شؤون آسيوية – بروكسل –
عقد الاتحاد الأوروبي قمة طارئة مساء الخميس، حتى في الوقت الذي علق فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤقتا الرسوم الجمركية التي كان قد هدد بفرضها على ثماني دول أوروبية وسط توترات متصاعدة بشأن غرينلاند.
وقال مراقبون أوروبيون إن القمة عكست جهدا أوسع نطاقا لإعادة ضبط العلاقات عبر الأطلسي، حيث دفعت الضغوط الأمريكية المتعلقة بغرينلاند والتجارة أوروبا إلى إعادة تقييم افتراضاتها الراسخة بشأن حليفها التقليدي. وأشار محللون إلى أن تزايد المواجهات بين أوروبا والولايات المتحدة يؤكد أن الأساليب القسرية التي تحمل طابع الهيمنة غالبا ما تأتي بنتائج عكسية، حيث تغذي المقاومة بدلا من الامتثال.
– تراجع تكتيكي من واشنطن
بعد أيام من المساومات المكثفة، خفت حدة التوترات عندما أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى “اتفاق إطاري” بشأن القضايا المتعلقة بغرينلاند، والأخرى ذات الصلة بتعليق الرسوم الجمركية التي كانت قد هددت بفرضها على ثماني دول بلدان أوروبية.
وعقب القمة الطارئة، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الإجراءات المضادة التي اتخذتها أوروبا أثبتت فعاليتها. وشدد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا على أن الاتحاد الأوروبي سيدافع عن مصالحه في مواجهة أي شكل من أشكال الإكراه.
وقال محللون أوروبيون إن التكتل اتخذ موقفا أكثر حزما في المفاوضات. فبينما أرسلت أوروبا في البداية قوة عسكرية رمزية إلى غرينلاند، صوت البرلمان الأوروبي لاحقا على تعليق الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كخطوة انتقامية. وقالت نائبة رئيس وزراء السويد إيبا بوش إن محاولات استرضاء ترامب من خلال الإطراء، كما حدث في الماضي، لن تنجح.
وأفادت وسائل الإعلام الأمريكية بأن الإجراءات المضادة الأوروبية تسببت في اضطراب السوق، وهو ما قد يكون سببا في دفع واشنطن إلى التراجع. وذكر المنفذ الإعلامي الأمريكي (بوليتيكو) أن مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” فقد أكثر من 1.2 تريليون دولار أمريكي من قيمته السوقية. وبعد ذلك عدّل ترامب موقفه، في تكرار لتراجع مماثل في السياسات المتعلقة بالرسوم الجمركية بعد خسائر السوق العام الماضي.
وعلى الرغم من التهدئة المؤقتة، لا يزال القادة الأوروبيون حذرين. فقد واصل ترامب الضغط من أجل الاستحواذ على غرينلاند، مدعيا أن الولايات المتحدة ستحصل على “وصول كامل” إلى الإقليم الدنماركي من خلال الاتفاق الإطاري.
وكتب بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، على منصة التواصل الاجتماعي ((إكس)) قائلا إنه “لا مجال للشعور الزائف بالأمان. التهديد التالي قادم لا محالة”. كما حذر نائب المستشار ووزير المالية الألماني لارس كلينغبايل من التفاؤل السابق لأوانه.
– أوروبا تقف عند مفترق طرق
يرى مراقبون أن التحول في العلاقات عبر الأطلسي هيكلي ولا رجعة فيها، حتى مع انحسار الخلاف بشأن غرينلاند في الوقت الحالي. وأشار ((بوليتيكو أوروبا)) إلى أن القمة الطارئة التي عقدها الاتحاد الأوروبي سارت كما هو مخطط لها، مما يعكس الشكوك الأوروبية العميقة تجاه واشنطن.
وانضمت قلة من الدول إلى “مجلس السلام” الذي اقترحته الولايات المتحدة وكُشف عنه هذا الأسبوع. وقال كوستا إن الاتحاد الأوروبي لديه مخاوف جدية بشأن نطاق المبادرة وحوكمتها وتوافقها مع ميثاق الأمم المتحدة.
ومن طموحات ترامب بشأن غرينلاند إلى انتقاداته الحادة لأوروبا في منتدى دافوس، قالت وسائل الإعلام الأوروبية إن القارة أدركت الحاجة إلى صحوة استراتيجية. وقال مسؤول أوروبي، فضل عدم الكشف عن هويته، لـ((بوليتيكو)) إن ازدراء ترامب لأوروبا أصبح مستمرا، مضيفا أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلالية ويتخلى عن الأوهام بشأن الولايات المتحدة.
وصرح رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر بأن الاتحاد الأوروبي “يقف عند مفترق طرق”، بينما دعت فون دير لاين أوروبا إلى اغتنام اللحظة لبناء قدر أكبر من الاستقلالية. وأشار محللون إلى أنه في الوقت الذي لا تستطيع فيه أوروبا قطع علاقاتها مع واشنطن بشكل مفاجئ، فإنها ستسعى إلى تحقيق استقلالية استراتيجية بطريقة تدريجية وواقعية.
وفي هذا الصدد، قالت كريستين نيسن، كبيرة المحللين في مركز أوروبا للأبحاث في كوبنهاغن، إن أوروبا ستمضي قدما من خلال بناء شراكات تجارية جديدة وتعزيز الإنتاج المحلي للسلع والخدمات الأساسية، فيما نبّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يظل يقظا ومستعدا للرد بحزم على التهديدات الجديدة.
– الهيمنة تأتي بنتائج عكسية
ذكرت العديد من المنافذ الإعلامية والخبراء أن نهج واشنطن المتشدد أثار رد فعل عكسيا بين الحلفاء الأوروبيين. وأشار مقال نُشر في ((بروجكت سنديكيت)) إلى أن أساليب التنمر قد تؤدي إلى تنازلات قصيرة الأجل، لكنها في النهاية تدفع الحلفاء إلى تقليص اعتمادهم على الولايات المتحدة وتشكيل تحالفات جديدة.
وفي دافوس، دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى بناء “نظام جديد”، وهو ما قوبل بتصفيق حار من الحضور.
من جهته، قال مانويل لوف، الأستاذ المشارك في جامعة بورتو، إن التاريخ يبين أن القوى المهيمنة غالبا ما تنهار تحت وطأة المقاومة التي تولدها. وأضاف أن مثل هذه العلاقات غير المتكافئة تتسبب في تراكم معارضة تنقلب في النهاية على القوة المهيمنة نفسها.
وقد أعرب مقال نُشر في ((نيوزويك)) عن هذا الرأي، محذرا من أنه مع تنامي قوة الحلفاء السابقين، تخاطر الولايات المتحدة بأن تُحصر في مجالات نفوذ أضيق.
وأفاد المقال بأن “أمريكا أصبحت بسرعة قوة إقليمية أكثر منها قوة عالمية”، مشيرا إلى أن سياسات واشنطن نفسها ساهمت في تسريع هذا الاتجاه.
المصدر: شينخوا

