شؤون آسيوية – بكين –
كتبت وكالة أنباء “شينخوا”: من احتجاجات داخل إيران إلى إرسال واشنطن مجموعتين قتاليتين لحاملات الطائرات إلى منطقة الشرق الأوسط، ومن انتظار جولة المفاوضات الفنية الأمريكية-الإيرانية في فيينا إلى إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق… لم يكن معظم المراقبين يتوقعون أن تتطور الأوضاع بهذه الوتيرة المتسارعة، التي بلغت ذروتها السبت بمقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
ويرى خبراء صينيون أن هذا الهجوم يعد الثالث الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران خلال تسعة أشهر، كما أنه ثاني تحرك عسكري تنفذه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد دولة أخرى في أقل من شهرين. ويحذر الخبراء من أن”إدمان الحرب” لدى واشنطن وتل أبيب قد يدفع الشرق الأوسط إلى حلقة صراع كارثية جديدة.
ــ توقيت الهجوم ودلالاته
في اليوم الأول من العملية العسكرية التي حملت اسم “زئير الأسد” إسرائيليا و”ملحمة الغضب” أمريكيا، أعلنت طهران مقتل المرشد الأعلى ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وفقا لبيانات رسمية إيرانية.
ويمثل هذا التطور نقطة تحول كبيرة في مسار الصراع بالشرق الأوسط، ليس فقط من حيث حجمه واتساع نطاق عملياته، بل أيضا من حيث طبيعته المعلنة التي تجاوزت منطق احتواء البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين إلى خطاب صريح يتحدث عن إسقاط النظام. ويرى الخبراء أن هذا التحول يضع المنطقة أمام معادلة جديدة عنوانها حرب ذات أهداف صفرية، تتجاوز الردع إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
ورغم أن مؤشرات التصعيد سبقت الهجوم، مع الحشد العسكري الأمريكي وسحب عدة دول رعاياها وموظفي بعثاتها الدبلوماسية من طهران، فإن اختيار ساعات الصباح بتوقيت العاصمة الإيرانية لشن الضربات أثار تساؤلات واسعة. فعادة ما جرت معظم العمليات العسكرية الإسرائيلية الواسعة ليلا، حيث اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل على تقنيات الرؤية الليلية ومباغتة الخصم خلال فترات الراحة لتعزيز عنصر المفاجأة وتقليل الخسائر.
ويفسر وو بينغ بينغ، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة بكين، هذا التوقيت بثلاثة أسباب رئيسية: أولا، تحقيق ميزة تكتيكية عبر كسر التوقعات التقليدية المرتبطة بالهجمات الليلية. ثانيا، اعتبارات تقنية، إذ تسهل الإضاءة النهارية تحديد الأهداف بدقة لبعض الأسلحة الموجهة. ثالثا، توجيه رسالة ترهيب واضحة، إذ إن تنفيذ الهجوم نهارا، بعد إعلان الحشد العسكري الأمريكي مسبقا، يعد استعراضا صريحا للقوة أمام إيران.
وقال باو تشنغ تشانغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط من جامعة شانغهاي للدراسات الأجنبية، ” من المؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل أجرتا تنسيقا وثيقا في العملية العسكرية، ما يمكنهما من تحقيق أقصى قدر من تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مجال الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ”.
واستشهد بما ذكرته وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلا عن الجيش الإسرائيلي بما لديه من معلومات استخباراتية تفيد بأن القيادات الإيرانية البارزة كانت في مكاتبهم أو مقار القيادة على رأس العمل أو في اجتماعات قبل لحظات الهجوم.
ــ النظام الإيراني بعد مقتل خامنئي
ينص الدستور الإيراني على أن المرشد الأعلى يُنتخب من قبل مجلس خبراء القيادة، الذي يتألف من 88 عالم دين منتخبين. وفي حال تعذر على المرشد أداء مهامه، يعقد المجلس اجتماعا مغلقا لاختيار خلف له. ولا يوجد وريث تلقائي للمنصب، بل يشترط في المرشح المكانة الدينية والولاء السياسي والدعم المؤسسي.
ويخضع مجلس خبراء القيادة لإشراف مجلس صيانة الدستور، كما يمكن نظريا تشكيل مجلس قيادة جماعي، وإن لم يُطبق ذلك سابقا. وخلال الفترة الانتقالية، تتولى هيئة مؤقتة تضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور صلاحيات المرشد الأعلى.
ولذلك، من المقرر ــ بحسب وسائل اعلام ايرانية ــ أن يضم المجلس الرئيس مسعود بيزشكيان ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي، على أن يتولى أعضاؤه مؤقتا جميع مهام القيادة.
وأشار باو تشنغ تشانغ إلى أن مستقبل النظام الإيراني يعتمد على توازنات القوى الداخلية، وتفاعل المؤسسات الدينية والعسكرية، وضغط الشارع والمجتمع الدولي، مع هيمنة الاتجاهات المحافظة على المشهد في الوقت الراهن.
ومن جانبه، لفت لي تسي شين الباحث في معهد الصين للدراسات الدولية، إلى أن هناك أنباء تفيد بأن خامنئي كان قد حدد ثلاثة مرشحين محتملين لخلافته كمرشد أعلى في العام الماضي لينتخب واحدا منهم مجلس خبراء القيادة.
وأضاف أنه تم تعيين ايضا أربعة مرشحين بدلاء مسبقا لكل منصب حكومي رفيع يخضع لإشراف خامنئي المباشر، ما يعزز من احتمالات الحفاظ على الاستقرار السياسي في إيران على المدى القصير.
لكن لي أكد في نفس الوقت أنه على الرغم من ذلك، لم يعلن خامنئي علنيا عن قائمة ترشيحات رسمية لخلافته، ولا أحد يعرف ما سيخلفه بالضبط، مشيرا إلى أن وفاة خامنئي ستُعزز من تضافر المحافظين المتشددين داخليا، لكن المجتمع الإيراني، بعد سلسلة الحركات الاجتماعية، يعاني من تصدعات واضحة، ما يعني أن النظام الإيراني سيواجه ضغطا أكبر من أي وقت مضى.
ــ سيناريوهات محتملة
ويرى الخبراء الصينيون أن العمليات الأمريكية ــ الإسرائيلية، من حيث نطاقها وحجمها والأهداف المعلنة، تبدو أقرب إلى ضربة عسكرية مخططة ومعدة سلفا، لا مجرد “هجوم صاعق استعراضي”. وفي المقابل، يرجح أن يقود رد الفعل الإيراني إلى دورة صراع عسكري أطول وأوسع نطاقا، مع احتمالات تصعيد انتقامي ومواجهة ممتدة.
وفي هذا السياق، قال ليو تشانغ، الخبير في معهد الصين للدراسات الدولية، إن العملية تحمل سمات “الضربة الاستباقية” القوية، وقد تشكل “ضربة تمهيدية” لسلسلة إجراءات طويلة الأمد تستهدف إحداث “تغيير في النظام” داخل إيران. وتركز الأهداف، بحسب تقديره، على تحييد قدرة القيادة الإيرانية العليا على التوجيه والسيطرة، وتفتيت مراكز القرار، وإضعاف إرادة المقاومة داخليا.
لكنه أشار أيضا إلى احتمال أن تنطوي هذه التحركات على استراتيجية “التفاوض عبر الهجوم”، أي استخدام التصعيد العسكري كأداة ضغط لدفع طهران نحو تقديم تنازلات سياسية أو أمنية.
ومع دخول المواجهة يومها الثاني، تزايدت مؤشرات اتساع نطاق الرد الإيراني، إذ شنت طهران هجمات صاروخية متزامنة استهدفت مدنا إسرائيلية ومحيط قواعد عسكرية أمريكية في بعض دول الخليج العربي ومنطقة بلاد الشام.
وقال باو تشنغ تشانغ إن هذه الضربات الصاروخية نفذت وفق خطط معدة سلفا لما بعد مقتل المرشد الأعلى، ما يدل على أن آليات الانتقام تعمل بصورة شبه تلقائية، دون أن تتأثر مباشرة بتغير القيادة السياسية.
وأضاف أن مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين البارزين قد يدفع الحرس الثوري إلى تبني ردود أكثر حدة، حفاظا على مكانته الرمزية وتماسكه الداخلي، ومنعا لأي تصدعات في بنية النظام. وأكد أن المنطقة بأسرها لا تزال عرضة لخطر تصعيد قد يمتد لأسابيع أو أكثر، سواء حتى استنزاف قدرات الطرفين، أو إلى حين تدخل وساطة دبلوماسية فاعلة.
وبغض النظر عن النوايا الفعلية لواشنطن وتل أبيب، أو الكيفية التي قد تختتم بها العملية العسكرية، فإن هذا الحدث المفصلي قد يفتح ما يشبه “صندوق باندورا” في الشرق الأوسط، دافعا المنطقة إلى دوامة من التوترات والمخاطر غير المحسوبة. وتظهر تجارب سابقة في الإقليم أن الصراعات غالبا ما تتسع بسرعة غير متوقعة، على نحو يقوض الاستقرار الإقليمي برمته.
المصدر: شينخوا

