شؤون آسيوية – إعداد: رغد خضور –

 

منذ أكثر من سبعة عقود، تمسكت جمهورية الصين الشعبية بموقف داعم وثابت تجاه القضية الفلسطينية، جاعلةً من هذا الملف أحد أعمدة سياستها الخارجية في الشرق الأوسط. ورغم التغيرات الدولية والتحولات الإقليمية، واصلت بكين تعزيز علاقاتها مع الفلسطينيين عبر مزيج من الدعم السياسي، والمساعدات التنموية، والتحركات الدبلوماسية الهادفة إلى تحقيق حل عادل وشامل.

 

علاقات متجذرة والاعتراف بدولة فلسطين

تعود بداية هذا المسار إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما ربط رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو إنلاي بين القضية الفلسطينية والنزاع حول تايوان، في مؤتمر باندونغ عام 1955، معتبراً أن كليهما نتاج للاستعمار الغربي.

وقد ترجمت الصين هذا التوجه عملياً بدعم فصائل المقاومة الفلسطينية، وتقديم مساعدات عسكرية وتنظيمية ملموسة لمنظمة التحرير، التي افتتحت أول مكتب لها في بكين عام 1965.

في أواخر الستينيات، بلغت المساعدات الصينية للفصائل الفلسطينية قرابة خمسة ملايين دولار، وشهدت هذه الفترة تحالفًا متينًا بلغ حد وصف الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للصين بأنها “أكثر دولة غير عربية دعمت الثورة الفلسطينية”.

ومع انضمام الصين إلى مجلس الأمن عام 1971، واصلت بكين دعمها السياسي لفلسطين، وكانت من أبرز الدول التي ساندت القرار الأممي رقم 3379 عام 1975، الذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية – قبل أن يتم التراجع عنه لاحقًا عام 1991.

وفي نوفمبر 1988، كانت الصين من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، بعد إعلان الاستقلال الفلسطيني، مما شكّل تحولًا سياسيًا لافتًا. وتم في العام نفسه تحويل مكتب منظمة التحرير إلى سفارة، مما عزز التمثيل الدبلوماسي وفتح المجال أمام تعاون مؤسساتي أكثر عمقًا.

ولم تقتصر الخطوات على الجانب الفلسطيني؛ ففي عام 1995 أنشأت الصين مكتبًا لها لدى السلطة الفلسطينية في غزة، نُقل لاحقًا إلى رام الله عام 2004، ما أرسى بنية ثابتة للتواصل السياسي بين الجانبين.

ومنذ ذلك الحين، تبنّت الصين موقفًا ثابتًا من القضية الفلسطينية، مؤيدةً حل الدولتين على أساس حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مستندة في ذلك إلى قرارات الأمم المتحدة ومبدأ “الأرض مقابل السلام”.

 

مبادرات سياسية ومواقف حاسمة

مع بداية الألفية الثالثة، طرحت الصين آلية جديدة للانخراط في الشأن الفلسطيني عبر تعيين مبعوث خاص لها إلى الشرق الأوسط، أطلق سلسلة من المبادرات التي أكدت دعم إقامة الدولة الفلسطينية ضمن حدود 1967، وشددت على أهمية المفاوضات ورفض العنف.

وفي عام 2013، قدم الرئيس الصيني شي جين بينغ أربع نقاط لحل الصراع، تركزت حول دعم قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وضرورة اعتماد المفاوضات، وتبني مبدأ “الأرض مقابل السلام”. كما طرح لاحقًا، في عام 2017، مجموعة أخرى من التوصيات تدعو إلى حل سياسي متكامل، وتنمية شاملة، وتعاون دولي فاعل.

أما في قمة الصين والدول العربية في ديسمبر 2022، فجدد شي جين بينغ التأكيد على دعم الصين لعضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، ووعد بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية.

وخلال الحرب الأخيرة في غزة، التي اندلعت في أكتوبر 2023، دعت الصين إلى وقف فوري للعنف، وحثت على العودة إلى طاولة المفاوضات، كما رفضت بشدة المقترحات الأمريكية التي تحدثت عن نقل سكان غزة، مؤكدة أن أي تغيير ديموغرافي قسري يتعارض مع القانون الدولي، ويمس بالحقوق الوطنية للفلسطينيين.

كما دعت إلى عقد مؤتمر دولي للسلام تحت مظلة الأمم المتحدة، يشمل جميع الأطراف ذات الصلة، ويستند إلى مرجعية واضحة وملزمة، في محاولة لتفعيل العملية السياسية المعطلة.

وفي مارس 2024، شدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة، واصفًا معاناة الشعب الفلسطيني بأنها “محنة إنسانية لا يجوز للعالم تجاهلها”.

 

إعلان بكين وحل الدولتين

إحدى أبرز المبادرات الصينية جاءت في يوليو 2024، عندما استضافت بكين مؤتمرًا جمع 14 فصيلًا فلسطينيًا، من بينهم فتح وحماس، حيث أسفر اللقاء عن توقيع “إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية”، الذي نص على تشكيل حكومة وفاق وطني مؤقتة، والاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد، والعمل على رفع الحصار عن غزة.

وقد وصفت الصين الاتفاق بأنه “نقطة تحول تاريخية” في مسار القضية الفلسطينية، مؤكدة دعمها لتنفيذ مخرجاته ومتابعة التنسيق مع المجتمع الدولي.

ولقي هذا الاتفاق ترحيبًا واسعًا من الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، واعتُبر مؤشراً على تحول بكين إلى لاعب دبلوماسي فاعل في الملف الفلسطيني.

