شؤون آسيوية – ديما دعبول –
تشهد العلاقات العربية-الصينية منذ قرابة عقد تحوّلاً نوعياً جعلها واحدة من أسرع الشراكات الدولية نموّاً في العالم.
ومع اقتراب عام 2026 تبرز مناسبة تاريخية بالغة الأهمية: تزامن القمة العربية-الصينية المرتقبة مع الذكرى السبعين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين الصين وعدد من الدول العربية، وهي محطة تمنح المشهد الدبلوماسي والسياسي زخماً خاصاً وطابعاً يوحي ببداية فصل جديد في مسار التعاون.
هذه الذكرى ليست حدثاً احتفالياً فقط، بل إطار رمزي وسياسي يعيد تأكيد عمق الروابط وتوجّهها نحو آفاق استراتيجية أوسع.
جذور العلاقات الحديثة: من التأسيس إلى الشراكة
بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية على مراحل منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، ثم توسّعت تدريجياً خلال العقود التالية لتشمل مختلف الدول العربية.
هذا الامتداد أسس قاعدة ثابتة لشبكة من المصالح المشتركة، وفتح المجال أمام تعاون سياسي واقتصادي وثقافي تطوّر مع الوقت.
وقد شكّلت زيارة الرئيس الصيني إلى مقر جامعة الدول العربية عام 2016 نقطة تحوّل مركزية في صياغة رؤية جديدة للعلاقات، حيث تم إطلاق مرحلة شراكة ترتكز على التعاون الشامل في مجالات التنمية، الطاقة، البنية التحتية، التكنولوجيا، والثقافة.
كما أُعلنت مبادرات لتأسيس مراكز أبحاث ومؤسسات مشتركة تُعنى بالدراسات الصينية-العربية وتطوير الحوار الحضاري.
تطور اقتصادي متسارع: الطاقة، البنية التحتية، والتجارة
خلال السنوات الأخيرة، تحوّل التعاون العربي-الصيني إلى منظومة اقتصادية متكاملة تتجاوز التجارة التقليدية.
فقد برزت مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والبتروكيماويات، إلى جانب توسّع استثمارات صينية في الموانئ، المناطق الصناعية، والطرق، ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق.
الدول العربية الخليجية، ولاسيما السعودية والإمارات وعُمان، أصبحت مراكز محورية لهذا التعاون، بينما شهدت دول عربية أخرى نمواً ملحوظاً في التبادل التجاري، واندماجاً متزايداً في المبادرات التنموية الصينية.
ويعبّر هذا المسار عن انتقال العلاقة إلى مستوى الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية، القائمة على التخطيط طويل الأمد وتنويع مجالات التعاون.
البعد الدبلوماسي: آليات تعاون راسخة وتنسيق متنامٍ
المستوى السياسي شهد توسعاً واضحاً بعد إطلاق منتدى التعاون العربي-الصيني، الذي أسّس آلية منتظمة للحوار والتنسيق بين الجانبين.
وقد عززت القمة العربية-الصينية الأولى عام 2022 هذا المسار، حيث أعلنت الدول المشاركة رغبتها في بناء “مجتمع عربي-صيني للمستقبل المشترك”، ما فتح الباب أمام تعاون متعدد الأبعاد وتعزيز التنسيق في الملفات الإقليمية والدولية.
المؤسسات الصينية والعربية عملت خلال السنوات الماضية على تطوير آليات التعاون الوزاري والفني، ومتابعة تنفيذ الخطط المشتركة، بما في ذلك المجالات الاقتصادية، الصحية، التعليمية، والبيئية.
التبادل الثقافي واللغوي: جسور بين الحضارتين
إلى جانب الاقتصاد والسياسة برز جانب ثقافي وتعليمي مهم في العلاقات، فقد توسّع تدريس اللغة الصينية في عدد كبير من الدول العربية، مثل مصر والمغرب وتونس والسودان، وازدادت برامج المنح الدراسية الصينية المخصصة للطلاب العرب.
كما تأسست مراكز ثقافية ومعاهد كونفوشيوس في عدة دول، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث.
هذه الجهود أسهمت في ترسيخ التفاهم الحضاري وتعميق التواصل بين الشعوب، مما يعزز استدامة العلاقات على المدى الطويل.
الذكرى السبعون للعلاقات الدبلوماسية: رمزية تاريخية وفرصة استراتيجية
يمثّل عام 2026 محطة رمزية مهمة، إذ يصادف الذكرى السبعين لبداية العلاقات الدبلوماسية بين الصين وعدد من الدول العربية، وهذا الحدث يضفي على القمة المقبلة بعداً تاريخياً يعكس انتقال العلاقات من طور التأسيس إلى مرحلة “الشراكة الناضجة”.
الذكرى السبعون تمنح الجانبين فرصة لإعادة تقييم مسار سبعة عقود، ووضع رؤية جديدة أكثر طموحاً للعقد المقبل، وهي مناسبة يمكن أن تُستثمر في تعزيز الرسائل السياسية حول الاستمرارية والثقة، وفي إطلاق مبادرات تنموية وثقافية عابرة للحدود.
ما المتوقع في قمة 2026: ملامح المرحلة القادمة
التقارير والتصريحات الأخيرة تشير إلى احتمال إطلاق مجموعة من المبادرات خلال قمة 2026، منها:
الإعلان عن “خارطة طريق عربية-صينية” للتعاون حتى 2036 تشمل الاقتصاد، التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي.
توقيع مشروعات بنية تحتية كبرى في عدد من الدول العربية ضمن الحزام والطريق.
توسيع برامج التبادل الثقافي واللغوي، وافتتاح مؤسسات تعليمية جديدة مشتركة.
تعزيز التعاون في مجالات البيئة، الأمن السيبراني، التحول الرقمي، والتنمية المستدامة.
إطلاق آليات مؤسسية جديدة لدعم التنسيق السياسي والاقتصادي طويل المدى.
هذه التوجهات تعكس رغبة الجانبين في تحويل الذكرى السبعين إلى منصة لإطلاق مرحلة جديدة من التكامل والشراكة العميقة.
خاتمة
تقترب العلاقات العربية-الصينية من لحظة مفصلية تجمع بين رمزية التاريخ وحيوية المستقبل.
سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية شكّلت قاعدة صلبة لتعاون متعدد المستويات، بينما تتيح القمة المرتقبة في 2026 فرصة لتوسيع هذه الشراكة وتعزيزها في مجالات الاقتصاد، الثقافة، السياسة، والابتكار.
ومع توافق الإرادة السياسية لدى الطرفين، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لتكون بداية انطلاقة جديدة في مسار العلاقات، عنوانها الشراكة الاستراتيجية العميقة والممتدة نحو المستقبل.

