شؤون آسيوية – بكين –
استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ كبار الدبلوماسيين ورؤساء الهيئات الدائمة لمنظمة شانغهاي للتعاون في قاعة فوجيان المشرقة والفخمة في قاعة الشعب الكبرى في وسط بكين.
وشدد شي في الاجتماع على أن “الصين دائما منحت الأولوية لمنظمة شانغهاي للتعاون في دبلوماسية الجوار الخاصة بها، وهي ملتزمة بجعل المنظمة أكثر أهمية وقوة”. ويعكس هذا التعهد الجهود الدؤوبة التي تبذلها الصين منذ سنوات لتعزيز جوار ودي قائم على السلام والتنمية على منصة منظمة شانغهاي للتعاون.
وتقوم سياسة الجوار الصينية، كما أوضح شي خلال زيارته الأخيرة في يونيو إلى أستانا في كازاخستان، على إيمان راسخ بجوار ودي وآمن ومزدهر، بالإضافة إلى التزام قوي بالصداقة والإخلاص والمنفعة المتبادلة والشمول.
وفي الأيام المقبلة، سيستضيف الرئيس شي قمة منظمة شانغهاي للتعاون لهذا العام في مدينة تيانجين الساحلية الشمالية، حيث سيضع هو وقادة المنظمة إستراتيجيات لتعزيز قدر أكبر من الأمن والازدهار الإقليميين، واتخاذ خطوات متينة نحو بناء مجتمع أوثق للمنظمة ذي مستقبل مشترك.
— رابطة حسن الجوار والشراكة
قام الرئيس شي بثلاث زيارات خارجية حتى الآن هذا العام. اثنتان من الوجهات، روسيا وكازاخستان، هما من الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون.
ولدى وصوله إلى المطار في أستانا خلال الزيارة التي أجراها في يونيو للمشاركة في قمة الصين-آسيا الوسطى الثانية، اسُتقبل شي استقبالا حارا من قبل صديقه القديم، الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف. وكانت هذه هي الزيارة السادسة التي يقوم بها شي إلى هذا البلد المجاور منذ أن أصبح رئيسا للصين.
والهدف من قمة الصين-آسيا الوسطى هو توطيد روابط الصين مع الدول الجارة غير الساحلية الواقعة على طول طريق الحرير القديم.
وقال شي في التجمع إن “هناك قول مأثور في آسيا الوسطى يشبه الانسجام والوحدة بالسعادة والثروة”، مضيفا “نحن دائما نتمنى الخير لجيراننا”.
ان الصين من الدول التى لديها أكبر عدد من الدول الجارة في العالم. ولعقود من الزمان، شكل تعزيز شراكات أوثق مع الدول المجاورة ركيزة في صياغة سياسة بكين الخارجية. وقد أولى شي اهتماما خاصا ببناء جيرة سلمية وودية.
في عام 2013 عندما انُتخب لأول مرة رئيسا للدولة في الصين، طرح شي مبدأ “الصداقة والإخلاص والمنفعة المتبادلة والشمول” في اجتماع حول دبلوماسية الجوار الصينية، وهو أول مؤتمر من نوعه يعقد منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949.
وفي المؤتمر المركزي حول العمل المتعلق بالدول المجاورة الذي عُقد في بكين في أبريل، دعا شي إلى بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك مع الدول المجاورة.
لقد كان حسن الجوار موضوعا ثابتا في جدول أعمال شي على منصة منظمة شانغهاي للتعاون. وفي مشاركته الأولى في قمة بيشكيك للمنظمة في عام 2013، اقترح شي التنفيذ الجاد لمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون على المدى الطويل بين الدول الأعضاء في المنظمة. وقد وصف شي كلا من المعاهدة وميثاق المنظمة بأنهما وثيقتان “تحددان المبادئ وتقدمان التوجيه للدول الأعضاء في المنظمة في عملها”.
في السنوات التالية، اقترح الرئيس الصيني خطة عمل للفترة 2018-2022 لتنفيذ معاهدة حسن الجوار التي وضعتها منظمة شانغهاي للتعاون، ودفع من أجل اعتمادها في قمة تشينغداو التاريخية في عام 2018، والتي كانت المرة الأولى التي يستضيف فيها شي قمة للمنظمة في الصين. وتم اعتماد خطة شاملة للفترة 2023-2027 بشأن تنفيذ المعاهدة في عام 2022 في سمرقند بأوزبكستان.
وتتبنى منظمة شانغهاي للتعاون، التي لا تنخرط في تحالفات أو تستهدف جهات أخرى، الانفتاح والشمولية. وبحسب كلمات شي، فهي تشبه “عائلة كبيرة”. على مر السنين، عملت الصين على تعميق العلاقات مع الأعضاء المؤسسين للمنظمة والشركاء الجدد على حد سواء. وبتوجيه من روح شانغهاي، التي تقوم على الثقة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والمساواة والتشاور واحترام الحضارات المتنوعة والسعي إلى تحقيق التنمية المشتركة، نمت لتصبح منظمة إقليمية شاملة ذات تغطية جغرافية وسكانية هي الأوسع في العالم حيث تضم 10 دول أعضاء ودولتين مراقبتين و14 شريك حوار.
