شؤون آسيوية –
بقلم د. غادة كمال*
يشهد العالم في العقدين الأخيرين تحولًا جذريًا بفعل الثورة الرقمية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محرّكاتها، وفي حين استطاعت الاقتصادات المتقدمة توظيف هذه التكنولوجيا الحديثة لتطوير الإنتاج وتحسين جودة الخدمات وتعزيز القدرة التنافسية، لا تزال القارة الإفريقية تمر بمرحلة حاسمة تحدد موقعها ومستقبلها في المشهد الرقمي العالمي؛ فهي إما أن تتطور لتصبح فاعلًا رئيسيًا يساهم في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي، أو أن تظلّ مجرّد مستهلك للتقنيات القادمة من الخارج، من دون امتلاك القدرات أو الأدوات اللازمة لإنتاجها محليًا.
وفي السنوات الأخيرة، أثبتت الممارسات الفعلية في عدد من الدول الإفريقية أن الذكاء الاصطناعي، أصبح أحد أهم المحركات الاستراتيجية الأساسية للتنمية المستدامة في القارة، ويمثّل أداة تنموية استراتيجية قادرة على إحداث تحولات نوعية في القطاعات الحيوية. ففي القطاع الزراعي، استخدمت الخوارزميات لتحليل بيانات الطقس والتربة بهدف زيادة الإنتاج وتقليل الفاقد من المحاصيل.
أما في القطاع الصحي، فقد ساهمت أنظمة التشخيص الذكي في مواجهة النقص الكبير في الكوادر الطبية، لا سيما في المناطق الريفية والنائية.
أما على الصعيد التعليمي، فقد ساهمت تقنيات التعلّم الذكي الجديدة في إحداث تحوّل في طرق التعليم، من خلال أساليب تعليمية موجهة وافتراضية، بما يعزز من تكافؤ الفرص وتقليل الفجوات في الوصول إلى المعرفة بين المتعلمين.
وفي هذا السياق؛ يشكّل الذكاء الاصطناعي في إفريقيا فرصة تنموية واعدة وتحديًا بنيويًا في آنٍ واحد، إذ ينطوي على إمكانيات كبيرة لإعادة توجيه مسار التنمية القارية نحو آفاق أكثر كفاءة وابتكارًا، وفي الوقت نفسه يثير تساؤلات جوهرية تتعلق بالتداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المصاحبة لتطبيقاته المتسارعة. فمن ناحية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في إعادة تشكيل عدد من القطاعات الحيوية في القارة الإفريقية؛ إذ تتيح تطبيقاته في مجال الرعاية الصحية تحسين دقة تشخيص الأمراض وتوسيع نطاق الخدمات الصحية، لا سيما في المناطق النائية والمحرومة.
وفي القطاع الزراعي، تسهم التحليلات الذكية في رفع الإنتاجية، وترشيد استخدام الموارد، وتقليل الفاقد، بما يعزز الأمن الغذائي. كما تفتح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم آفاقًا جديدة نحو نماذج تعليمية أكثر مرونة وتخصيصًا، قادرة على تلبية الاحتياجات المتباينة للمتعلمين عبر القارة، فضلاً عن ظهور العديد من المبادرات الأكاديمية والمجتمعية، أبرزها: The Deep Learning Indaba، Artificial Intelligence for Development (AI4D)، والتي تهدف إلى بناء وتعزيز القدرات المحلية وتطوير حلول للذكاء الاصطناعي تراعي السياقات الإفريقية المتعددة. وعلى الرغم من أن هذه المبادرات لا تزال في مراحلها الأولية، فإنها تمثل نواة حقيقية لنهضة رقمية واعدة، يمكن أن تكون قادرة على إعادة صياغة علاقة القارة الأفريقية بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وفق رؤية تستند إلى الابتكار والمسؤولية المجتمعية.
إلا أن الإشكالية الأساسية تتمثل في ضمان عدم تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتعميق الفجوة التنموية بين دول الشمال ودول الجنوب، أو إلى آلية جديدة لإعادة إنتاج التبعية الرقمية. ففي الوقت الذي تمتلك فيه القوى التكنولوجية الكبرى القدرة على تطوير هذه التقنيات والتحكّم في مساراتها، تواجه الدول الإفريقية تحديات هيكلية قد تعيق تحقيق التحوّل الرقمي في أفريقيا، تتمثل فيما يلي:
- محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية الرقمية، مثل انقطاع الكهرباء أو محدودية تغطية شبكة الإنترنت، الذي قد يشكل عائقًا رئيسيًا أمام توطين تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- ندرة البيانات المحلية الموثوقة التي قد تضعف من قدرة النماذج الذكية على تمثيل الواقع الإفريقي بدقة، مما قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة.
- غياب الإطار التشريعي والأخلاقي المنظّم لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن حماية الخصوصية وتعزيز الشفافية والمساءلة.
- كما يثير الاعتماد الكبير على البرمجيات والمنصات الأجنبية تساؤلات ومخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية الإفريقية، وإمكانية تحوّل القارة إلى مستودع للبيانات من دون امتلاك الأدوات اللازمة لتحليلها واستثمارها محليًا.
- نقص الكفاءات المتخصصة المتدربة.
ولتحقيق أقصى استفادة لإفريقيا من توظيف الذكاء الاصطناعي على نحو فعّال، بما يساهم في تحقيق تنمية مستدامة وشاملة وعادلة، يجب تبنّي مجموعة التوصيات التي تعالج الجوانب التقنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ما يلي أبرز هذه التوصيات:
- التعليم وبناء القدرات: الاستثمار في التعليم التقني والعلمي، من خلال تطوير مناهج متخصصة وبناء مهارات الشباب، إلى جانب تعزيز الشراكات الأكاديمية مع المؤسسات البحثية العالمية.
- الإطار القانوني والتنظيمي: وضع أطر تشريعية وقانونية واضحة لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تكفل حماية الخصوصية والبيانات، وتعزز الشفافية والأمن السيبراني، بما يحدّ من مخاطر التبعية التكنولوجية للقوى الخارجية.
- دعم الابتكار والريادة التكنولوجية المحلية: يحب تشجيع الابتكار المحلي من خلال دعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتوفير مصادر التمويل، وبرامج التدريب، وحاضنات الأعمال لمعالجة التحديات الإفريقية بحلول تقنية محلية.
- تطوير البنية التحتية الرقمية: يتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية تطوير مراكز البيانات، وخدمات الإنترنت عالية السرعة، والحوسبة السحابية، إلى جانب توسيع نطاق الوصول الرقمي في المناطق الريفية للحد من الفجوة الرقمية.
- التعاون الإقليمي والدولي: يعزز التعاون بين الدول الإفريقية، بدعم من المنظمات الإقليمية والدولية، تنسيق الجهود وتبادل الموارد والخبرات، بما يتيح توظيف الذكاء الاصطناعي بفاعلية في مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم والزراعة.
- الحد من المخاطر الاجتماعية: يجب مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل عبر برامج إعادة التأهيل المهني، وتوجيه السياسات نحو استحداث فرص عمل جديدة، مع توظيف هذه التكنولوجيا لمعالجة الفقر والهجرة والصراعات.
- القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية: ينبغي أن تعكس تطبيقات الذكاء الاصطناعي القيم الثقافية والاجتماعية الإفريقية، وأن تُستخدم لتعزيز العدالة الاجتماعية، ومواجهة التغيّر المناخي، وتحقيق الأمن الغذائي.
- الشفافية والمشاركة المجتمعية: تتطلب حوكمة الذكاء الاصطناعي إشراك المجتمع في عمليات اتخاذ القرار، وتعزيز الشفافية في استخدامه، لضمان استفادة جميع فئات المجتمع بشكل عادل من هذه التكنولوجيا.
ختامًا؛ يتضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تكنولوجيًا للقارة الإفريقية فحسب، بل أصبح ركيزة أساسية للتنمية الشاملة وصناعة المستقبل، وتوجهًا استراتيجيًا مرتبطًا مباشرة بتحقيق أهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 وأهداف التنمية المستدامة. ومن ثم، يتعين توظيف الإمكانيات الإفريقية لبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والبحث العلمي وريادة الأعمال، بما يمكّن القارة من تعزيز التنمية الشاملة وتحقيق العدالة الرقمية. كما تمثّل تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصًا واعدة في القطاعات الحيوية، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات بنيوية، ما يجعل القارة أمام خيارات مصيرية تحدد مستقبلها الرقمي والتنمية المستدامة. ويظل الرهان الأساسي مرتبطًا بقدرة الدول الإفريقية على الانتقال من دور المستهلك والمتلقي للتكنولوجيا إلى دور المنتج والمبتكر، عبر الاستثمار في رأس المال البشري، وبناء القدرات المحلية، وتعزيز البحث العلمي، وصياغة أطر تشريعية وأخلاقية تكفل الاستخدام الرشيد لهذه التقنيات. كما يُشكّل دعم المبادرات المحلية والأكاديمية، وتعزيز التكامل بين الجهود الوطنية والإقليمية، مدخلًا أساسيًا لتمكين القارة من توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً للتحول التنموي، بما يحقق تنميةً مستدامة تراعي الخصوصيات الإفريقية، وتمنح القارة حضورًا فاعلًا في المشهد الرقمي العالمي. ويظل تحقيق ذلك مرهونًا باتخاذ قرارات استراتيجية واعية من قِبل القيادات الإفريقية، إلى جانب تبنّي استراتيجيات وطنية وإقليمية متكاملة تُعزّز استقلالية القرار التكنولوجي للقارة، وتُحوّل الثورة الرقمية إلى أداة فاعلة لدعم مسارات التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، يُستشرف مستقبل الذكاء الاصطناعي في إفريقيا من خلال تبنّي تفكير نقديّ معمّق حول سُبل توظيف هذه التكنولوجيا بما يخدم شعوب القارة، بدلًا من أن تتحوّل إلى عامل يُساهم في تعميق الفجوة الرقمية أو إنتاج أنماط جديدة من التبعية التكنولوجية. فالمستقبل لن يكون حكرًا على من يمتلك الموارد المادية فحسب، بل على أولئك القادرين على تحويل المعرفة إلى مسارات فاعلة للتنمية المستدامة.
*خبيرة الشؤون الأفريقية في مركز معلومات مجلس الوزراء المصري