تتمسك الصين برؤية قائمة على تأسيس دولتين مستقلتين تعيشان جنبًا إلى جنب، وتشدد على إقامة الدولة الفلسطينية وفق حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ودعم أي مسعى دولي لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك مؤتمر دولي للسلام، وتقديم الدعم المالي لإعادة إعمار المناطق الفلسطينية.

كما تسعى بكين إلى تعزيز نفوذها الناعم من خلال دعم البنية التحتية الفلسطينية، عبر مشاريع تتكامل مع مبادرة “الحزام والطريق”، وتقديم مساعدات إنسانية وتنموية في ظل استمرار الأزمات.

 

تحرك اقتصادي

في إطار سعي الصين لتعزيز علاقاتها مع دول الشرق الأوسط ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وتوجه السلطة الفلسطينية لتنويع شركائها الاقتصاديين خارج الإطار التقليدي للمانحين الغربيين، شهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين وفلسطين تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، خاصة منذ مطلع الألفية الثالثة.

ورغم القيود الإسرائيلية المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، شهدت التجارة بين البلدين نموًا تدريجيًا؛ إذ تصدر الصين إلى الأراضي الفلسطينية منتجات استهلاكية، وإلكترونيات، وآليات صناعية، بينما تستورد من فلسطين كميات محدودة من المنتجات الزراعية والحرف اليدوية.

وتزداد أهمية السلع الصينية في الأسواق الفلسطينية نظراً لانخفاض أسعارها مقارنة بالسلع الأوروبية والأمريكية.

وعلى الرغم من عدم وجود استثمارات صينية ضخمة مباشرة في فلسطين كما هو الحال في بعض الدول الأخرى، ويرجع ذلك أساسًا إلى غياب بيئة استثمارية مستقرة وقيود الاحتلال، تقدم الصين مساعدات تقنية وإنمائية في مجالات متعددة، تشمل التدريب المهني، والزراعة، والتعليم، والبنية التحتية.

ومن أبرز أوجه التعاون: دعم الصين لبناء مشاريع صغيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب تقديم منح دراسية للطلاب الفلسطينيين، وتبادل زيارات الوفود الاقتصادية.

كما تساهم الصين في تمويل بعض المشاريع ضمن برامج التنمية التي تنفذها الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية.

وفي عام 2018، وقعت الصين والسلطة الفلسطينية مذكرة تفاهم للانضمام إلى مبادرة “الحزام والطريق”، ما فتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا، والنقل، رغم محدودية التطبيق العملي حتى الآن.

وفي مايو 2024، أعلنت بكين عن مساعدات إضافية بقيمة 3 مليارات يوان، بينها 500 مليون يوان مخصصة للأزمة الإنسانية في غزة، إلى جانب 3 ملايين دولار لدعم “الأونروا”، ومبادرات في مجالات التعليم، والتدريب، والتكنولوجيا.

 

تعاون ثقافي وتبادل شعبي

رغم غياب معاهد ثقافية صينية بارزة في فلسطين، شهدت برامج التبادل الطلابي والشبابي نشاطًا متزايدًا، إذ تشارك فلسطين في المبادرات الثقافية ضمن التعاون الصيني – العربي، مثل منتديات الشباب، والمعارض السياحية، وبرامج التبادل الأكاديمي.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في المبادرات الثقافية بين الصين وفلسطين، شملت تنظيم أسابيع ثقافية، ومعارض فنية، وعروضًا موسيقية وفولكلورية، سواء في مدن فلسطينية مثل رام الله وبيت لحم، أو في مدن صينية مثل بكين وشنغهاي.

وتهدف هذه الفعاليات إلى إبراز التراث الثقافي الفلسطيني داخل الصين، وفي المقابل تعريف الجمهور الفلسطيني بالثقافة والفنون الصينية التقليدية كالأوبرا الصينية، والخط، وفن الشاي.

تولي الصين اهتمامًا بدعم الجهود الفلسطينية في حفظ التراث، سواء من خلال التعاون في مشاريع التوثيق الرقمي أو من خلال تقديم مساعدات فنية لمؤسسات ثقافية فلسطينية، كما تشجع على إدراج مواقع فلسطينية ضمن برامج حماية التراث التابعة لليونسكو.

وفي سياق رمزي، تُصنَّع الكوفية الفلسطينية – رمز الهوية الوطنية – بكميات ضخمة في الصين، وهو ما أثار نقاشًا حول فقدان الإنتاج المحلي في فلسطين لصالح الصناعة الخارجية، خاصة مع تراجع مصانع محلية مثل “هرباوي” في الخليل.

 

تحديات أمام الدور الصيني

رغم الجهود الحثيثة، تواجه الصين عدة تحديات في لعب دور الوسيط المحايد، خاصة في ظل علاقاتها المتنامية مع إسرائيل في مجالات التكنولوجيا والتجارة، كما أن استمرار الانقسام الفلسطيني وتجدد النزاعات العسكرية يقلل من فرص تطبيق المبادرات الصينية على الأرض.

مع ذلك، تبقى بكين متمسكة بدورها كقوة دولية صاعدة، تسعى إلى تقديم بدائل دبلوماسية تنبثق من التعددية الدولية، والقانون الدولي، ودعم الشعوب المضطهدة – وهي مبادئ لا تزال تشكّل جوهر السياسة الصينية تجاه فلسطين منذ خمسينيات القرن الماضي.

** صحفية سورية

 

** يُنشر بالتعاون مع مركز الدراسات الآسيوية والصينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *