شؤون آسيوية – عواصم عربية –
مع مرور نحو شهر على اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، تجاوزت تداعيات الصراع الحسابات العسكرية والسياسية لتمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في معظم دول المنطقة، وسط اضطرابات في امدادات الطاقة وتعطل جزئي للمنظومة التعليمية وضغوط على المعيشة.
وبينما استنفرت الحكومات جهودها للحد من آثار الحرب، وجد المواطنون أنفسهم أمام واقع متغير يحاولون التكيف مع تبعاته الاقتصادية والمعيشية، في وقت يحذر فيه الخبراء من تداعيات وسيناريوهات أكثر تعقيدا وسط حالة من عدم اليقين بشأن مآلات الصراع ومداه الزمني.
— إجراءات حكومية في مواجهة تداعيات الحرب
اعتمدت الحكومات نهجا يجمع بين استمرارية الحياة وإجراءات احترازية، حيث اتجهت دول مثل البحرين وقطر والإمارات وفلسطين (الضفة الغربية) وإسرائيل إلى العمل والتعليم عن بُعد، فيما استمرت الحياة بشكل طبيعي نسبيا في الأردن وسلطنة عمان.
اقتصاديا، تنوعت الإجراءات بين ترشيد الطاقة كما في مصر، وتعزيز تدفقات النفط كما في السعودية، وزيادة استيراد الوقود في العراق، إلى جانب رفع المخزونات الغذائية في عدة دول وتفعيل مسارات بديلة للإمدادات، خاصة في الأردن.
كما شهدت حركة الطيران اضطرابات متفاوتة، مع إغلاق مطار البحرين مؤقتاً، وتعليق رحلات في سلطنة عمان، مقابل إعادة فتح تدريجية للأجواء في الإمارات.
— تصريحات رسمية .. طمأنة وتحذير
وفي السياق ذاته، حملت التصريحات الرسمية رسائل طمأنة بشأن وفرة المخزون الاستراتيجي، إلى جانب تحذيرات من تداعيات اقتصادية عالمية.
وقال وزير الاتصال الحكومي الأردني محمد المومني لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن المخزون الاستراتيجي آمن ويكفي لمدة تتراوح بين 30 و 60 يوما، مع تفعيل خطط بديلة لضمان تدفق السلع، مؤكدا أن ارتفاع أسعار النفط عالميا لن ينعكس مباشرة على الأسعار المحلية.
وفي السعودية، حذر وزير المالية محمد الجدعان من أن الأسواق لم تستوعب بعد كامل تداعيات التصعيد، بينما طمأن محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان بقوة واستقرار الاقتصاد، وأعلن وزير النقل صالح الجاسر إجراءات لتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد.
وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن العودة للعمل والدراسة الحضورية جاءت بعد تقييمات أمنية دقيقة، مؤكدا عدم وجود تهديدات مباشرة حاليا، مع الحفاظ على التوازن بين السلامة واستمرارية الاقتصاد.
بدوره، شدد ولي العهد البحريني الأمير سلمان بن حمد على أهمية تعزيز الأمن الغذائي واستدامة سلاسل الإمداد، فيما لفت وزير التجارة عبدالله فخرو إلى تكثيف الرقابة لضمان استقرار الأسواق.
وبالمثل أكد المسؤول في الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية التابعة لوزارة التجارة العراقية فتاح العبيدي لـ((شينخوا)) تكثيف الرقابة لمنع استغلال الأزمة، مشيرا إلى أن الوضع الغذائي ما يزال جيدا بفضل مخزون يكفي لعدة أشهر، رغم ارتفاع كلفة الشحن والتأمين.
وأكد وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي كفاءة منظومة النقل وسلاسل الإمداد، مع اعتماد مسارات شحن مرنة، فيما قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن قرارات ترشيد الطاقة جاءت نتيجة الارتفاع الكبير في فاتورة الطاقة بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز.
— المواطن .. حياة يومية مضطربة
على مستوى الشارع، أظهرت ردود الفعل مزيجا من القلق المعيشي والضغط النفسي مع تزايد تأثير الحرب على تفاصيل الحياة.
ففي العراق، قال حسين عبد الرحمن، وهو عامل بناء، لـ((شينخوا)) إنه يخشى العجز عن تأمين لقمة العيش إذا طال إغلاق مضيق هرمز، مؤكدا أن الفقراء هم الأكثر تضررا، فيما أشار مواطنه يحيى المدلول، صاحب متجر، إلى ارتفاع أسعار المواد المستوردة، خاصة الأرز بنسبة 5 بالمائة نتيجة نقص الكميات الواردة عبر المضيق.
وفي لبنان، برزت معاناة النزوح والأزمة الاقتصادية، لكن يبقى النزوح هو التحدي الأخطر ذلك أنه يشكل عاملا يضاعف كل المشاكل الأخرى في الاقتصاد والأمن والخدمات بحسب الاخصائية الاجتماعية سلوى كنعان.
وحذرت كنعان من تغييرات ديموغرافية دائمة بسبب تدمير القرى الجنوبية، مما قد يؤدي لإعادة توزيع السكان طائفيا ويثير توترات وحساسيات مناطقية في بلد يقوم على توازنات دقيقة، في حين أعلنت وزيرة الشؤون الإجتماعية حنين السيد تسجيل أكثر من مليون و162 ألف نازح ما يشكل ضغوطا انسانية متزايدة.
