شؤون آسيوية – خاص –
يتّسع مشهد المواجهة في المنطقة بوتيرة متسارعة منذ صباح السبت الماضي، مع تحوّل العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات، تتداخل فيها الرسائل الدبلوماسية مع الصواريخ الباليستية، وتتصاعد فيها الأرقام العسكرية والإنسانية على حدّ سواء.
في هذا السياق، وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، الاثنين، رسالة رسمية إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، على خلفية ما وصفه بالعدوان الأميركي–الإسرائيلي على بلاده.
عراقتشي حذّر من أن التقاعس عن محاسبة الولايات المتحدة و”الكيان الإسرائيلي” سيُلحق مزيداً من الضرر بالقوانين الدولية، معتبراً أنّ اغتيال قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي يشكّل “عملاً إرهابياً جباناً وانتهاكاً صارخاً للقوانين والمقررات الدولية”، ويقوّض أسس المساواة في السيادة بين الدول واستقرار النظام الدولي، ودعا، باسم بلاده، الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى الوفاء بمسؤولياتهما.
تأتي هذه الرسالة في ظل استمرار الهجمات منذ صباح أول أمس السبت، والتي أدّت، وفق المعطيات الإيرانية، إلى استشهاد مئات الإيرانيين، في مقدّمهم قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، إلى جانب عدد من القادة السياسيين والعسكريين.
لا تفاوض بظل العدوان
سياسياً، رسم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني موقفاً حاسماً، مؤكداً أنّ إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة، واعتبر اعتبر أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أغرق المنطقة في الفوضى بآماله الكاذبة”، وهو الآن قلق من وقوع مزيد من الخسائر في صفوف القوات الأميركية.
ورأى أنّ ترامب حوّل شعار “أميركا أولاً” إلى “إسرائيل أولاً”، وضحّى بالجنود الأميركيين في سبيل سعي إسرائيل للسلطة، مضيفاً أنّ الشعب الإيراني يدافع عن نفسه وأن القوات المسلحة الإيرانية لم تبدأ الغزو.
تصريحات لاريجاني جاءت تعليقاً على ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال عن مبادرة قيل إنه قدّمها عبر وسطاء من سلطنة عُمان لاستئناف المحادثات مع واشنطن، إلا أنّه نفى عملياً هذا المسار بالتشديد على رفض التفاوض في ظل العدوان المستمر، الذي استهدف مناطق واسعة من البلاد وأدّى إلى استشهاد عدد من القادة الإيرانيين.
موجة تاسعة من الصواريخ على حيفا والقدس وتل أبيب
على المستوى الميداني، أعلن حرس الثورة الإسلامية في إيران بدء الموجة التاسعة من عملية “الوعد الصادق 4” ضد أهداف في أنحاء الأراضي المحتلة كافة وأهداف أميركية في المنطقة. ووفق بيان العلاقات العامة للحرس، قُتل 40 “صهيونياً” وجُرح 60 في حيفا من جراء الموجة الجديدة من الهجمات الجوية.
من جهتها، أفادت منصات إعلامية إسرائيلية بإصابة 7 مستوطنين جرّاء سقوط صاروخ إيراني في القدس المحتلة، مع ترجيح ارتفاع العدد بعد الدمار الكبير الذي خلّفه الصاروخ، وتزامن سقوطه مع اجتماع الكابينت “في مكان سري في منطقة محصنة”. كما رُصدت موجة صواريخ جديدة استهدفت حيفا ويافا “تل أبيب” والقدس، بالتوازي مع دوي صفارات الإنذار في الجليل والجولان وبقية مناطق الشمال.
وسقطت صواريخ في “كريات أونو”، وأخرى استهدفت قاعدة “حتسريم”، بالتوازي مع انهيار جزء من مبنى في “تل أبيب”. وأُطلقت صلية من ستة صواريخ باتجاه الوسط “هاشبلا والقدس”، فيما تحدّثت تقارير عن سقوط شظايا صواريخ اعتراض في منطقة الوسط والقدس.
كذلك أطلقت إيران صاروخاً انشطارياً في الضربة الأخيرة في منطقة الوسط، ما تسبّب بأضرار وحرائق في عدة مناطق في المركز، منها “تل أبيب”. وأفادت تقارير إسرائيلية بأن نحو 70 صاروخاً باليستياً أُطلقت خلال 24 ساعة من الأراضي الإيرانية باتجاه إسرائيل.
مئات الإصابات داخل إسرائيل
وزارة الصحة في حكومة الاحتلال أعلنت أن مجموع الإصابات التي دخلت المستشفيات منذ بدء الحرب على إيران بلغ 706 إصابات، بينها 386 السبت و320 الأحد، وفق أحدث البيانات.
وكانت سلطات الاحتلال قد أقرت بمقتل 9 مستوطنين على الأقل وفقدان نحو 11 آخرين جرّاء هجوم إيراني على منطقة “بيت شيمش” في القدس المحتلة، وجرح العشرات.
كما ذكر مركز “علما” الإسرائيلي أن 89 موجة هجوم نُفّذت ضد إسرائيل منذ صباح السبت، توزعت بين الشمال والوسط والقدس والجنوب.
استهداف القواعد الأمريكية في الخليج
في المقابل، أعلنت العلاقات العامة لحرس الثورة أنّ الاستهدافات التي طالت قواعد أميركية في عدد من دول المنطقة أدّت إلى مقتل وإصابة نحو 560 عسكرياً أميركياً، وفق البيان رقم 8 لعمليات “الوعد الصادق 4″، وأشار البيان إلى أنّ استمرار صفارات الإنذار وتحركات سيارات الإسعاف داخل القواعد الأميركية والإسرائيلية يعكس حالة ارتباك وأزمة نفسية في صفوف العسكريين الأميركيين والمستوطنين الإسرائيليين، مؤكداً استمرار الضغوط العسكرية.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” مقتل 3 جنود أميركيين وإصابة آخرين جراء الاستهدافات الإيرانية التي طالت قواعد في المنطقة.
وبحسب المعطيات الإيرانية، خرجت قاعدة “علي السالم” الأميركية في الكويت عن الخدمة إثر الاستهدافات الأخيرة، كما جرى تدمير ثلاث منشآت بنى تحتية بحرية تابعة لقاعدة “محمد الأحمد” في الكويت. وفي البحرين، تعرّضت القاعدة البحرية الأميركية في ميناء سلمان لإصابات بأربع طائرات مسيّرة، ما أدى إلى أضرار كبيرة في مراكز القيادة والإسناد، كما استُهدف مقر إقامة عسكريين أميركيين بصاروخين بالستيين. وتحدثت المعلومات عن استهدافات متتالية طالت قواعد أميركية أخرى في المنطقة.
ووفق المعطيات نفسها، تعرّضت ثلاث ناقلات نفط تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا في الخليج ومضيق هرمز لإصابات صاروخية، ما أدى إلى اندلاع حرائق فيها.
إسقاط مسيرات وضرب حاملة طائرات
كما أعلن حرس الثورة استهداف حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” بأربعة صواريخ، موضحاً أنها غادرت موقع مهمتها بعد الهجوم متجهة نحو جنوب شرق المحيط الهندي، وأشار إلى إصابة سفينة دعم أميركية قبالة تشابهار بطائرات مسيّرة وصواريخ، ما أدى إلى تعطيلها وخروجها من الخدمة.
كذلك أعلن تدمير رادار “ثاد” التابع لشبكة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية في الرويس بالإمارات بشكل كامل.
وفي الإطار نفسه، أعلن الحرس إسقاط طائرتين مسيّرتين من طراز “هيرمس” في تبريز وخرمآباد، مؤكداً أن إجمالي المسيّرات التي أُسقطت بلغ 17 من هذا الطراز وطائرة واحدة من طراز “MQ-9” بنيران الدفاع الجوي التابع له.
الجيش الإيراني بدوره أعلن، في بيانه رقم 5، استهداف وإسقاط 10 طائرات مسيّرة متطورة من أنواع مختلفة، كانت غالباً من طراز “هيرمس”، في طهران وخوزستان وأصفهان وغرب وشمال غرب البلاد ومنطقة فوردو، مشيراً إلى أن إجمالي المسيّرات المدمّرة منذ بداية الحرب بلغ 22.
