إردوغان وأحمد الشرع في أنقرة
بقلم: غاليا ليندشترواس باحثة في
معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي –
- خلال العام الأخير، يغلب على الخطاب الإسرائيلي العام القول إن “تركيا هي إيران الجديدة.” وتُعتبر هذه المقولة إشكالية لأنها تقلل من شأن التهديد الإيراني الذي ما زال قائماً، وما زال هناك علاقات دبلوماسية وتعاوُن استخباراتي، ولو كان محدوداً، بين إسرائيل وتركيا. علاوةً على ذلك، تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتربطها علاقات وثيقة بالغرب، ولا توجد أيضاً أي دلائل على أنها تحاول إقامة شبكة وكلاء ضد إسرائيل، ومع ذلك، تشير هذه الأقوال إلى مخاوف لدى إسرائيل من أنقرة إزاء عدد من المجالات؛ ترتبط هذه المخاوف، في معظمها، بتعاظُم الحضور التركي في سورية، بعد سقوط نظام الأسد، وكذلك بتأثير تركيا في الترتيبات في غزة، بعد وقف إطلاق النار، وخصوصاً إذا ما ارتبط ذلك بحضور عسكري في قوة الاستقرار الدولية في القطاع. والساحة الأقل تداولاً في الآونة الأخيرة، لكنها تحمل، بدورها، إمكانات احتكاك، هي شرق البحر المتوسط، حيث تتمتع تركيا بميزة مستمدة من قوة أسطولها البحري، وإلى جانب ذلك، فإن التعاظم العسكري التركي، الذي يساهم فيه أيضاً تعاظُم مكانة تركيا في واشنطن وعواصم غربية أُخرى، واللغة الحادة الصادرة من أنقرة، أمور كلها تثير قلقاً في إسرائيل.
- تنبع المشكلة الأساسية بين الدولتين في قطاع غزة من أن أنقرة تعتبر بقاء حركة “حماس” في “اليوم التالي” لاعباً مهماً، ولو من وراء الكواليس، هدفاً مركزياً، وخلال الحرب، عارضت إسرائيل أي دور تركي كبير في التسوية في غزة. وجاء الرفض الإسرائيلي من الإدراك أن تركيا هي إحدى الدول الداعمة للحركة (إلى جانب قطر)، ومن أنه لم يكن هناك أي مؤشرات إلى مراجعة في أنقرة لموقفها من الحركة، بعد “مجزرة” السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بل العكس، إذ أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مراراً، أن “حماس” حركة مقاومة، وليست تنظيماً “إرهابياً”.
- واتّسمت تصريحات تركيا خلال الحرب بنقدٍ شديد لإسرائيل، حتى مقارنةً بدول أُخرى انتقدت إسرائيل بحدة. وفي نهاية شهر رمضان، في آذار/ مارس 2025، شتم أردوغان، قائلاً: “ليدمّر الله إسرائيل الصهيونية.” وهو تصريح يُظهر نزع الشرعية عن وجود إسرائيل بحد ذاته، ولم يعد استثناءً في الخطاب التركي. وفي الواقع، تتسع هذه النبرة بالتدريج؛ ففي شهر آب/ أغسطس 2024، انضمت تركيا إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهم الإبادة؛ وفي 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أصدر مكتب الادعاء العام في إستانبول أوامر اعتقال بحق 37 مسؤولاً إسرائيلياً، بينهم رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير الأمن القومي ورئيس الأركان، استناداً إلى اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
- ومع ذلك، قامت تركيا بدور مهم في الضغط على “حماس” للموافقة على وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، ولتحرير الأسرى الإسرائيليين من قبضة الحركة؛ وفي قمة السلام في شرم الشيخ، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أردوغان، قائلاً: “إنه دائماً موجود عندما أحتاج إليه.” ويرى ترامب أن أردوغان شخصية تستطيع حلّ مشاكله في الشرق الأوسط و”إنهاء الحروب”، ونسبَ جزءاً من نجاح تحرير جميع الأسرى الأحياء إلى جهود الرئيس التركي.
- وتشعر أنقرة بأن ثمة حاجة مُلحة إلى مشاركتها في غزة؛ لقد سافر أردوغان إلى قمة السلام في شرم الشيخ، وكان أحد الموقّعين الأربعة للاتفاق الذي اختُتمت به، وبعد أيام قليلة على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، عيّنت أنقرة “منسقاً للمساعدات الإنسانية لفلسطين”، وهو مسؤول كان يشغل في السابق رئاسة وكالة الإنقاذ التركية، وكان سفيراً أيضاً. وتُظهر منظمات المساعدة التركية صوراً لأشخاص تابعين لها يحملون الأعلام التركية، وهم يساعدون في رفع الأنقاض، ويقدمون مساعدات طبية، ويوزعون الطعام في غزة. وأضاف أردوغان أن الخيام غير كافية، ومع اقتراب الشتاء، يجب إرسال حاويات، وهي الحاويات نفسها التي استُخدمت لإيواء الأتراك الذين تضررت منازلهم في زلزال شباط/فبراير 2023. ومنذ وقف إطلاق النار، استضافت تركيا مؤتمراً لوزراء الخارجية من دولٍ عربية وإسلامية بشأن المرحلة الثانية من خطة النقاط العشرين لترامب، كذلك عُقدت لقاءات علنية بين مسؤولي “حماس” ووزير الخارجية التركي ورئيس وكالة الاستخبارات التركية. وعلى الرغم من المعارضة الإسرائيلية القاطعة لمشاركة جنود أتراك في قوة الاستقرار الدولية المقرر إنشاؤها في غزة، فإنه لا يمكن القول إن الفكرة طُويَت تماماً، ونُشر في الصحافة أن تركيا تدرس، بشكل ملموس، كيفية إرسال نحو 2000 جندي إلى القطاع.
- أمّا على الساحة السورية، فتنبع المخاوف الإسرائيلية الأساسية من وجود عسكري تركي في وسط سورية وجنوبها، ومن القيود المحتملة على نشاط سلاح الجو في الأجواء السورية. وعلى الرغم من أن الوجود العسكري التركي في شمال سورية بدأ منذ انطلاق العمليات العسكرية في سنة 2016، فإن طموحات أنقرة في بقية المناطق السورية أصبحت واقعية، بعد سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ولو كان الأمر متروكاً لأنقرة وحدها، لَأقامت قواعد عسكرية في سورية، لكن سلوك الرئيس السوري الشرع، الساعي لتنويع داعميه، إلى جانب نشاطات المنع الإسرائيلية، ساهما حتى الآن في إحباط هذه النيات التركية. وفيما يتعلق بالاستثمارات الاقتصادية المتوقعة في سورية، تخشى إسرائيل من أن بعض مسارات التجارة والطاقة التي تسعى تركيا للدفع بها قد يتجاوز إسرائيل، بما يهدد مشاريع كانت مهتمة بها، مثل المشاريع المتعلقة بممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC).
- وعلى الرغم من المخاوف من السلوك التركي، فإن التطورات على الساحة السورية تُظهر أن تركيا وإسرائيل تخشيان من مواجهة جوية بينهما. إن استعدادات الطرفين للعمل من خلال “الخط الساخن”، الذي أُسِّس في إثر محادثات بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين في باكو (بدفعٍ أميركي)، تُعتبر إشارة واضحة إلى أن الطرفين ما زالا يتحاشيان المواجهة المباشرة، وإلى جانب ذلك، يُتوقع أن يساهم التقدم بين إسرائيل وسورية نحو اتفاق أمني في تهدئة معينة على الساحة السورية، بما يشمل التوتر بين إسرائيل وتركيا.
- ظهرت التوترات بين إسرائيل وتركيا أيضاً في شرق البحر المتوسط، خلال العام الأخير، وخصوصاً على ساحتين: قبرص ومسألة الأساطيل المتوجهة إلى غزة؛ وفيما يتعلق بقبرص، أثار نشر منظومة الدفاع الجوي “باراكMX “، التي اشترتها من إسرائيل في أيلول/سبتمبر، ردات فعل سلبية في تركيا، وذهب بعضهم إلى تشبيه الوضع بالأزمة التي اندلعت عندما اضطرت قبرص إلى نقل منظومة S-300 ، التي اشترتها من روسيا، إلى اليونان في سنة 1997، تحت الضغط التركي؛ أمّا فيما يخص الأساطيل، فقد رافقت هذه المسألة العلاقات الإسرائيلية التركية منذ وقوع أحداث سفينة مرمرة في سنة 2010، حيث شارك نواب أتراك في أسطول “الصمود العالمي” في تشرين الأول/أكتوبر، وقال أردوغان للصحافيين، آنذاك، إنه تابع، عن كثب، الصور التي التقطتها طائرات مسيّرة تركية كانت تواكب الأسطول.
- وعلى مستوى العلاقات التجارية، فما زال الحظر الاقتصادي الذي أعلنته تركيا ضد إسرائيل في أيار/مايو 2024 قائماً، وتشدد تركيا على تطبيقه من حين إلى آخر، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار. ومع ذلك، استمرت البضائع في الوصول إلى إسرائيل، عبر دول وسيطة وتجار فلسطينيين. ويشير استمرار حجم التجارة الكبير (الذي بلغ في بعض الأشهر نصف حجم التجارة ما قبل الحظر) إلى الاهتمام الكبير لدى رجال الأعمال في البلدين بمواصلة التبادل التجاري؛ أمّا فيما يتعلق بحركة الطيران، فأوقفت شركات الطيران في البلدين الرحلات فيما بينهما، بعد اندلاع الحرب مباشرةً، ولم تُستأنف الرحلات حتى الآن.
- وإلى جانب بؤر التوتر بين تركيا وإسرائيل، لا يمكن تجاهُل التعاظم العسكري التركي، إذ حددت أنقرة ثلاث نقاط ضُعف في الجيش التركي، وتعمل على معالجتها بجدية، وخصوصاً في ضوء الدروس المستخلَصة من حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران؛ وتتمثل نقطة الضعف الأساسية في قِدَم أسطول الطائرات المقاتلة في سلاح الجو التركي والحاجة إلى شراء طائرات جديدة؛ وفي تشرين الأول/أكتوبر، وقّعت تركيا اتفاقاً مع بريطانيا لشراء 20 طائرة “يوروفايتر تايفون”، وهي في طريقها أيضاً إلى شراء نحو 24 طائرة مستعمَلة من الطراز نفسه، من الإمارات وعمان، للتغلب على مشكلة فترات الانتظار الطويلة للطائرات الجديدة؛ كذلك تتقدم تركيا في تطوير الدفاع الجوي، وتسعى لبناء منظومة “القبة الفولاذية”؛ إلى جانب ذلك، وسعّت تركيا، وبصورة كبيرة، أنظمة التنظيم المرتبطة ببناء الملاجئ في البلد؛ وأخيراً، خلال حرب الأيام الـ12، تحدّث أردوغان عن الحاجة إلى تزويد تركيا بصواريخ متوسطة وبعيدة المدى لأغراض الردع، ونشرت الصحافة أن تركيا تعمل على إنشاء منشأة لاختبار الصواريخ في الصومال.
- وفي الوقت نفسه، تساهم النظرة الشاملة إلى العلاقات الإسرائيلية – التركية في توضيح الصورة بشكل كامل، إذ يمكن تمييز مجالات لا تتعارض فيها مصالح الدولتين فحسب، بل تتكامل أيضاً، مثل الساحة القوقازية، وفي سورية، ضد الوجود الإيراني.
- ولإسرائيل مصلحة في أن تضطلع الولايات المتحدة بدورٍ لتهدئة التوترات بين إسرائيل وتركيا، ويتضح أنه لا يمكن سوى لتدخل الرئيس ترامب ومستويات عليا في الإدارة الأميركية المساهمة في ذلك في هذه المرحلة. وفي هذا السياق، إن تصريح القائم بأعمال السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك، خلال حوار المنامة، يُعتبر مهماً، إذ قدّر عدم وقوع حرب بين إسرائيل وتركيا، وأن هناك تعاوناً سيقوم بين الدولتين، من بحر قزوين إلى البحر المتوسط. وعلى الرغم من الانتقادات التي وُجهت إلى هذا التصريح في تركيا واعتباره دليلاً على عدم إدراك الواقع، فإن الولايات المتحدة عليها الإدراك أيضاً أن معارضة إسرائيل لنشر قواتٍ تركية في إطار قوة الاستقرار الدولية في غزة لن تلين، بسبب انعدام الثقة العميق بين الدولتين.
- وإلى جانب الولايات المتحدة، يجب على دول أُخرى في حلف شمال الأطلسي العمل على تهدئة التوترات بين إسرائيل وتركيا، سواء أكان ذلك علناً، أم في الغرف المغلقة، لأن الفيتو التركي يمنع التعاون الضروري بين إسرائيل والحلف، ويعيق الجهود في مواجهة روسيا في سياق الحرب الأوكرانية؛ كذلك تؤثر التوترات بين إسرائيل وتركيا في التوترات بين تركيا وقبرص وتركيا واليونان، في ظل تعزيز العلاقات بين هذه الدول الثلاث منذ أكثر من عقد، منذ أحداث سفينة مرمرة. وفي أي حال، يتعيّن على الدول الغربية إدراج التوترات بين تركيا وإسرائيل في حساباتها المتعلقة بصفقات السلاح والتعاون الصناعي – الأمني مع أنقرة، وعلى إسرائيل أن تواصل تعزيز علاقاتها بلاعبين يشاركونها بعض المخاوف من تركيا، مثل الدول الهيلينية والإمارات والهند.
- ويمكن أن يساعد الضغط الخارجي على التعامل مع مطالب لدى الجمهورَين في إسرائيل وتركيا لتعزيز مواقف متشددة تجاه بعضهما البعض. ويلاحَظ، على سبيل المثال، الارتباط بين نتائج الانتخابات المحلية في تركيا في آذار/مارس 2024 (التي كانت سلبية بالنسبة إلى أردوغان وحزبه) وبين فرض الحظر التجاري الكامل على إسرائيل، بعد وقت قصير. ويمكن لرفع الحظر التجاري، مثلاً، أن يكون خطوة لبناء الثقة بين البلدين، لكن يبدو كأن رفع الحظر يترتب عليه ثمن داخلي، بالنسبة إلى أردوغان. وكذلك هي الحال بالنسبة إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إذا سمح بدور تركي مهم في إعادة إعمار غزة. وإلى جانب ذلك، يجب أن يدفع السعي التركي لمشاركة واسعة في غزة إسرائيل إلى المبادرة وعدم الاكتفاء بردة الفعل فيما يتعلق بإعمار القطاع وإعادة الحياة فيه إلى مسارها الطبيعي.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

