شؤون آسيوية – الدوحة –
جاءت زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الدوحة ولقاؤه مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في توقيت مشحون سياسياً وأمنياً، إذ لم يمض أسبوع على الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق الذي استهدف العاصمة القطرية وأوقع قتلى بينهم عنصر من قوى الأمن الداخلي.
هذا الهجوم لم يكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، إذ أثار نقاشاً واسعاً حول أمن الوسطاء الإقليميين ومستقبل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار في غزة.
ومن هنا، جاء اللقاء القطري–الأميركي ليشكّل محطة مركزية في إعادة رسم التوازنات سواء على صعيد العلاقات الدفاعية الثنائية أو على مستوى معالجة تبعات العدوان الإسرائيلي على الأراضي القطرية.
لقاء تميم وروبيو
أوضح البيان الصادر عن الديوان الأميري أن الأمير الشيخ تميم استقبل الوزير الأميركي والوفد المرافق له في مكتبه حيث جرى استعراض للعلاقات الاستراتيجية بين البلدين وسبل تطويرها، مع تركيز خاص على المجال الدفاعي.
كما تناولت المباحثات تداعيات الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، وهو حدث استثنائي بالنظر إلى أن قطر ليست طرفاً مباشراً في الحرب بل وسيطاً معتمداً من المجتمع الدولي في مساعي التهدئة. ولم تغب قضية غزة عن الطاولة، إذ تطرق الجانبان إلى مستقبل الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن وخفض التصعيد.
المواقف الأميركية والقطرية تجاه المفاوضات
جاءت زيارة روبيو إلى الدوحة بعد يوم من لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب حيث جدّد دعم واشنطن الثابت لإسرائيل.
لكنه قبيل وصوله إلى قطر تحدث عن أن “النافذة الزمنية قصيرة للغاية” للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، مشيراً إلى أن قطر هي الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور الوسيط بحكم علاقاتها مع حماس.
في المقابل، عبّر المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري عن موقف أكثر تشككاً، مؤكداً أن المفاوضات لا تبدو واقعية لأن إسرائيل، وفق قوله، تسعى إلى اغتيال كل من يتفاوض معها بل وقصفت دولة الوساطة نفسها، وهو ما يطرح علامات استفهام حول جدية أي عملية تفاوضية في المرحلة الحالية.
التعاون الدفاعي
القضية الأخرى التي نالت أهمية خاصة في اللقاء هي التعاون الدفاعي، فقد أعلن روبيو أن بلاده وقطر على وشك الانتهاء من اتفاقية دفاعية معززة، واعتبر أن هذه الاتفاقية تمثل امتداداً للشراكة الوثيقة بين البلدين.
وأوضح أن الاتفاقية كانت قيد النقاش منذ فترة لكنها أصبحت أكثر إلحاحاً بعد الهجوم الإسرائيلي. الأنصاري أكد بدوره أن العلاقات الدفاعية بين قطر والولايات المتحدة قوية ومتنامية، وأن الاتفاقية المرتقبة ستكون خطوة جديدة في مسار التعاون تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية وحماية أمن قطر وسيادتها.
الهجوم الإسرائيلي على الدوحة
الهجوم الذي وقع في التاسع من سبتمبر/أيلول شكّل نقطة تحول لافتة، إذ استهدف مقراً تابعاً لحركة حماس في العاصمة القطرية وأدى إلى مقتل عدد من قادة الحركة ومرافقيهم ومدير مكتب أحدهم، إضافة إلى عنصر من الأجهزة الأمنية القطرية.
إسرائيل بررت الضربة باعتبارها استهدافاً “إرهابياً”، غير أن غالبية ردود الفعل الدولية وصفتها بخرق خطير لسيادة دولة وسيطة. وقد سارعت الدوحة لإدانة العدوان والتشديد على حقها في الرد، فيما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب استياءه من الخطوة الإسرائيلية مؤكداً للقيادة القطرية أن مثل هذا الهجوم لن يتكرر.
الموقف العربي والإسلامي من الاعتداء
القمة العربية الإسلامية الطارئة التي عُقدت في الدوحة عقب الضربة الإسرائيلية حملت رسالة قوية تمثلت في تضامن عربي وإسلامي واسع مع قطر، ودعوة إلى مراجعة العلاقات مع إسرائيل بما في ذلك إمكانية تعليق عضويتها في الأمم المتحدة.
هذا الموقف وفّر غطاء سياسياً لقطر في مواجهة الاعتداء لكنه في الوقت نفسه عكس حجم التوتر الإقليمي المتصاعد، خاصة أن الحرب الإسرائيلية تجاوزت حدود غزة لتطال دولة مضيفة للوساطة.
مستقبل الوساطة القطرية في غزة
الدوحة التي اضطلعت بدور مركزي في التهدئة خلال السنوات الأخيرة وجدت نفسها في موقع حرج بعد استهداف أراضيها، حيث أكد الأنصاري أن الأولوية الآن هي حماية السيادة الوطنية ومعالجة تداعيات العدوان، ما يعني أن ملف الوساطة ليس في صدارة الاهتمامات كما كان في السابق.
لكن واشنطن، التي ترى في قطر قناة الاتصال الأكثر فاعلية مع حماس، لا تزال تراهن على استمرار هذا الدور.
روبيو شدد خلال زيارته على أن قطر “الدولة الوحيدة القادرة” على مساعدة الأطراف في التوصل إلى تسوية، وهو ما يعكس إصراراً أميركياً على إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً رغم التحديات.
الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة
الأزمة لم تقف عند حدود العلاقات الثنائية بل امتدت إلى المشهد الإقليمي والدولي، إذ باتت دول الخليج الأخرى تخشى أن يشكل الهجوم سابقة قد تتكرر، ما يدفعها إلى إعادة النظر في ترتيباتها الدفاعية وربما البحث عن ضمانات أميركية إضافية.
كما أن الضربة الإسرائيلية على قطر، الدولة غير المنخرطة في مسار التطبيع، أثارت أسئلة حول مصداقية “اتفاقيات إبراهيم” ومدى قدرتها على توفير الأمن. أما على المستوى الدولي، فقد أثارت الحادثة نقاشاً حول حماية الوسطاء والدول المستضيفة للمفاوضات، وهو موضوع قد يفرض نفسه في أروقة الأمم المتحدة قريباً.
اختبار العلاقات الثلاثية
العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وقطر من جهة أخرى، باتت أمام اختبار صعب/ واشنطن تؤكد التزامها الثابت بأمن إسرائيل لكنها في الوقت ذاته مطالبة بطمأنة قطر التي تستضيف قاعدة العديد الجوية وتشكل شريكاً استراتيجياً في المنطقة.
تصريحات ترامب وروبيو عن ضمان حماية قطر وعدم تكرار الهجوم تعكس محاولة لطمأنة الدوحة، غير أن مصداقية هذه الوعود ستخضع لاختبار حقيقي في أي مواجهة جديدة.
ليس حدثاً بروتوكولياً
المشهد يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، توقيع الاتفاق الدفاعي بين الدوحة وواشنطن يبدو قريباً، وهو ما سيشكل مظلة جديدة لحماية قطر، إضافة إلى أن استمرار الوساطة القطرية يبقى ممكناً لكنه قد يتم بشروط وضمانات جديدة وربما عبر توزيع للأدوار مع أطراف أخرى كالقاهرة وأنقرة.
في المقابل، قد تتجه الدوحة والعواصم العربية إلى تصعيد دبلوماسي ضد إسرائيل في المحافل الدولية، حتى لو اقتصر على خطوات رمزية. أما دول الخليج، فمن المرجح أن تعيد صياغة استراتيجياتها الدفاعية سواء بالاعتماد بشكل أوسع على واشنطن أو بتنويع شراكاتها العسكرية.
اللقاء الذي جمع الشيخ تميم وروبيو لم يكن حدثاً بروتوكولياً بل محطة فاصلة تحمل رسائل متناقضة، إذ أرادت واشنطن أن تظهر التزامها بأمن قطر وأن تبعث برسالة طمأنة عبر اتفاق دفاعي جديد، وفي الوقت نفسه ضغطت على الدوحة للاستمرار في وساطتها رغم أن الأخيرة تشكك في جدواها.
قطر بدورها أكدت على سيادتها وأدانت الاعتداء الإسرائيلي لكنها لم تغلق الباب نهائياً أمام دورها الوسيط، بل تركت المجال مشروطاً بتغيّر الظروف وضمان الحماية.
المصدر: وكالات