ووصفت النازحة ليلى العلي لـ ((شينخوا)) حالة القلق من انقطاع السلع وتراجع القدرة الشرائية، فيما أشارت نادين سمرا، المسؤولة في وكالة لبيع وتأجير العقارات، إلى ارتفاع “صاروخي” في الإيجارات مع شروط قاسية في التأجير، وأكد سمير مصطفى، محاسب، توقف مؤسسات عن دفع الرواتب.
وفي الضفة الغربية، قال أحمد عبد الله، وهو صاحب متجر، لـ ((شينخوا)) إن تساقط شظايا الصواريخ أدى إلى حالة ذعر وتراجع السوق، بينما أكد مواطنه أبو محمد فقدان الشعور بالأمان، وأشار السائق محمود الكحلوت من قطاع غزة إلى أن أزمة الوقود خفضت دخله، فيما عبرت أم علاء عن مخاوف من عودة الجوع.
وفي دول الخليج والأردن، استمرت الحياة بشكل شبه طبيعي مع حذر واضح وتعبير عن القلق والضغوط النفسية.
وقال القطري محمد المري لـ ((شينخوا)) إن العودة التدريجية أعادت النشاط للأسواق رغم الارتفاع الطفيف للأسعار، وأكد مواطنه عبدالله المهندي أن القلق الأكبر كان من تأثير الحرب على الوظائف والقطاع الخاص، وأن الناس تتابع بحذر لكن الحياة اليومية عادت بشكل كبير الى طبيعتها.
كما أشار المواطن الإماراتي أحمد الكعبي، موظف في القطاع الخاص، إلى استمرار العمل دون تغيرات كبيرة، بينما رأت مريم الشامسي، وهي أم لثلاثة طلاب، أن التعليم عن بعد طمأن الأسر.
وفي الأردن، قال أحمد الريان وهو موظف في القطاع الخاص أيضا، إن الحياة طبيعية مع مخاوف من ارتفاع الأسعار، وأكدت حنان عبد السلام، ربة منزل، أن توفر السلع يمنح طمأنينة مشوبة بالترقب.
وشاطرتهم الرأي وفاء عيد من البحرين التي قالت لـ ((شينخوا)) إن القلق ما زال قائما رغم توفر السلع، فيما وصفت مواطنتها مروة سلطان، وهي موظفة في القطاع الصحي الذهاب للعمل في هذه الظروف الاستثنائية بأنه عبء نفسي.
أما في إسرائيل، فقد وصف الطالب إيتمار غرينبيرغ كيف قلبت الحرب الحياة اليومية مع البقاء في غرف محصنة مكدسة وسط ضغط نفسي متزايد، ملخصا المزاج العام بوجود “شعور متزايد باليأس والإحباط والإنهاك”، وهو ما يراه المعلم نيف شباطي الذي قال إن المجتمع الإسرائيلي معتاد، لكن الحرب الحالية تُبقي الناس تحت مستوى مرتفع من التوتر بسبب سقوط الصواريخ ووقوع إصابات.
— تقييمات الخبراء .. تداعيات عميقة ومستقبل قاتم
ويحذر خبراء في حديثهم لـ((شينخوا)) من تداعيات عميقة على اقتصادات المنطقة.
ففي العراق، قال الخبير الاقتصادي حسين مقداد حسين إن تراجع صادرات النفط من 3.4 مليون برميل إلى 250 ألفا يهدد بعجز عن دفع رواتب أكثر من خمسة ملايين موظف، مع مخاطر على العملة والأمن الغذائي.
وفي الأردن، أشار الخبير الاقتصادي منير دية إلى الضغوط التضخمية وارتفاع كلفة الطاقة، وتضرر السياحة، بينما حذر الخبير الاقتصادي المصري كريم العمدة من أن طول أمد الحرب سيفرض إجراءات أكثر قسوة في بلاده.
وأعرب المحلل السياسي والاقتصادي البحريني يوسف زينل عن قلقه من أن إغلاق مضيق هرمز وربما باب المندب سيؤدي لشح إمدادات الغذاء بينما يؤدي تعطل المنشآت الصناعية الكبرى لخسائر جسيمة وتحديات اجتماعية.
بدوره، يرى الباحث الإسرائيلي في الاقتصاد السياسي أمطانس شحادة، أن الاقتصاد إسرائيل يواجه تضخما متصاعدا وضغوطا مزدوجة، بينما اعتبر المحلل السياسي الفلسطيني إبراهيم أبراش أن الفلسطينيين يدفعون ثمن التوترات الإقليمية رغم عدم كونهم طرفاً مباشراً فيها ما يفاقم من معاناتهم المعيشية.
وفي المقابل، أشار المحلل السياسي القطري فالح الهاجري والخبير الاقتصادي العماني خلفان الطوقي إلى جوانب إيجابية نسبية، حيث رأى الهاجري أن استقرار الخدمات الأساسية بعث برسالة طمأنة قوية للأسواق المحلية والمستثمرين وساعد في احتواء آثار الحرب، وأكد الطوقي أن بلاده استفادت من ارتفاع أسعار النفط الناتجة عن الحرب، لكنه حذر من تبعات سلبية حال استمرار الحرب لفترة أطول.
المصدر: شينخوا