وأصبحت بيلاروس رسميا العضو العاشر في المنظمة خلال قمة أستانا العام الماضي. وفي يونيو، استقبل شي الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في مجمع تشونغنانهاي ببكين. وقال لوكاشينكو لشي خلال زيارته إنه شعر حقا بدفء الصداقة العميقة التي يقدمها الجانب الصيني.
ويعد هذا أحد الأمثلة على التبادلات المنتظمة بين شي وقادة المنظمة الآخرين. فمنذ عام 2023، التقى بقادة الدول الأعضاء في المنظمة أكثر من 20 مرة — سواء على هامش قمم المنظمة، أو في اجتماعات أخرى متعددة الأطراف، أو خلال زياراتهم للصين. وساعدت هذه التفاعلات رفيعة المستوى ليس فقط على تعزيز التنسيق داخل المنظمة، وإنما أيضا في بناء علاقات شخصية أوثق بين قادتها.
وقال شي ذات مرة: “بين الأقارب والأصدقاء على حد سواء، مع تزايد التفاعل، تنمو المودة”.
— بيت مشترك للسلام
تلألأ الزجاج الأزرق للواجهة العصرية لقصر الاستقلال تحت أشعة الشمس عندما وصل قادة منظمة شانغهاي للتعاون إلى أستانا في يوليو من العام الماضي للمشاركة في اجتماعهم السنوي. وفي كلمته التي ألقاها في أول اجتماع لمجموعة “منظمة شانغهاي للتعاون بلس” على الإطلاق، دعا شي إلى بناء بيت أكثر جمالا للمنظمة، وجعل بناء “بيت مشترك للسلام والسَكيِنَة” من بين الأولويات الخمس.
وتأسست منظمة شانغهاي للتعاون قبل أكثر من عقدين من الزمن عندما كانت تحديات الأمن الحادة المتمثلة في الإرهاب والانفصالية والتطرف — المعروفة بـ”قوى الشر الثلاث” — تشكل تهديدات خطيرة في آسيا الوسطى والمناطق المجاورة. ومنذ تأسيسها في عام 2001، جعلت المجموعة من صون الأمن الإقليمي ركيزة أساسية للتعاون.
وقال شي في أستانا إن “الأمن شرط أساسي للتنمية الوطنية، والسلامة هي شريان الحياة لسعادة الشعب”.
وعلى مدى سنوات، دافع الزعيم الصيني عن تعزيز التعاون الأمني لتوفير خطوط دفاع لأعضاء المنظمة. وخلال قمة دوشانبه في عام 2014، اقترح شي اتفاقية منظمة شانغهاي للتعاون بشأن مكافحة التطرف. وقد وقعت الدول الأعضاء على الاتفاقية في أستانا في عام 2017.
كما كان الزعيم الصيني مناصرا قويا لجهود المنظمة في مكافحة الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة والإرهاب السيبراني، مما أدى إلى تحقيق نجاحات ملحوظة.
لنأخذ مكافحة الاتجار بالمخدرات كمثال. تنظم المجموعة عمليات مكافحة المخدرات بانتظام، وقد جددت إستراتيجيتها لمكافحة المخدرات لمدة 5 سنوات. وفي أحدث تطوراتها، نفذ أعضاء المنظمة عملية لمكافحة المخدرات أُطلق عليها اسم “ويب” في وقت سابق من هذا الشهر، حيث ترأست الصين مقر التنسيق. وأسفرت العملية عن ضبط قرابة 10 أطنان من المخدرات وكشفت 1151 جريمة متعلقة بالاتجار غير المشروع بالمخدرات.
وبخلاف منظمة شانغهاي للتعاون، يسعى الزعيم الصيني كذلك إلى تعزيز الأمن المشترك في المنطقة من خلال قنوات أخرى للتعاون، مؤكدا أن “رؤية الوئام والتعايش السلمي تشكل الأساس لدبلوماسية الجوار الصينية”.
وفي قمة شانغهاي لعام 2014 لمؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا، طرح شي رؤية تقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام. وفي المؤتمر السنوي لمنتدى “بوآو” الآسيوي لعام 2022، قدم مبادرة الأمن العالمي، والتي تنظر إليها بكين على أنها منفعة عامة تسهم في تعزيز حوكمة الأمن العالمي.
وأكد عظمات سيتوف، الباحث بجامعة الاقتصاد العالمي والدبلوماسية في أوزبكستان، “في تعزيز الأمن في آسيا الوسطى في إطار منظمة شانغهاي للتعاون، تلعب الصين بلا شك دورا مهما ورائدا”.
وأضاف سيتوف أن “المبادرات الصينية.. تسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية الاقتصادية والحد من التهديدات الأمنية في المنطقة”.
وفي عالم اليوم المترابط، لا يزال السلام هشا وسط التوترات الإقليمية والبيئة الأمنية غير المؤكدة. ويصادف هذا العام الذكرى السنوية الثمانين للانتصار في الحرب العالمية المناهضة للفاشية، أو الحرب العالمية الثانية. وفي مايو، زار شي موسكو، حيث حضر موكب يوم النصر في الساحة الحمراء.
وأشار شي ذات مرة إلى أن الدرس المؤلم المستخلص من الحرب يجب ألا يُنسى أبدا. وفي عام 2015، وهو العام الذي صادف الذكرى السبعين لنهاية الحرب العالمية ضد الفاشية، أكد شي في كلمته أمام قمة منظمة شانغهاي للتعاون في مدينة أوفا الروسية أن “جميع الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون صمدت أمام اختبار الدم والنار خلال الحرب العالمية الثانية، وساهمت في تحقيق النصر النهائي ببذلها التضحيات الجسيمة”. وفي بيان مشترك صدر بعد الاجتماع، وجه شي وبقية القادة المشاركين نداء حازما من أجل التنمية السلمية وتقدم جميع الأمم.
وقال شي ذات مرة، “فقط مع وجود بيئة سلمية عند بابنا الأمامي، يمكننا أن نطور أنفسنا بسهولة وراحة”.
— ثمار الازدهار
عندما استلمت الصين الرئاسة الدورية لمنظمة شانغهاي للتعاون من كازاخستان في العام الماضي، اقترح شي خلال اجتماع “منظمة شانغهاي للتعاون بلس” أن يتم إعلان عام 2025 عاما للتنمية المستدامة.
وخلال السنوات القليلة الماضية، أكد شي على تعزيز التنمية المستدامة للمنظمة من خلال مجموعة من المبادرات والمشاريع التعاونية. ويرى أن “التنمية الحقيقية هي التنمية للجميع والتنمية الجيدة هي التنمية المستدامة”.
وفي قمة بيشكيك عام 2019، أعلن شي عن مبادرة لإنشاء قاعدة نموذجية للمنظمة للتبادل والتدريب في مجال التكنولوجيا الزراعية بمقاطعة شنشي الصينية، وهي خطوة عملية من أجل “جعل المنظمة مثالا للتعاون القائم على المنفعة المتبادلة”.
وبعد عام، تم تدشين هذه القاعدة النموذجية في مدينة يانغلينغ على مستوى المحافظة، لتصبح مركزا للتجارة وتدريب المواهب وتبادل التكنولوجيا. وقد دربت القاعدة أكثر من ألفي مسؤول وفني زراعي من دول المنظمة والدول النامية، مما أسهم في دعم حملات الحد من الفقر في تلك الدول.
وعندما عُقد منتدى منظمة شانغهاي للتعاون حول الحد من الفقر والتنمية المستدامة في شيآن بمقاطعة شنشي في مايو، بعث شي برسالة تهنئة إلى المنتدى. وأكد ممثلو دول المنظمة الذين حضروا المنتدى أن الرسالة تعكس التزام الصين ببناء عالم جميل خال من الفقر بالشراكة مع جميع الأطراف.
وفي الوقت نفسه، قام شي بدمج مبادراته الإنمائية المقترحة، مثل مبادرة الحزام والطريق، مع الإستراتيجيات التنموية لدول منظمة شانغهاي للتعاون.
ويعد مشروع خط السكة الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان، الذي تم إطلاقه رسميا في أواخر العام الماضي في قيرغيزستان، تجسيدا لتعاون الحزام والطريق عالي الجودة بين دول المنظمة. وسيصبح الخط، الذي رعاه شخصيا شي مع نظيريه في آسيا الوسطى، ممرا إستراتيجيا يربط بين الصين وآسيا الوسطى، بما يعزز الربط والتجارة الإقليميين، فضلا عن تقوية الروابط الشعبية.
وسجل حجم التجارة بين الصين ودول المنظمة والدول المراقبة والشركاء في الحوار مستوى قياسيا بلغ 890 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يمثل نحو 14.4 بالمائة من إجمالي التجارة الخارجية للصين، وفقا للبيانات الرسمية.
وقال سيريك كورجومباييف، رئيس تحرير صحيفة (ديلوفوي كازاخستان)، إن “الجهود التي تبذلها الصين لبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك مع جيرانها ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي مخطط للتنمية المستدامة والمتعددة الأبعاد يرتكز على الاحترام المتبادل”.
وأشار كورجومباييف إلى أن رؤية شي تمثل مخططا لتعزيز التعاون الأوثق داخل منظمة شانغهاي للتعاون، مضيفا أنه “في مواجهة الاضطرابات العالمية والتغيرات العميقة في المشهد الدولي، فإن تعزيز الروابط مع الدول المجاورة سيفتح آفاقا جديدة لدفع الازدهار الإقليمي ودعم بناء عالم أكثر عدلا وإنصافا. ومما لا شك فيه أن منظمة شانغهاي للتعاون تضطلع بدور ريادي في هذا الصدد”.
المصدر: شينخوا