العراق ولبنان على خط المواجهة
إقليمياً، اتّسع نطاق الهجمات ليشمل العراق، حيث أفاد مراسل الميادين في الأنبار عن عدوان بالطيران الحربي على منطقة القائم عند الحدود العراقية–السورية، ما أسفر عن ارتقاء أربعة شهداء وعدد من الجرحى في حصيلة أولية. كما استُهدفت منطقة جرف النصر شمالي محافظة بابل، بعدما كانت قد تعرّضت لعدوان سابق أدى إلى ارتقاء شهيدين وإصابة ثلاثة. وتزامن ذلك مع إعلان فصائل المقاومة العراقية، ولا سيما كتائب حزب الله، استعدادها لدعم إيران في مواجهة العدوان.
وفي لبنان، أعلنت المقاومة الإسلامية استهداف موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع لجيش الاحتلال جنوبي حيفا المحتلة، بصلية من الصواريخ النوعية وسرب من المسيّرات. وأكدت في بيان أن العملية تأتي “ثأراً للدم الزاكي” للسيد علي خامنئي، ودفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. وشددت على أن الرد دفاعي مشروع، وأن استمرار العدوان الممتد منذ خمسة عشر شهراً لا يمكن أن يمر من دون رد تحذيري.
فجر اليوم، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بدوي صفارات الإنذار في شلومي ورأس الناقورة وشتولا شمالي فلسطين المحتلة، قبل أن تمتد إلى حيفا والكرمل وصفد وروش بينا. القناة 12 الإسرائيلية نقلت عن مسؤولين أمنيين أن حزب الله هو من أطلق الصواريخ من جنوب لبنان، وأن “الرد سيكون قاسياً للغاية”. وكان حزب الله قد أصدر بيان تعزية بخامنئي، مؤكداً وقوفه إلى جانب إيران قيادة وحكومة وحرساً ثورياً وجيشاً وشعباً.
قصف مستشفى ومدارس في إيران
في طهران، استهدف العدوان الأميركي–الإسرائيلي مستشفى “غاندي” شرقي العاصمة، الذي أكد أن استهداف المستشفى يمثل تحدياً سافراً لكل المواثيق والأعراف الدولية، وذكرت وكالة “فارس” أن الممرضات نقلن الأطفال الرضّع وسط القصف، فيما تحدثت وكالة “تسنيم” عن قصف مبنى قيادة شرطة مدينة ري والمنازل السكنية المجاور، كما تعرّضت أجزاء من مبنى الإذاعة والتلفزيون الإيراني لعدوان، وفُعّلت مضادات الدفاع الجوي بكثافة في أجواء العاصمة.
واستشهدت حفيدة قائد الثورة، زهرا محمدي غلبايغاني (14 شهراً)، في العدوان، وأعلنت وزارة التربية الإيرانية ارتفاع عدد الطالبات الشهيدات في مدرسة ميناب بمحافظة هرمزكان إلى 165 جراء استهدافها، كما استُشهد ثلاثة طلاب من مدينة لامرد جنوب محافظة فارس وأستاذ في مدرسة التربية البدنية إثر قصف صالة رياضية.
ومن جهته، أعلن قائد الشرطة الإيرانية، العميد أحمد رضا رادان، أن البلاد تمر بظروف حرب، مؤكداً وضع جميع القوات الحدودية في حالة استنفار كامل للتعامل بحزم مع أي تحرك مشبوه، معتبراً أن “العدو وأذنابه يسعون لضرب وحدة الشعب الإيراني”.
مخاوف من استنزاف الذخائر
دولياً، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن قاعدة سلاح الجو الملكي في قبرص المعروفة باسم “أكروتيري” تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة. الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس قال إن القاعدة تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة من طراز “شاهد”، فيما تحدثت السلطات القبرصية عن أضرار محدودة.
في الخلفية، نقلت وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة تسارع لتدمير قوة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قبل نفاد صواريخها الاعتراضية، في ظل خضوع مخزون الذخائر الأميركية للاختبار، حيث أشار الجنرال الأعلى في الجيش الأميركي إلى مخاطر شن هجوم كبير ومطول على إيران، لاسيما ما يتعلق بمخزون الذخائر.
كما نقلت الصحيفة عن باحثين أن الصراعات المتكررة مع إيران وحلفائها تؤثر سلباً على إمدادات الدفاعات الجوية، وأن الذخائر التي تعاني نقصاً لا تقتصر على صواريخ الاعتراض بل تشمل أيضاً صواريخ “توماهوك” وأسلحة تُطلق من الطائرات.
ولفتت إلى مخاوف إسرائيلية من نقص في صواريخ “آرو 3” الاعتراضية وصواريخ باليستية تُطلق من الجو.

