الإفريقية والمحيط الهندي عبر بناء مشاريع تنموية ضخمة، وحصلت جزر القمر على نصيب من هذه المشاريع بما يتوافق مع إمكانياتها واحتياجاتها.

العلاقات تطورت من مجرد علاقات دبلوماسية إلى شراكة متينة تشمل العديد من المجالات الاقتصادية والتنموية.

الأبعاد السياسية

الدعم الدبلوماسي

جزر القمر تعد من الدول القليلة التي تدعم موقف الصين في القضايا الجوهرية مثل ملف تايوان، حيث تلتزم بسياسة الصين الواحدة.

هذا الدعم يضع جزر القمر في صف الصين في المحافل الدولية، مما يعزز من مكانتها السياسية ويكسبها حليفاً قوياً يدعمها في مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

الزيارات الرسمية والاتفاقيات

تكررت الزيارات الرسمية بين المسؤولين الصينيين ونظرائهم في جزر القمر، والتي غالباً ما يتم خلالها توقيع اتفاقيات تعاون متعددة المجالات.

هذه الزيارات لا تقتصر على الطابع الرمزي، بل تمثل فرصاً لتوسيع نطاق التعاون وتبادل الرؤى بشأن مستقبل العلاقات الثنائية.

التعاون في المحافل الدولية

يلعب الطرفان دوراً متكاملاً في المنظمات الإقليمية والدولية، حيث تدعم جزر القمر مبادرات الصين المتعلقة بإصلاح هيكلية الأمم المتحدة ومبادراتها الاقتصادية، في حين تستفيد الصين من هذه الدول الصغيرة لتكريس نفوذها الدبلوماسي عالمياً.

التعاون الاقتصادي والتنموي

الاستثمارات في البنية التحتية

تعتبر الاستثمارات الصينية في البنية التحتية قلب التعاون الاقتصادي بين البلدين. الصين قدمت تمويلات هامة لتطوير شبكات الطرق والجسور، مما ساعد على ربط المدن والمناطق النائية في جزر القمر وتحسين الحركة التجارية والسياحية.

كما أسهمت الصين في بناء مشاريع مرافق عامة كالمستشفيات والمدارس، مما ساعد في رفع مستوى الخدمات العامة.

تطوير الموانئ وتعزيز التجارة البحرية

أحد المشاريع الاستراتيجية التي نفذتها الصين هو تطوير ميناء موروني، عاصمة جزر القمر. هذا الميناء يشكل نقطة حيوية لتعزيز حركة التجارة البحرية، ويعمل كمركز إقليمي لوجستي مهم في المحيط الهندي.

تحسين البنية التحتية للميناء يعزز من قدرة جزر القمر على جذب السفن التجارية والاستثمارات البحرية.

الطاقة المتجددة والزراعة

تستثمر الصين في مجال الطاقة النظيفة في جزر القمر، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتقليل اعتماد البلاد على الوقود الأحفوري، هذا التعاون يساهم في تنويع مصادر الطاقة وتحقيق استدامة بيئية.

في مجال الزراعة، تقدم الصين تقنيات حديثة لتحسين الإنتاجية الزراعية، خاصة في قطاع الكفاف الذي يعتمد عليه غالبية السكان.

التجارة الثنائية

رغم أن حجم التجارة بين الصين وجزر القمر لا يزال محدوداً نسبياً مقارنة بالدول الأخرى، إلا أنه يشهد نمواً مطرداً.

تستورد جزر القمر من الصين منتجات متنوعة تشمل الإلكترونيات، والمواد الإنشائية، والآلات الزراعية، في المقابل، تصدر جزر القمر إلى الصين منتجات بحرية وزراعية محدودة، وهي علاقة تجارية يمكن توسيعها مستقبلاً مع استقرار وتحسن الإنتاج المحلي.

التعاون الثقافي والتعليمي

المنح الدراسية وبرامج التبادل

تُعد المنح الدراسية التي تقدمها الحكومة الصينية للطلاب من جزر القمر واحدة من الركائز الأساسية في تعزيز العلاقات الثقافية والتعليمية.

يحصل العديد من الطلاب على فرص للدراسة في جامعات صينية مرموقة في مجالات متنوعة مثل الهندسة، والطب، والاقتصاد، مما يسهم في بناء كوادر وطنية مؤهلة تعود لتطوير بلادهم.

تبادل الزيارات الثقافية

تشهد العلاقات الثقافية نشاطات متعددة تشمل إقامة مهرجانات صينية في جزر القمر والعكس، وتبادل الفرق الفنية والثقافية.

هذه الأنشطة تسهم في تعزيز فهم الشعوب لبعضها، وتذويب الحواجز الثقافية، وتوطيد روابط الصداقة.

تعلم اللغة الصينية

قامت الصين بإنشاء مراكز ثقافية لتعليم اللغة الصينية في جزر القمر، وهو ما يساعد على تعزيز التواصل المباشر وتسهيل التفاهم في مجالات الأعمال والتجارة.

التعاون الأمني والعسكري

مكافحة القرصنة البحرية

تقع جزر القمر في منطقة استراتيجية قريبة من مضيق باب المندب وطرق التجارة البحرية الحيوية، حيث تواجه هذه الطرق تهديدات القرصنة البحرية.

أبدت الصين رغبتها في تقديم الدعم الأمني لتدريب القوات المحلية في مكافحة القرصنة وحماية خطوط الملاحة البحرية.

تدريبات عسكرية ومساعدات تقنية

تشمل العلاقة الأمنية بين الصين وجزر القمر تدريبات عسكرية مشتركة محدودة، بالإضافة إلى تقديم معدات تقنية متطورة لدعم قدرات الدفاع المحلية، هذا التعاون يهدف إلى تعزيز الاستقرار الأمني وحماية المصالح المشتركة في المحيط الهندي.

الفرص المستقبلية

مبادرة الحزام والطريق: توفر هذه المبادرة فرصة لجزر القمر للحصول على استثمارات ضخمة في البنية التحتية والاقتصاد الرقمي.

التنمية المستدامة: التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والزراعة المستدامة يمكن أن يضع جزر القمر في مصاف الدول النموذجية في التنمية.

التكامل الإقليمي: يمكن لجزر القمر الاستفادة من موقعها الاستراتيجي لتعزيز دورها كحلقة وصل بين أفريقيا وآسيا، مع دعم صيني مستمر.

خاتمة

العلاقات بين الصين وجزر القمر تتطور بوتيرة متسارعة، مدفوعة برؤية مشتركة لتحقيق منافع متبادلة، هذه الشراكة تعكس ديناميكية جديدة في العلاقات الدولية حيث تلعب الدول الصغيرة دوراً محورياً في استراتيجيات القوى العظمى.

تبقى الفرص كبيرة أمام تعزيز هذه العلاقة لتشمل قطاعات أكثر تنوعاً، مع ضرورة مراعاة التحديات لضمان تعاون مستدام يخدم مصالح الطرفين ويعزز الاستقرار في المنطقة.

 

*صحافية سورية

**ينشر بالتعاون مع مركز الدراسات الآسيوية والصينية في لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *